
ومرت السنين، والضحكة اللي كانت غايبة رجعت تنور بيت شيماء وحياة العيال من تاني.
مريم ومصطفى كبروا وبقوا يدخلوا المدرسة، وكانت شيماء كل يوم الصبح تبص لهم بدموع الفرحة وهي مش مصدقة إن الأيام الصعبة عدت، وإن ربنا عوضها بعد الصبر الجميل ده كله.
في يوم من الأيام، كنت قاعد في مكتبي وبراجع أوراق الشغل، دخلت عليّ شيماء ومسكّة في إيدها ملف صغير وبادي عليها التوتر.
سألتها بابتسامة:
“خير يا شيماء؟ فيه حاجة شغلة بالك في الشركة؟”
حطت الملف على المكتب وقالت بصوت هادي مليان امتنان:
“دي أوراق الميزانية الجديدة يا طارق بيه، بس أنا جيت عشان أقولك حاجة تانية خالص..”
سكتت لحظة وكملت ودموعها في عينيها:
“النهارده كان أول يوم لمصطفى ومريم في المدرسة اللغات اللي كنت بحلم أدخلهم فيها.. ولما سألتهم في العربية مين القدوة بتاعتكم؟ مصطفى قال لي: بابا طارق!”
حسيت بدفء غريب في قلبي، وقلت لها:
“العيال دول بقوا زي ولادي بالضبط يا شيماء، وأنا ربنا يعلم إني اعتبرتكم عيلتي الحقيقية من أول ليلة شفتهم فيها نايمين في سريري في الفندق.”
شيماء ابتسمت وقالت:
“أنا عمري ما هنسى إنك ساعدتني في الوقت اللي الدنيا كلها كانت قافلة أبوابها في وشي.. أنت مش بس حميت ولادي، أنت رجعت لي ثقتي في نفسي وعلمتني إزاي أقف على رجلي وأكون إنسانة قوية.”
ومرت الأيام والشهور، والرباط اللي بيننا بقى أقوى من أي كلام.
شيماء أثبتت كفاءة كبيرة في الشركة وبقت من أهم المديرين، وإبراهيم، زوجها السابق، التزم بالأحكام والإجراءات القانونية بعد ما انتهت القضية.
وفي يوم عيد ميلاد التوأم السابع، جمعت العيلة كلها وجبت لشيماء وللعيال مفاجأة صغيرة.
قدمت لشيماء عقد الشقة اللي ساكنين فيها مكتوب باسمها وباسم العيال، عشان يضمنوا بيتهم ومستقبلهم وما يخافوش من بكرة أبدًا.
مريم ومصطفى جروا عليّ وحضنوني، ومصطفى بص لي بعينيه البريئة وقال:
“شكراً يا بابا طارق لأنك أجدع وأحن بابا في الدنيا!”
في اللحظة دي، عرفت إن الفلوس والإمكانيات مالهمش قيمة لو ما استخدمناهمش في مساعدة المحتاج وجبر الخواطر.
وإن ربنا لما بيقفل باب، ممكن يفتح أبواب جديدة، ويرسل لنا أشخاص يكونوا سببًا في تغيير حياتنا للأفضل.
وفي يوم فرح مريم ومصطفى بتخرجهم من الجامعة بعد السنين دي كلها، كانت القاعة مليانة بالضحك والبهجة والموسيقى.
شيماء كانت واقفة وسط الضيوف لابسة فستان شيك أوي ودموع الفرحة في عينيها وهي بتشوف التوأم كبروا وبقوا شباب رفعوا رأسها قدام الدنيا كلها.
مصطفى اتخرج من كلية الهندسة بتقدير امتياز، ومريم اتخرجت من كلية إدارة الأعمال وبقت ماسكة إدارة قسم كامل في الشركة زي أمها.
في نص الحفلة، الميكروفون اشتغل، ومصطفى ومريم طلعوا على المسرح وطلبوني أطلع جنبهم.
طلعت والكل قعد يسقف بحرارة.
مسك مصطفى الميكروفون وقال وهو بيبص لي بكل حب واحترام:
“النهارده يوم خاص أوي في حياتنا.. فيه راجل واقف جنبنا، الراجل ده هو اللي فتح لنا دراعاته ولما كنا أطفال مش فاهمين حاجة، وقف جنبنا وقت الشدة وحمانا وخلى أمنياتنا حقيقة.”
ومريم كملت وهي ماسكة إيدي وبتبكي من التأثر:
“لو فيه كلمة تعبر عن الأب والسند والضهر، فهي طارق بيه.. الراجل اللي علّمنا إن القوة مش بالفلوس، القوة بإنسانيتك ووقوفك جنب المحتاج.”
الناس كلها في القاعة وقفت وسقفت بصوت هز المكان.
وشيماء كانت واقفة تبص لنا والابتسامة مالية وشها وهي بتدعي ربنا في سرها على النعمة والعوض الجميل.
في اللحظة دي، افتكرت الليلة الأولى لما لقيت جزمة وردي صغيرة على الأرض الرخام في جناح الفندق.
وقلت في نفسي:
“سبحان الله، خطوة صغيرة ودتني لطريق غير حياتي كلها للخير، وعرفت إن الخير اللي بتعمله بإخلاص بيفضل أثره موجود وينور لك حياتك مهما طالت السنين.”
وانتهت الحفلة، وتفرق الضيوف وكل واحد رجع لبيته، بس الفرحة والحب فضلوا ساكنين في القلوب للأبد.
بعد كام شهر، قررت أعمل خطوة جديدة في الشركة، وجمعت شيماء ومريم ومصطفى في مكتبي.
حطيت قدامهم أوراق مؤسسة خيرية جديدة أنشأتها باسم:
“مؤسسة طارق وجبر الخواطر.”
بصيت لهم وقلت بابتسامة:
“المؤسسة دي هدفها تساعد كل أم محتاجة، وكل طفل محتاج بيت آمن وحياة مستقرة.. وأنا اخترت شيماء هي اللي تدير المؤسسة دي، ومريم ومصطفى يكونوا ضمن فريق الإدارة القانونية والهندسية ليها.”
شيماء مسحت دموع الفرحة من على خدها وقالت:
“ده أجمل مشروع عملته في حياتك يا طارق.. ده العوض والحصاد الحقيقي لكل الخير اللي زرعته فينا من سنين.”
وبالفعل، بدأت المؤسسة تساعد عائلات كتير وتوفر لهم الدعم والسكن المناسب والخدمات اللي يحتاجوها.
وبقى اسم المؤسسة سببًا في فتح أبواب الأمل لناس كتير كانت محتاجة فرصة جديدة.
وفي ليلة هادية، كنت قاعد في جنينة الفيلا، وبصيت للسما الصافية وقلت لنفسي:
“الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.. النية الصافية واليد التي تمتد للمحتاج هي التجارة الرابحة التي لا تبور أبداً.”
وتذكرت الطفلين اللي لقيتهم في سريري في تلك الليلة، والجزمة الصغيرة اللي كانت أول حاجة شفتها.
ابتسمت وأنا بقول لنفسي:
“أحيانًا، موقف بسيط جدًا يكون بداية لحكاية كبيرة، وحياة كاملة تتغير بسبب لحظة قرر فيها شخص إنه يساعد.”
ومن يومها، بقيت مؤمن إن أجمل ميراث ممكن يسيبه الإنسان مش المال ولا الممتلكات، لكن أثر طيب يفضل موجود في حياة الناس.
النهاية



