
سكت.
كررت سؤالها: “وفاء، هو سامح رجع الشغل؟”
ما عرفتش أرد.
لأن الحقيقة إن محمود ما كانش رجعه لحد اللحظة دي، وأنا كنت مأجلة الموضوع لحد ما أضمن إن أختي تسلمني الطفل.
أختي فهمت من سكوتي.
غطت وشها بإيديها وبدأت تعيط بحرقة، وقالت: “حتى الشغل كنتي بتكدبي عليا فيه؟”
حاولت أقرب منها، لكنها زعقت: “اطلعي بره يا وفاء! مش عايزة أشوفك!”
وقفت مكاني مش مصدقة اللي بيحصل.
كنت داخلة المستشفى وأنا متخيلة إني خارجة منها ومعايا ابني، لكن لقيت نفسي واقفة قدام أختي اللي عمرها ما حرمتني من حاجة، وهي بتطلب مني أمشي من قدامها.
خرجت من الأوضة وأنا بترعش، ولقيت محمود واقف قدام الباب.
بصلي وقال: “سمعتي كلامها؟”
رديت بعصبية: “إنت واقف تتفرج عليا؟ إنت السبب في كل ده! لو كنت رجعت سامح شغله زي ما وعدتني، كانت أختي على الأقل التزمت بكلامها!”
محمود بصلي بصدمة وقال: “أنا السبب؟ يا وفاء، أنا من الأول قلتلك إن اللي بتعمليه غلط، وإنتي ضغطتي عليا لحد ما وافقت أمشي الراجل الغلبان من شغله. أنا عملت كده عشان كنت فاكر إنك هتهدي، لكن إنتي كل ما كنتي بتاخدي خطوة، كنتي بتطلبي أكتر.”
صرخت: “يعني هتسيبني كده؟ بعد ما حلمي ضاع؟”
قال بهدوء موجع: “حلمك ما ضاعش، لكن إنتي حاولتي تحققيه على حساب وجع أختك.”
ما استحملتش كلامه، وسِبته ومشيت ناحية آخر الطرقة، وأنا مش قادرة أبص في وش حد.
لكن قبل ما أوصل للسلم، سمعت صوت صريخ جاي من أوضة أختي، وبعده صوت ممرضة بتجري وتنادي الدكتور.
جريت ناحية الأوضة، ولقيت الممرضات بيتحركوا بسرعة، والدكتورة بتطلب تجهيزات طبية.
وقفت بره وأنا قلبي بيترجف.
سامح كان قدام الباب، ماسك إيد ابنه الكبير، ووشه أبيض من الخوف.
قلتله: “فيه إيه؟ أختي مالها؟”
بصلي بعينين مليانين دموع وقال: “حالتها تعبت فجأة، والدكتور بيحاول يطمن عليها.”
حسيت إن كل غضبي اختفى في ثانية، وإن مفيش في الدنيا كلها حاجة تهمني غير إنها تقوم بالسلامة.
فضلنا واقفين قدام الباب، وكل دقيقة كانت بتعدي كأنها ساعة.
بعد وقت طويل، خرجت الدكتورة وطلبت مننا نقعد.
قالت إن أختي فقدت كمية كبيرة من الدم أثناء الولادة، وإنها محتاجة متابعة دقيقة، لكن حالتها بدأت تستقر.
سامح حط إيده على وشه وبدأ يبكي، وأنا قعدت على الكرسي وأنا بحمد ربنا إنها لسه عايشة.
وبعد شوية، خرجت الممرضة شايلة الطفل، وقالت إن أمه تقدر تشوفه لما ترتاح شوية.
سامح مد إيده، وأخد ابنه بحنان شديد، وفضل يبص لملامحه الصغيرة وكأنه بيحاول يحفظ كل تفصيلة في وشه.
ابنه الكبير قرب منه وسأله: “بابا، هو أخويا هييجي يعيش مع خالته؟”
سامح ضم الطفل لصدره وقال: “لأ يا حبيبي، أخوك هيفضل وسطنا، وإحنا هنحاول نعيش ونربيه زي ما ربنا يقدرنا.”
الولد سكت شوية، وبعدها قال: “طب هو مش هيجوع زينا؟”
السؤال ده كان كفيل إنه يخليني أحس بالخجل من نفسي.
طفل صغير، بدل ما يفكر في لعبه ومدرسته، بقى خايف إن أخوه يجوع.
سامح مسح على شعره وقال: “ربنا كريم يا ابني.”
أنا كنت واقفة على بعد خطوات، وسمعت كل كلمة.
وفجأة، حسيت إن الشنطة اللي كنت شايلها طول اليوم بقت تقيلة أوي، كأن كل حاجة جواها بتفكرني باللي عملته.
قربت من سامح وقلت بصوت مكسور: “أنا آسفة.”
رفع عينه ليا، لكنه ما ردش.
كملت: “أنا عارفة إن كلمة آسفة مش هتصلح اللي عملته، بس أنا كنت عايزة أبقى أم لدرجة إني ما بقيتش شايفة وجع حد غيري.”
سامح بص للطفل، وقال: “إحنا كلنا بنوجع يا وفاء، بس الوجع مش مبرر إننا نوجع بعض.”
ما قدرتش أرفع عيني في عينه.
بعدها بساعات، سمحوا لنا ندخل نشوف أختي. كانت أهدى، لكن التعب باين عليها، وأول ما دخلت، لقيتها حاضنة ابنها وبتبصله كأنها مش مصدقة إنه بقى في حضنها أخيرًا.
وقفت عند الباب، وما قربتش.
هي شافتني، وسكتت شوية، وبعدين قالت: “تعالي يا وفاء.”
قربت بخطوات بطيئة.
بصتلي وقالت: “أنا عارفة إنك بتحبيني، وعارفة إن الحرمان وجعك، لكن اللي حصل خلاني أخاف منك.”
الكلمة وجعتني أكتر من أي حاجة سمعتها في اليوم ده.
قلت لها: “عندك حق.”
كملت: “أنا مش هطلب منك الطفل تاني، ومش هضغط عليكي، ومش هخليكي تختاري بين ابنك وبين أكل عيالك. أنا غلطت، وغلطتي كبيرة.”
أختي فضلت ساكتة، وأنا طلعت من شنطتي ظرف كان فيه مبلغ كبير من الفلوس، وحطيته على الترابيزة جنب السرير.
قلت لها: “دي فلوس كنت مجهزاها عشانك وعشان العيل، بس مش عايزاكي تاخديها مقابل أي حاجة. دي حق عيالك في إنهم يعيشوا حياة أحسن، وحق سامح إنه يرجع يشتغل.”
أختي بصت للظرف، وبعدين بصتلي.
قالت: “أنا مش عايزة فلوسك يا وفاء.”
هزيت راسي وقلت: “أنا فاهمة، ومش هضغط عليكي تاخديها. بس سامح لازم يرجع شغله، وده مش مقابل ابنك. ده أقل حاجة أقدر أعملها عشان أصلح جزء من اللي بوظته.”
في اللحظة دي، دخل محمود الأوضة.
كان ماسك ورقة، وبص لسامح وقال: “أنا جاي أعتذرلك. اللي حصل في الشغل كان غلط، وإنت من بكرة ترجع مكانك، ولو حبيت ترجع، هتلاقي مكانك محفوظ. ومرتبك هيتحسب من يوم ما مشيت، لأنك ما سبتش الشغل بإرادتك.”
سامح بصله باستغراب، وقال: “أنا مش عايز أرجع شفقة من حد.”
محمود رد عليه: “ولا أنا هعرض عليك شفقة. إنت راجل شاطر، وأنا محتاجك في الشغل. وده حقك، مش صدقة.”
سامح سكت، وبعدها هز راسه وقال: “هفكر.”
محمود وافق، وما حاولش يضغط عليه.
أما أنا، ففضلت واقفة قدام أختي، وقلبي مليان ندم.
كنت فاكرة إن الفلوس تقدر تشتريلي كل حاجة، حتى الحاجة اللي عمري ما قدرت أجيبها بنفسي.
لكن لأول مرة في حياتي، فهمت إن في حاجات لو حاولت تاخدها بالقوة، بتخسر معاها ناس غاليين عليك.
عدت الأيام، وأختي خرجت من المستشفى بعد ما حالتها اتحسنت، ورجعت بيتها ومعاها ابنها الرابع.
وأنا رجعت بيتي، لكن الأوضة اللي جهزتها للطفل فضلت مقفولة.



