
نزلنا من على المسرح وسط موجة تانية من التصفيق اللي ماكنش مدي اهتمام لكل اللي بيحصل تحت، وعدينا من جنبهم من غير ما أنطق بكلمة زيادة. سيبته قاعد في مكانه، ملك الدنيا كلها من بره.. بس مكسور من جواه لآخر حد.
#حكايات_شروق_خالدخرجنا برة القاعة، والهوا النضيف ضرب في وشنا كأنه كان محبوس جوه زنزانة، وحمزة خدني في حضنه وقعد يضحك ويقولي: “شفتي يا أمي؟ كل التعب والسهر طلع ليه ثمن”، فضلت أعيش مع ضحكته دي وأنسى الدنيا وما فيها، بس حسيت برجفة خفيفة في إيدي لما لقيت تليفوني بيرن برقم غريب ملوش آخر.
بصيت للشاشة باستغراب، وفتحت الخط.. وكان الصوت من الناحية التانية مكسور وناشف، ومش محتاج تعريف:
“سارة.. تعالي نقعد.. لازم نتبرر، لازم نتكلم.”
رديت بصوت ناشف وثابت:
“مافيش كلام بينا يا طارق.. اللي اتكسر من تمانية عشر سنة ملوش تمن، والابن اللي جيت تحضره بالصدفة ده.. مش محتاج منك حاجة، ولا عمره هيعرفك.”
قفلت السكة في وشه، وخدت حمزة وركبنا العربية، وسبتهم ورا في القاعة، تايهين في صدمتهم، بينما أنا وحمزة طالعين لبكرة جديد، أحسن بكتير من أي حاجة كانوا يحلموا بيها.
رجعنا البيت، والدنيا كانت هادية حوالينا كأن العاصفة اللي عشناها في القاعة دي كانت في كوكب تاني. حمزة دخل أوضته عشان يرتاح من إرهاق اليوم، وسبني واقفة في البلكونة وعيوني تايهة في الشارع.
تليفوني رجع يرن تاني، بس المرة دي مش مكالمة.. دي رسالة نصية من رقم طارق نفسه. فتحتها ولقيت فيها كلمتين:
“عشان خاطر ربنا.. سامحيني، وعطيني فرصة أشوفه مرة واحدة بس.”
بصيت للكلمات دي وابتسمت بمرارة. فين كان “خاطر ربنا” لما سابني وأنا شيلة ابنه في بطني؟ فين كان وهو بيبعت الفلوس في السكك ويمشي واثق إننا في حتة وهو في حتة؟ وفين كانت إنسانيته وهو سايب مراته التانية تتحكم في رزقنا ومستقبلنا؟
مسحت الرسالة من غير ما أرد عليها بحرف واحد.
تاني يوم الصبح، وأنا بشرب شاي الصباح في المطبخ، سمعت صوت خبط خفيف على الباب. فتحت، وكانت الصدمة.. طارق واقف قدامي، لوحده، من غير بوديجاردات ولا طقم عربيات ولا حتى داليا. كان باين عليه التعب، وكأن السنين كلها نزلت على كتفه مرة واحدة.
بصلي بعيون مكسورة وقال بصوت واطي وخارج بصعوبة:
“عارف إني ماليش عين أقف قدامك يا سارة.. ولا حق أطلب منك تسامحيني.. بس كل اللي بطلبه منك، ثانية واحدة أشوفه بيها، أو أسمع صوته وهو بينادي ببابا.. حتى لو هحرمه من كل اللي أملكه وكتبه باسمه.”
بصيت له بثبات، وقلبي جواه هادئ تماماً، ومفيش ولا قطرة غضب.. بس فيه جبل من الكرامة.
رديت عليه بصوت واطي وحاسم:
“جاي تطلب منه يناديك بابا.. بعد ما حرمته منه تمانية عشر سنة؟ جاي تدور على الابن اللي ماكلش لقمة من تعبك، ولا لبس ثوب من خيرك؟ يا طارق.. حمزة عنده أب، ومات في ورقه وعقله من يوم ما اتولد.. وأنا ربيته على إنه راجل يعتمد على دراعه واسمه اللي صنعه بدمي وعرقي مش بفلوسك.”
فتح بوقه عشان يتكلم، بس وقفته برفعة إيد واحدة:
“اخرج من هنا يا طارق.. واعتبرنا متنا زي ما كنت مفكر من زمان. حمزة طالع لقدام، ومش محتاج نظرة شفقة ولا تركة من راجل صحي على ريحة الندم متأخر قوي.”
قفلت الباب في وش بهدوء تام، وسمعت صوت خطواته وهي بتبعد في الطرقة بطيء ومكسور. رجعت لقعدة المطبخ، لقيت حمزة طالع من أوضته وهو بيبتسم ويقولي:
“صباح الخير يا أمي.. جاهزة للجامعة وللي جاي؟”
بصيت له، وضحكت من قلبي وأنا بقوله:
“صباح الفل يا قلب أمك.. جاهزة لأي حاجة في الدنيا طول ما أنت جنبي.”
#حكايات_شروق_خالد
على مسرح الحقيقة
حكايات شروق خالد



