روايات وقصص

خاتم الصاعقة ووصية الأب#حكايات_شروق_خالد

دخلت البيت لقيت أمي بالتبني “زينب” –يا عيني عليها، أجدع وأحن مخلوقة– مرمية تحت بطانية مهفهفة وخفيفة كأنها مفرش ترابيزة، شفايفها زرقا من السقعة، والبيت تلاجة لدرجة أن نفسي طالع بخار زي قزازة الحجارة!
تمن شهور وأنا طايرة في الجو كطبيبة عسكرية في القوات الجوية، وأرجع ألاقي الهوانم والباشوات سابوا الست دي لحد ما عجزت حتى ترفع راسها على المخدة.
وجنبها على الترابيزة ورقة مكتوب عليها بخط جوز أمي: “إحنا طلعنا نغير جو في رحلة نيلية، وسيبنالك زينب تتصرفي معاه.. أقصد معها بقى!”.
أنا ليلى.
زينب ما جابتنيش لدنيا، دي هي اللي ربتني واعتبرتني حتة منها من وأنا صغيرة.. دي هي اللي كانت تحميني وتطبطب عليا، وتبنتني وكتبتني على اسمها من وأنا طفلة. ده غير إنها خدمت بلدها بصفتها إحدى رائدات التمريض في المستشفيات العسكرية وعاشت عمرها كله تواسي الجرحى والمصابين. ودلوقت… السرطان في أخر مراحله بيأكل في جسمها.
جريت ظبطت الدفاية لحد ما الشبابيك رتّجت. نضفتها، وغيرت لها هدومها، وبدأت أبل ريقها بشوية مية بالقشة وهي بتبلع بالعافية. كانت منشفة من كتر الجفاف.
سألت بلهفة: “أمال فين أمي.. قصدي جوز أمي وخواتي؟”
همست بصوت واجع قلبي: “سافروا… بيقولوا عايزين يستريحوا شوية.”
قريت باقي الورقة.. جوز أمي، وأخويا “تامر”، وأختي “بسمة”.. كلكو طالعين كروز وفسحة في الأقصر وأسوان، وسايبين عيانة بتتموت بحجة إنكو اتزهقتوا من خدمتها، وسيبينهالي “عشان أعرف أتعامل!”.
جريت فتحت حساب العيلة اللي كنت ببعتله نص مرتبي عشان علاجها.. بصيت في الأبليكيشن، لقيت الرصيد: 13 جنيه واثنين وأربعين قرش!
حفلات وفسح وتسوق وسبا.. وأخويا تامر منزل صورته على الفيس من فوق المركب وكاتب: “استحقينا كل دقيقة في الرحلة دي!”.
بصيت على نيش الصالون.. مفاجأة! النيش فاضي!
فين شهادات التقدير والدروع العسكرية بتاعتها؟
قالت لي وهي ضاغطة على سنانها من الوجع: “جوز أمك باعهم على النت يا ليلى.. قال دي حديد قديم ومحتاج فلوس للفسحة.”
حتى تليفونها المحمول خدوه معاهم، ومكلمين دار الرعاية قائلين إنها زايرة إسكندرية عشان محدش يسأل ولا ييجي يخبط!
وفجأة.. تقلّبت من شدة الوجع لدرجة إنها كادت تقع من على السرير.
مديت إيدي وجبت زجاجة المورفين بتاعتها. رفعتها قصاد اللمبة.. المفروض مكتوب عليها جرعة خفيفة، بس السائل جوه لونه مايل للأزرق الغامق! وبحكم شغلي كطبيبة فهمت على طول: دي النسخة المركزة، أقوى عشر مرات من المكتوب.. دي جرعة تخلي أي إنسان سليم ينزل قبره في دقايق!
سألتها بنبرة مرعبة: “مين جاب الدواء ده؟”
قالت بصوت متهدج: “تامر.. الليليلة اللي قبل ما يسافروا.”
“أخدتي منه يا ماما؟”
“أخدت جرعة واحدة.. نمت بعدها 14 ساعة وصحيت بروّح في الكنافة ومش قادرة أخد نفسي.”
وبصت في عيني وقالت بقلب جامد: “أنا خدمت في الميدان ياما يا ليلى.. وأعرف كويس إمتى حد عايز يغدر بيا ويموتني.”
قعدت ست أيام تتوجع من السرطان ومسكتش الزجاجة دي تاني!
وبعدين ضغطت بإيدها التعبانة على كفي.. حطت في إيدي خاتمها القديم.
وقالت بحرقة: “افتحيه من جوه.”
كان فيه نقش جديد محفور تحت حروفه القديمة: (موصى / Trustee).
“من ست شهور يا بنتي.. عملت وقف عهدي سري لأرض جدك اللي في دمنهور.. جوز أمك كان عايز يبيعها لمستثمر بملايين، وأنا قفلت عليها عشان محدش يلمسها، ولما أموت تبقى ليكي.. دار لرعاية المحاربين والمسنين.”
“مين اللي كتبها؟”

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى