
في الساعة 6 الصبح، وبعد ما خلصت وردية ليلية، رجعت البيت ولقيت جوزي في السرير مع أختي، بينما ابني اللي عنده 5 سنين كان بيرتعش لوحده على أرضية المطبخ الساقعة. قال باستخفاف: «الأطفال ساعات بيصحوا ويمشوا من السرير». لكن ابني الصغير همسلي: «بابا قالي أستنى في الضلمة». شلت ابني بهدوء ومشيت من غير ما أصحي أي واحد فيهم. ومع طلوع الشمس، فهمت إن أوضة الضيوف كانت مجرد البداية لحاجات أكتر هما كشفوها بإهمالهم.
كانت ريحة المستشفى القوية والمعقمة لسه لازقة في هدومي بعد 12 ساعة مرهقة في الشغل. الساعة 6:14 الصبح، فتحت باب البيت اللي كنت بشتغل حوالي 60 ساعة كل أسبوع عشان أحافظ عليه، وكل اللي كنت بتمناه إني أرمي نفسي على السرير وأنام.
لكن وأنا بلف ناحية المطبخ، رجلي لمست حاجة طرية وساقعة.
ما كانتش بطانية.
كان ابني آدم.
ابني اللي عنده خمس سنين كان متكور على نفسه فوق أرضية السيراميك، وبيترعش بشكل هستيري من البرد. كان لابس تيشيرت خفيف، ورجليه العريانين كانوا تقريبًا زُرق من شدة السقعة.
كل غريزة عندي كأم اشتغلت في نفس اللحظة. شلته بين دراعاتي، وكنت مستعدة أطلع أجري على فوق وأواجه جوزي أحمد.
لكن في اللحظة دي، سمعت ضحكة خافتة جاية من أوضة الضيوف.
ضحكة ست.
أختي الصغيرة دينا.
ما صرختش.
عشر سنين في طب الطوارئ علموني إن الذعر بيخلي الإنسان ياخد قرارات غلط، لكن الهدوء والتركيز ممكن ينقذوا حياة.
خرجت بابني، ربطته في كرسي العربية، وسُقت وسط ضباب الصبح من غير ما أصحي أي واحد فيهم.
بعد دقائق، أحمد اتصل.
ولما رديت، أول حاجة فكر فيها ما كانتش ابننا.
قال بعصبية:
— سلمى؟ إنتِ بتعملي إيه؟! إنتِ خدتي ابننا ومشيتي من غير ما تقوليلي!
فضلت باصة للطريق قدامي وقلت:
— ليه آدم كان نايم على أرضية المطبخ؟
رد باستخفاف:
— أكيد صحي وخرج من السرير! إنتِ تعبانة، وعشان كده مكبرة الموضوع. رجعيه البيت وبطلي تعملي نفسك ضحية.
في اللحظة دي، آدم اتحرك في الكرسي اللي ورا، وبصلي بعينين مليانين خوف.
— ماما… بابا زعلان؟ أنا خسرت الجايزة؟
ركنت العربية على جنب فورًا.
— جايزة إيه يا حبيبي؟
بصلي بخوف وقال:
— بابا قال إننا بنلعب لعبة اسمها «الجندي السري». قال لازم أفضل في المطبخ وأحرسه. ولو عملت صوت أو طلعت فوق، هخسر اللعبة ومش هناخد الجرو.
سكت لحظة، وبعدين كمل بصوت ضعيف:
— هو قفل باب أوضتي عشان أفتكر.
في اللحظة دي، حسيت إن نفسي اتقطع.
ده ما كانش أب اتلهى عن ابنه أو نسيه.
أحمد كان متعمد يخوف طفل عنده خمس سنين ويتلاعب بيه، ويسبيه لوحده في البرد، ويمنعه من سريره، بينما هو كان بيقضي الليل سرًا مع أختي دينا.
فتحت صوت المكالمة تاني.
كان لسه بيزعق وبيتهمني إني «مجنونة ومبالغة».
قلتله بصوت هادي، لكنه كان مليان غضب مخيف:
— أنا عارفة إن دينا عندك يا أحمد… وفي حاجة تانية لازم تعرفها…
حكايات شروق خالد
سكت أحمد فجأة.
لأول مرة من بداية المكالمة، ما سمعتش صوته.
قلت بهدوء:
— إنت سامعني؟
فضل ساكت ثواني، وبعدها قال:
— إنتِ بتقولي إيه؟ دينا مش عندي.
ابتسمت بسخرية وأنا باصة لآدم من المراية.
— متكدبش عليا يا أحمد. أنا سمعت صوتها بعيني… أقصد بودني. وعارفة إنها في أوضة الضيوف.
رد بسرعة:
— سلمى، إنتِ تعبانة ومحتاجة تنامي. إنتِ بتتخيلي حاجات.
— لأ. أنا محتاجة أفهم حاجة واحدة بس. ابني كان بردان ومرعوب في المطبخ، وإنت كنت في أوضة الضيوف مع أختي. دي مش حاجة أتخيلها.
صوته اتغير.
— إنتِ ناوية تعملي إيه؟
بصيت لآدم، ولقيته بدأ يغمض عينيه من التعب.
قلت:
— مش هعمل حاجة دلوقتي.
سكت لحظة، وبعدها أضفت:
— بس إنت ودينا هتكتشفوا قريب إن اللي حصل النهارده مش هيتدفن بسهولة.
قفلت المكالمة.
ما رجعتش البيت.
روحت على المستشفى اللي بشتغل فيه، لأن ده كان المكان الوحيد اللي كنت عارفة إن آدم هيبقى فيه دافي وآمن. دخلت بيه على الاستقبال، والممرضة أول ما شافته قربت بسرعة.
— يا سلمى، مال ابنك؟ وشه أبيض ليه؟
قلت:
— كان نايم على أرضية المطبخ طول الليل.
الممرضة بصتلي بصدمة.
— إزاي؟
ما جاوبتش.
كنت عارفة إن الكلام هيطلع بعدين، لكن قبل أي حاجة كنت عايزة أطمن عليه.
بعد الكشف، الدكتور قال إن آدم عنده انخفاض بسيط في درجة حرارة جسمه، لكنه مستقر ومحتاج دفا وراحة ومتابعة.
لما سمعت الكلام ده، حسيت إن رجلي ما عادش شايلاني.
قعدت على الكرسي جنب سريره، ومسكته من إيده الصغيرة.
— أنا آسفة يا آدم.
فتح عينه بصعوبة.
— إنتِ مش زعلانة مني يا ماما؟
دموعي نزلت غصب عني.
— لأ يا حبيبي. أنا عمري ما أزعل منك.
— أنا حاولت أكون جندي شاطر.
حضنته بقوة.
— إنت مش محتاج تكون جندي عشان تستحق الحب يا حبيبي.
فضل ساكت شوية، وبعدها قال:
— بابا قال إنك لو عرفتي اللعبة هتزعقي له.
اتجمدت مكاني.
— بابا قال كده إمتى؟
— قبل ما أنام.
— وقالك إيه كمان؟
آدم بدأ يفرك صوابعه في بعض.


