قصص

الشفرة و زوج أمي» حكايات شروق خالد

كانت رجلينا الاتنين متجبّسين، لما جوز أمي جرّني أنا وتوأمي من السرير، وزقّنا على الأرض عشان رفضت أعتذر. توأمي صرخت قبلي، فضحك وقال: «على الأقل واحدة فيكم فاهمة مين اللي هنا صاحب الكلمة».

أنا سكت تمامًا.

مش لأني استسلمت، لكن لأن توأمي كانت بعتت بالفعل لخالتنا الشفرة السرية اللي ما كناش بنستخدمها غير لما نحتاج مساعدة فورية.

هو افتكر إن سكوتي معناه إنه كسب.

وده كان أكبر غلط ارتكبه.

كانت توأمي لسه على الأرض جنبي، بتتنفس بصعوبة، والجبيرة بتاعت رجلها بتحتك بالسجادة وهي بتحاول ترفع نفسها. كنت حاسة إن رجلي نفسها بتترعش جوه الجبيرة الصلبة، لكن فضلت ملامحي ثابتة.

كنت عارفة إنه بيراقبني ومستني مني أي رد فعل.

هو دايمًا كان بيعمل كده.

كان عايز يشوف الخوف قدام عينيه.

فأنا ما اديتوش أي حاجة.

قال بصوت أهدى المرة دي:

«هتعتذري».

وبعدين بص لتوأمي وقال:

«إنتوا الاتنين هتعتذروا».

توأمي بصتلي.

مرة واحدة بس.

وده كان كفاية.

الشفرة كانت اتبعتت خلاص.

خالتنا كانت عارفة معناها بالظبط.

إحنا كنا عاملين الوعد ده من سنين: عمرنا ما نستخدمها على حاجة بسيطة، ولا عشان نكون متخانقين أو متضايقين، ولازم ما نستخدمهاش إلا لو واحدة فينا محتاجة حد ييجي لها حالًا.

مش بعد شوية.

مش بعدين.

دلوقتي.

جوز أمي نزل لمستوانا ومد إيده ناحية جبيرة توأمي، كأنه يقدر يجبرها تطيع كلامه لو خلّى الألم يزيد.

أنا سحبت رجلي لورا على قد ما قدرت، وقلت:

«إوعى تلمسها».

ملامحه اتغيرت.

مش لأنه اتفاجئ، لكن لأنه كان بيكره يسمع مني كلمة «لأ».

وقف تاني وبص ناحية طرقة البيت، كأنه مستني إن الحيطان نفسها توافقه.

وبعدين أشار للأرض وقال:

«خليكم مكانكم».

إيد توأمي دورت على إيدي.

صوابعها كانت ساقعة.

ضغطت عليها مرة واحدة.

إشارتنا.

حد جاي.

بعد كام دقيقة، سمعنا عربية بتدخل وتوقف بره.

جوز أمي سمعها هو كمان.

ولأول مرة الصبح ده، بطل يتكلم.

اتجه ناحية مقدمة البيت، لكن توأمي مسكت إيدي وهمست:

«ما تتكلميش».

وأنا ما اتكلمتش.

فضلنا نسمع.

باب العربية اتقفل.

خطوات قربت من البيت.

وبعدين سمعنا خبط على الباب.

جوز أمي لف ببطء وقال:

«مين اللي اتصلتوا بيه؟»

ولا واحدة فينا ردت.

الخبط اتكرر.

المرة دي كان أقوى.

جري ناحية الباب الأمامي، وسمعنا صوت خالتنا من الناحية التانية:

«افتح الباب».

ما كانش في صراخ ولا ارتباك.

بس قالت التلات كلمات دول.

جوز أمي حاول يضحك ويعدّي الموضوع، وابتدى يتكلم عن إننا مكبّرين الموضوع، وإننا فهمناه غلط، وإن كل حاجة تحت السيطرة.

خالتنا ما جادلتوش من ورا الباب.

قالت بس:

«أنا عارفة الشفرة معناها إيه».

وفجأة، ما بقاش فيه أي كلام عن الاعتذار.

جوز أمي بص لنا.

عينين توأمي اتمَلوا بالدموع، لكنها ما بعدتش نظرها عنه.

وأنا كمان ما بعدتش عيني عنه.

لأنه دلوقتي عرف الحقيقة.

الحاجة الوحيدة اللي كان فاكر إنه مسيطر عليها، وهي مين نقدر نطلب منه المساعدة، ما كانتش ملكه أصلًا.

اتحرك ناحيتنا تاني.

وفي اللحظة دي، إيد خالتنا قفلت على مقبض الباب.

وبعدين…

باب أوضة النوم بدأ يتفتح.

خالتنا «منى» ظهرت قدامنا، لكن اللي دخل وراها خلاني أنسى وجع رجلي للحظة.

كان معاها راجل في أواخر الأربعينات، لابس بدلة بسيطة، ووشه جامد بشكل يخوف.

عرفته فورًا.

عمي «حسام».

أخو أمي.

الراجل اللي جوز أمي كان طول الوقت بيمنعنا نتكلم معاه، وكل ما كنا نسأل عن سبب الخلاف بينهم، كان يقول لنا:

«عمكم حسام مش عايزكم، ومش فارق معاه أمركم».

لكن أول ما شافه جوز أمي، وشه اتغير.

قال بصوت متوتر:

«إنتوا جبتوا حسام هنا ليه؟»

خالتي ما ردتش.

عمي دخل وقفل الباب وراه بهدوء.

وبص له وقال:

«أنا اللي هسألك السؤال ده يا شريف».

سكت شريف.

أول مرة أشوفه مش لاقي كلمة يرد بيها.

خالتي جريت علينا، ونزلت على ركبتها رغم إن الأرض كانت مليانة حاجات واقعة.

مسكت وشي بإيديها وقالت:

«إنتِ كويسة يا مريم؟»

هزيت راسي.

وبعدين بصت لتوأمي «مي».

مي حاولت تبتسم، لكن دموعها نزلت غصب عنها.

خالتي حضنتها.

«أنا هنا يا حبيبتي».

الكلمة دي لوحدها كانت كفاية تخلي كل حاجة جوايا تنهار.

من شهور، كنا بنعيش في البيت ده وإحنا حاسين إننا محبوسين.

كل حاجة كانت لازم بموافقته.

الخروج بموافقته.

التليفون بموافقته.

زيارة أصحابنا بموافقته.

حتى مكالماتنا لخالتنا كانت لازم تحصل قدامه.

لكن كان فيه حاجة واحدة ما يعرفهاش.

الشفرة.

إحنا اخترعناها أنا ومي وإحنا صغيرين.

كانت عبارة عن جملة عادية جدًا، لكن معناها بالنسبة لنا كان واضح:

«النهارده الجو حلو».

لو واحدة فينا قالتها للتانية في مكالمة، كان معناها إن فيه خطر حقيقي.

ولو اتبعتت لخالتنا في رسالة، كان معناها:

«تعالي فورًا، وما تسأليش أي سؤال».

شريف كان واقف في نص الأوضة، بيحاول يستعيد هدوءه.

قال:

«منى، الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة».

خالتي رفعت عينيها له وقالت:

«أنا لسه ما قلتش أنا فاهمة إيه».

سكت.

عمي حسام قرب منه.

«إنت زقيت البنات؟»

شريف ضحك ضحكة قصيرة.

«كانوا محتاجين يتأدبوا».

عمي ما ردش.

بس خالتي قالت:

«هما عندهم جبائر في رجليهم».

شريف اتوتر.

«أنا ما عملتش حاجة تستاهل كل الدوشة دي».

مي بصت له وقالت بصوت ضعيف:

«إنت زقيتنا من السرير».

شريف لف لها بسرعة:

«اسكتي».

عمي حسام وقف بينه وبيننا.

«ما ترفعش صوتك عليها».

لأول مرة، شفت الخوف في عيون شريف.

مش خوف مننا.

خوف من عمي.

خالتي بدأت تبص حوالين الأوضة.

على الأرض.

على السرير.

على آثار الخبطة اللي حصلت.

وبعدين عينيها وقعت على كاميرا صغيرة مثبتة فوق الباب.

وقفت.

«دي كانت موجودة هنا من إمتى؟»

شريف ما ردش.

عمي رفع عينه للكاميرا.

«كاميرات؟»

شريف قال بسرعة:

«أمان للبيت».

خالتي بصت له بسخرية.

«أمان؟ ولا مراقبة؟»

وبعدين قربت من الكاميرا.

«وهل التسجيلات بتتخزن؟»

شريف سكت.

الصمت كان كفاية.

عمي أخرج موبايله وقال:

«كويس».

شريف اتوتر.

«كويس إيه؟»

عمي رد بهدوء:

«كويس إنك بنفسك أثبت إن فيه تسجيل».

شريف قرب منه.

«إنت بتلمح لإيه؟»

عمي بص في عينه مباشرة.

«لأني مش جاي هنا أتشاجر معاك».

سكت لحظة.

«أنا جاي آخد بنات أختي».

شريف ضحك.

«مش من حقك».

خالتي ردت فورًا:

«وأنا مش محتاجة حقك عشان أحميهم».

شريف بص لنا.

«هما مش هيمشوا من هنا».

مي مسكت إيدي.

لكن المرة دي ما حسيتش بالخوف.

لأن الباب كان مفتوح.

ولأن خالتي كانت واقفة قدامنا.

ولأننا أخيرًا ما بقيناش لوحدنا.

شريف قرب من السرير وقال:

«مريم، قولي لهم إن الموضوع كله سوء تفاهم».

بصيت له.

سنين وأنا بخاف من نظرته.

سنين وأنا بحاول أتوقع مزاجه قبل ما يتكلم.

لكن النهارده كان مختلف.

قلت:

«لأ».

وشه احمر.

«إيه؟»

كررت:

«لأ».

مي بصتلي.

وبعدين قالت:

«وأنا كمان».

شريف رفع إيده بعصبية.

عمي حسام أمسك معصمه قبل ما ينزل.

«إيدك».

صوته كان هادي جدًا.

«تنزل».

شريف حاول يفلت إيده.

«سيبني».

عمي سابه.

لكن قال:

«آخر مرة تمد إيدك عليهم».

شريف رجع خطوة.

خالتي اتصلت بالإسعاف عشان نكشف على رجولنا تاني، وكمان اتصلت بالشرطة.

أول ما سمعنا كلمة «شرطة»، شريف بدأ يصرخ:

«إنتوا بتضيعوا مستقبلي!»

خالتي ردت:

«مستقبلك مش أهم من حياة بنتين».

وبعدين حصلت حاجة غريبة.

شريف سكت فجأة.

وبص ناحية الكاميرا.

ثم ابتسم.

ابتسامة صغيرة خلت قلبي ينقبض.

قال:

«إنتوا فاكرين إن التسجيلات هتضرني؟»

عمي سأله:

«ليه؟»

شريف ما ردش.

بس قال جملة واحدة:

«لأنكم مش عارفين كل حاجة».

مي قربت مني وهمست:

«مريم… أنا خايفة».

مسكت إيدها.

لكن قبل ما أقدر أرد، شريف بص لنا وقال:

«اسألوا نفسكم ليه أمكم ماتت وهي سايبة كل حاجة في إيدي؟»

تجمدت.

أنا ومي بصينا لبعض.

أمي ماتت من تلات سنين.

طول الوقت كنا فاكرين إنها كانت مريضة.

لكن الطريقة اللي قال بيها الجملة خلتني أحس إن فيه سر مخبيينه علينا.

عمي حسام تغير وشه.

لأول مرة، شفت الغضب الحقيقي في عينيه.

قال:

«ما تجيبش سيرة أختي».

شريف ابتسم.

«ليه؟ خايف البنات يعرفوا الحقيقة؟»

مي سألت:

«حقيقة إيه؟»

شريف سكت.

خالتي بصت لعمي.

وعمي بص لنا.

وفهمت من نظراتهم إنهم كانوا عارفين حاجة.

حاجة إحنا ما نعرفهاش.

قلت:

«ماما ماتت إزاي؟»

ولا حد رد.

صرخت:

«ماما ماتت إزاي؟!»

عمي أخد نفس طويل.

وبصلي.

وقال:

«أمك ما ماتتش زي ما قالوا لكم».

وفي اللحظة دي…

وصل صوت سيارات الشرطة من بره.

لكن أنا ما كنتش بسمع غير جملة عمي وهي بتتردد في دماغي:

«أمك ما ماتتش زي ما قالوا لكم».

دخلت الشرطة البيت، وشريف حاول في الأول يتماسك، لكن أول ما شافهم، بدأ يتراجع ناحية الحيطة.

واحد من الضباط قرب منه وقال:

«إنت شريف محمود؟»

هز راسه.

«أيوه».

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى