
ساق العربيات السودا وقفت قدام طوارئ مستشفى السلام في ثواني، ونزلت ومعايا رجالة الحراسة بخطوات سريعة وصارمة ترعب أي حد يبص لنا. الممرضات والدكاترة كانوا بيوسعوا الطريق لوحدهم بمجرد ما شافوا وشي.
دخلت على مكتب الاستقبال وصوت خطواتي بيخبط في الأرض:
* “هبة البراوي فين في أنهي أوضة؟”
دكتور الاستقبال بلع ريقه بتوتر وهو بيبص في الكمبيوتر:
* “في… في العناية المركزة يا بيه.. الدور التالت، بس للأسف…”
ما استنيتش أسمع باقي الجملة، طلعت على السلم جاري كأني مجنون، ورايا آفا ورجالة الأمن. أول ما وصل قدام باب العناية المركزة، لقيت دكتور طارق واقف ورا الكزاز وبيراجع ملف في إيده.
شدّيت باب العناية وفتحتُه بقوة، وبصيت له بعيون مليانة نار:
* “دخلني لها حالاً.”
* “ما ينفعش يا بيه، الحالة حرجة جداً وضغطها نازل، وأي حركة غلط ممكن تؤدي لعواقب وخيمة، خصوصاً مع الحمل…”
قربت منه لحد ما حس بأنفاسي بتخبط في صدره، ووطيت صوتي بس كان بيقطع زي السكينة:
* “اسمعني كويس يا دكتور.. لو مراتي أو ابني حصل لهم حاجة، مستشفى السلام دي بكل اللي فيها هقفلها على دماغ اللي خلفوها.. فاهم ولا لأ؟”
دكتور طارق بلع ريقه بصعوبة ورفعت إيدي أشير له يهدى، وبعدين بصيت من كزاز الأوضة. كانت هي.. مرمية على السرير، والأجهزة متركبة في وشها وجسمها، وشعرها الأسود الطويل متسرح على المخخدة وهي باهتة كأنها ميتة. الوجع اللي حسيت بيه في قلبي ساعتها كان أقسى بكتير من أي رصاصة أخدتها في حروب المافيا.
في اللحظة دي، تليفوني رن رنة قصيرة تعلن عن وصول فيديو.
فتحت الشاشة بايد بترتجف شوية، وفتحت الملف اللي بعته مدير الأمن بتاعي.
الكاميرات كانت مصورة مدخل العمارة من بره.. الشتا كان بينزل بغزارة، وهبة كانت لسه نازلة من عربيتها، ماسكة شنطتها ومستعجلة. وفجأة، ظهرت عربية جيب سودا مظللة من غير نمر، ووقف قدامها شاب ضخم بيلبس جاكيت جلد غامق..
نزلت عيني على الشاشة أكتر وأنا ماسك التليفون بعنف لدرجة أن الكفر تقريباً اتكسر في إيدي.
الراجل ده نزل من العربية وراح ناحية هبة بسرعة. وهي حاولت تبعد عنه وترجع لوراه، بس هو مد إيده وزقها بقوة نحية سلم العمارة الداخلي الواطي.. وقعت على ظهرها ودماغها خبطت في الدرج وسكتت تماماً.
الراجل ركب عربيته وطار في الثانية كأن شيئاً لم يكن.
وقفت باصص في الشاشة، وعالمي كله التفت حواليا ببطء مرعب.
رفعت راسي وبصيت لآفا اللي كانت واقفة ورای وتعيط بصمت، وقلت بصوت هادئ جداً، هدوء ما بعد العاصفة:
* “جهزوا الرجالة كلها.. وهاتوا لي زفت الأرض ده.. حيّاً مش ميت.”
#حكايات_شروق_خالدالفصل الثالث
في أقل من ساعة، كانت شبكة الرصد والتعقب الخاصة بي جابت آخر عربية الجيب السودا دي. كاميرات المرور والرجالة بتوعي قدروا يحددوا مكانها وهي هاربة وداخلة على مخزن قديم في منطقة مقطوعة على أطراف القاهرة.
كنت قاعد في عربيتي اللاندروفر السودا، والجو بره تليق عليه برودة الشتا، بس النار اللي والعة جوه صدري كانت كفيلة تحرق المدينة بحالها. جنبي كان قاعد “سعيد”، رئيس الأمن وأقرب رجالة ليا، وهو بيقلب في تابلت صغير وفيه صورة وشاب ضخم.
* “عرفتوا مين الكلب ده يا سعيد؟” سألته بصوت واطي وخشن يقطع الكبد.
* “أيوه يا باشا.. ده «سلطان»، دراع اليمين لـ «المعلم عاصم»، اللي كان بينا وبينه صراع قديم على مناقصات الموانئ وشحنات التصدير.”
قبضتي على دركسيون العربية ضغطت بقوة لدرجة إن جلده تقريباً اتقطع تحت أصابعي.
* “عاصم؟ هو لسه فيه النفس ده؟”
* “شكلها كده يا باشا.. بس على إيدك النهاردة هيخلص.”
نزلت من العربية، وورايا تلات عربيات دفعة واحدة نزل منها رجالتنا الكامل. فتحنا باب المخزن المهجور بركلة واحدة كسرت قفله الخشبي القديم. التراب والغبار ملو المكان، وريحة الرطوبة كانت مالية الجو.
“سلطان” كان قاعد جوه على كرسي خشب مكسور، وحاطط إيده على دماغه. أول ما شافنا داخلين بالعدد ده والأسلحة متوجهة لراسه من كل اتجاه، لونه خطف وأرواحه هربت منه.
قربت منه بخطوات بطيئة، صوت جزمي بيخبط على الأرض الخرسانية. وقفت قدامه مباشرة، وهو بيرتعش كأنه في عز الشتا.
* “… بيه!” قالها بصوت مكسور ومرعوب. “اسمعني، أنا…”
ما استنيتش أكتر من كده. نزلت بظهر طبنجتي على رقبته ووشه بقوة، خلت الكرسي يتقلب بيه ويقع على الأرض وهو بيصرخ من الألم والدم سائل من مناخيره.
وطيت عليه، مسكته من تلابيب الجاكيت بتاعه ورفعته لفوق لحد ما رجليه بقت طايرة في الهواء، وبصيت في عيونه اللي نطت من مكانها من الرعب:
* “مين اللي بعتك ورا مراتي يا ابن الكلب؟ ومين اللي أمرك تعمل كده؟ انطق حالاً.. حسن والله أدفنك هنا والكلاب ما هتعلاقي أثر!”
الفصل الرابع
سلطان كان بيترعش زي الورقة الشجر وعروقه بارزة في رقبته من كتر الضغط، والكلام كان بيطلع منه متقطع ومرعوب:
* “أ… والنبي يا بيه ارحمني! والله العظيم ما كنت أعرف إنها تخص حضرتك.. ولا كنت أعرف إنها حامل! المعلم عاصم هو اللي أمرني بكده!”
ضغطت بصوابعي أكتر على رقبته لحد ما وشّه أخد لون أزرق، وصوتي طلع هادئ بس مرعب يقطع النفس:
* “عاصم الزفت عايز إيه من مراتي؟ إزاي تجرأ يمد إيده عليها؟!”
* “ص… صفقة الموانئ والحديد!” صرخ سلطان وهو بيكح ودموع الرعب نازلة من عينه. “لما رفضت تدي له المناقصة وتتنازل عن أراضي الشحن.. عاصم اتجنن وقال إنه لازم يوجعك في أكتر حاجة تكسرك.. طلب مني أروح أراقبها وأعمل فيها أي إصابة تخليك تتوتر وتبعد عن الشغل.. والله ما كنت أعرف إنها هتوصل !”
سكت ثواني.. الكلمات نزلت في دماغي زي صواعق النار. عشان شوية فلوس وصفقة رديئة.. يمد إيده على هبة وابني اللي لسه ما شافش الدنيا؟!
رميته على الأرض بقوة كأنه حتة قماش مقطوعة، ووقفت فوقه ببصات كلها غل:
* “سعيد!”
* “أمرك يا باشا؟” رد رئيس الأمن بتاعي وهو بيقدم خطوة.
* “اربط الكلب ده كويس في أعمدة المخزن.. واقفل عليه الباب. مش عايز بالساهل، ده لسه حسابه طويل.”
* “علم يا باشا.. وتحت إمرتك، هنعمل إيه مع عاصم؟”
رفعت راسي وبصيت برة المخزن للجو المطر والليل الأسود، ونبرة صوتي كانت بتنقط :
* “عاصم مفكر إن إمبراطوريته في مصر هتحميه.. عرفنا مكانه؟”
* “أيوه يا باشا، فيلته الخاصة في الهرم، وسهران هناك مع كبار رجالة بتاعه.”
* “تمام قوي.. جهزوا العربيات كلها. الليلة دي مش هيطلع عليها الصبح غير وعاصم بيندم على اليوم اللي اتولد فيه.”
#حكايات_شروق_خالد




