زجاجة الويسكي اتفرتكت على البلاط على بعد بوصتين من ودنها، وهي ما صرختش خالص. لمّت الشظايا بهدوء، وحطت زجاجة مطهر على الرخامة، وقالت للراجل اللي إنه يحط إيده فوق الحوض—أصلها لسه مبيضة الأحواض ومخلياها زي الفل.
تلات إخوة شبه بعض بالملل كانوا مراقبينها من الضلمة، ومستنيين الطيارة اللي بتيجي كل ليلة.
كل خدامة دخلت قبلها ما كملتش تمانية وأربعين ساعة.
وهي كان في جيبها مية جنيه، وإنذار طرد من الشقة، وأختها ياسمين اللي كان قدامها خمسة أيام على جلسة الكلى ومش قادرة تدفع ثمنها.
وبعدين، الساعة ستة الصبح تاني يوم، طبخت بطاطس في سمنة بلدي—والتلات رجالة اللي أخطر من بعض في مصر كلها وقفوا مسمّرين في عتبة الباب، وبصوا لأطباقها كأنهم شافوا أشباح.
مش هي دي اللي كانوا شايفينها. الميكروباص نزلها على بعد كيلومترين من البوابات، وكملت الباقي مشي في مطر نوفمبر الساقع.
سارة عادل كان عندها أربعة وعشرين سنة، وفي جيب معطفها مية جنيه مطويين مرتين، ومعاهم إنذار طرد نهائي بطلت تقراه لأنها كانت حافظة كل كلمة فيه. جزمتها كانت بتدخل المية. والكرتونة اللي حطتها جوة عشان تداري الخروم اللي في النعل بقت طرية ومالهاش أي لازمة في عشر دقايق. ولما وصلت البوابة الحديد، كانت صوابع رجليها اتجمدت وما بقتش حاسة بيها.
ولا كان فارق معها.
الأجر بالساعة اللي مكتوب في الورقة المعفنة بتاعت مكتب العمل كان تلات أضعاف الحد الأدنى. دي كانت الفكرة كلها. دي كانت الخطة من أولها.
قصر عائلة الهواري كان قاعد على تلة عالية فوق البحر المتوسط كأنه معمول عشان يحبس نفسه من كتر الكآبة—حجر رمادي، إزاز أسود، وشبابيك باصة على بحر بلون الطمي المبلل. ما كانش بيدي إيحاء بيوت خالص. كان شبه حصن مستني يشوف هي هتعمل إيه.
ست لابسة بدلة رمادية ناشفة استقبلتها عند باب الخدمة، وكانت بتزق ملفات جوة شنطة جلد وإديها بتترعش من كتر التوتر.
مدام إحسان. مديرة البيت.
“إنتي البنت الجديدة.” ما رفعتش عينها عنها. حلقة مفاتيح نحاس خبطت في الستانلس صرخت بصوت عالي. “إنتي متأخرة يوم بحاله. مش مهم. خادمات الدور التالت مشيوا إمبارح. والواد بتاع العربيات طفش الصبحية دي.”
سارة قلعت معطفها المبلل. “هنضف إيه؟”
“كل شيء.” مدام إحسان بصت لها أخيرًا. عينيها كانت حمرا، والجلد تحتهم أسود من قلة النوم والإرهاق. “بس أهم حاجة تبعدي عن طريقهم. لو فيه باب مقفول، إوعي تفتحيه. لو سمعتي إزاز بينكسر، استني عشر دقايق، وبعدين ادخلي ومعاكي المقشة. لو كلموكِ، ردي باختصار. وما تثبتيش عينك في عينهم كتير.”
قفلت الشنطة كأنها بتضربها، وبصت في ساعتها كأنها خيانتها.
“تمانية وأربعين ساعة يا سارة. لو كملتي الفترة دي، هحول لك مكافأة الشهر بنفسي.” سكتت شوية وقالت: “بلاش تبقي بطلة. هما مش عايزين أبطال. هما عايزين أشباح.”
باب الخدمة اتقفل بصوت خبط وراها.
السكوت في البيت ده كان تقيل لدرجة يخلّي الواحد يشرق.
سارة مسكت المفاتيح. المعدن غرز في صوابعها الناشفة. فكرت في الدفاية اللي في الغرفة اللي فوق الجراج اللي خصصوها لها—اللي كانت بايظة زي ما الإعلان قال—وفكرت في ياسمين أختها، اللي عندها واحد وعشرين سنة ومرمية على جهاز غسيل كلوي بيكلف في الشهر قد اللي سارة بتعمله في تلات شهور.
دخلت الصالة الكبيرة وبدأت تنفض التراب عن رف المدفاية.
الأبواب الكبيرة اتفتحت دفعة واحدة. صوت تلات خطوات على الرخام.
“قلت لك ارمي العربية عند الميناء مش في المحجر.”
“الميناء مليانة حكومة يا أدهم. المحجر كان أضيق وأنضف.”
“انتو الاتنين صدعتوني. ممكن نتفق إن الواد ده مات ونخلص؟ أنا عايز أشرب.”
سارة فضلت باصة في خشب الترابيزة بتعمل دواير منتظمة بقطعة القماش. وفي المرايا اللي فوق المدفاية ما شافتش غيرهم: التوائم تلاتة. طوال، عراض، وشوشهم شبه بعض بالضبط، وكل واحد فيهم خطر بطريقته.
أدهم ببدلة رمادية غامقة تلات قطع، شعره أسود وممسوح لورا، ووشه مفيش فيه أي تعبير كأنه كتاب مقفول.
حمزة مفاصل إيده مجروحة، وجاكيت الجلد بتاعه مفرود وريحته سجاير وحديد.
يوسف كان ساند على العتبة بقميص حرير مفتوح زرايره، وابتسامة باردة ميتة على شفايفه.
حمزة لمس حركتها في المرايا. الأوضة هديت بطريقة تخلي الواحد يحس إن فيه إيد بتقبض على رقبته.
سارة لفت وشها. ما خافتشت ولا كشت. ولا صرخت لما شافت الدم بينقط من إيده على السجاد الأبيض—أصلها كانت بتحسبها صح. سجادة متوسخة يعني هتاخد مسحوق صناعي، وده معناه إنها مش هتخلص شغل قبل الساعة تسعة.
“إنتي مين يا ولية إنتي؟” حمزة قرب خطوة، كأنه جبل عضلات محطوط عشان يخوف أي حد.
“مي—” تداركت نفسها. “سارة. الوكالة هي اللي بعتتني.”
عين أدهم نزلت من سويترها المبلل المقطع لحد جزمتها المبهدلة. طنشها في نص ثانية.
“مدام إحسان؟ دي مشيت من ربع ساعة.”
يوسف ضحك ضحكة تقرف. “واحدة جديدة. تفتكر هتقعد لحد امتى يا أدهم؟ بكرة الظهر؟”
“هطلع أشوف شغلي فوق لو خلصتوا.” سارة رجعت لترابيزتها.
الناس ما كانتش بتعاملهم كده. الناس كانت بتترعب منهم. حمزة عدى الأوضة، وحط إيده الملطخة بالدم على الحيطة البيضاء وساب بصمة دم واضحة. ووطى لحد ما بقى وشه على بعد سنتيمترات من وشها. كانت ريحته أدرينالين وحديد.
“نسيتي حتة هناك.” همس في ودنها.
سارة بصت للحيطة، وبعدين بصت لإيده. ومدت إيدها أخدت من عربيتها زجاجة بيروكسيد وقطعة قماش نضاف، وحطتهم على الترابيزة جنبه.
“حط إيدك فوق الحوض وأنت بتستعمله. أنا لسه مبيضة الأحواض بايدي.”
زقت عربيتها وطلعت بره، وسابت تلاتة من أخطر مجرمين البلد باصين لظهرها بذهول.
التامان وأربعين ساعة اللي بعد كده ما كانوش شغل، دول كانوا حرب بالهمس.
في الليلة دي، زجاجة ويسكي طارت وخبطت في البلاط جنب ودنها بسنتي. زعلت هزت كتافها بس ما صرختش. جابت المقشة، وكنست الشظايا في صمت، بينما حمزة كان مراقبها من الضلمة وماسك إزازة في إيده مستنيها تعيط.
“المفروض تجري وتهربي دلوقتي.” قالها وهو متلعثم.
“المفروض أنظف.” رمت الإزاز في الزبالة. “وأنت كده دايس لي عشر دقايق زيادة في دفتر الساعات.”
تاني يوم العصر، يوسف لقاها بتفرش سُرير فوق. كان عارف عن الستاشر ألف جنيه اللي متدينة بيهم للمستشفى. وقالها بصوت هادي ناعم زي الحبل اللي بيتلف حوالين الرقبة: الفوائد لوحدها هتغرقك.
سارة عدلت المخدة وقلبها كان بيدق زي الطبول في ضلعها.
“بما إنك بتدور في حساباتي،” قالت ببرود، “فأكيد عارف إن فاتورة التليفون ميعادها الثلاثاء. فلو سمحت ابعد عن السجاد عشان عايزة أكنسه.”
ابتسامته هربت من على وشّه.
اختبار أدهم كان هادي، وعشان كده كان أسوأهم. في المكتبة، تحت لمبة خضراء وحواليه السجلات ومسدس مفكك، قالها تفتح الدرج الشمال. خمسين ألف جنيه مربوطين بأستك.
“خدي رزمة، واطلعي على بيتك. ادفعي للمستشفى وما رجعيش هنا تاني.”
سارة بصت للفلوس. سنة كاملة من راحة البال والتنفس. صوابعها اترعشت. وبعدين قفلت الدرج بعنف لحد ما صوته خبط في صدرها.
“بفضل التحويل البنكي يا سيد أدهم. الكاش صعب يتبرر قدام الضرائب.”
أدهم بص لساعته الفضة. “ست وأربعين ساعة.”
“هبقى هنا بكرة.”




