منوعات

في ظِلّ ج1 حكايات شروق خالد

«مُتخفية في  واسعة وخايفة من الحقيقة.. بس غول حاصرها عند الباب، رفع عينها وكشف لها سر : كان عارف هي مين من أول ثانية!»

كانت لابسة هودي رجالي مقاس XXXL في عز حر يوليو، المليان في القماش التقيل عشان تفضل مختفية ومحدش يحس بيها.

بس لما أكبر ورأس لأشرس عصابة في البلد زنقها قدام الحيطة البلاط، بـ إيده المغطاة بالقفاز الجيلد مسك دقنها بالراحة، وجبرها ترفع عينها في عينه وقال بصوت واطي يرهب: «أنتِ بتاعتي.. ملكي أنا.»

الجو جوة مكاتب الحسابات بشركة «الفاروق للاستشارات المالية» في شارع المعز كان دايماً ريحته قهوة بايتة، وريحة الطباعات الشغالة طول اليوم، ونفس مكتوم بتاع ناس غرقانة في الهم ومصاريف الحياة.

بالنسبة لـ «مريم» اللي عندها 26 سنة، الريحة دي كانت بالنسبة لها الأمان.

مريم كانت مراجعة حسابات شرعية، مفيهاش غلطة، عايشة حياتها بقواعد صارمة أهمها: «إياكي تظهري.. خليكي في الظل».

بطولها المتوسط المليان، الدنيا علمتها من صغرها إن الست المليانة يا إما محدش بياخد باله منها، يا إما بتبقى هدف سهل للتريقة والكلام المسموم.

عشان كده اختارت تختفي.

لبسها اليومي كان عبارة عن بنطلون جينز واسع وهودي أسود رجالي مقاس كبير جداً، حتة قماشة تقيلة بلعت معالم جسمها، ووسطها، وكل قلقها من نظرات الناس، مش مهم حر الصيف ولا الرطوبة اللي تخنق.

لما بتخرج، بتسحب الزعبوط على وشها، يرمي ضل داري خدودها المليانة، وشفايفها المرصوفة، وعيونها العسلي الواسعة اللي عمرها ما سابت حد يبص فيهم وقت كفاية عشان يشوف جمالهم.

حياتها كانت عبارة عن أرقام الشيتات، وشقتها الهادية في شبرا، وقطتها الصغيرة.

كل ده اتغير.. يوم ما اتكلفت بمراجعة دفاتر شركة «الشهاب للنقل البحري»، شركة شحن متسجلة في الميناء.

ما أخدتش من مريم أكتر من 48 ساعة من مطابقة أوراق الشحن مع التحويلات المتبعتة لبرة عشان تفهم إن شركة «الشهاب» مش بتنقل بضايع وبس.. دول ببييضوا فلوس شمال، ملايين الجنيهات بتتغسل من خلال شركات وهمية.

والألعن، إن مديرها «جمال»، الراجل اللي كان دايماً عرقان وبيترعش لما التليفون يرن، حذرها بصريح العبارة وقالها تعدي الحسابات وتوقع من غير ما تنبش في الدفاتر المقفولة.

مريم مكنتش تقدر تعمل كده.

أبوها الله يرحمه، «طاهر»، كان محاسب بسيط مات في السجن مظلوم بعد ما شال شيلة نصل واختلاس كبيرة هو مالوش أي ذنب فيها.

عشان كده رفضت تبصم على كدبة.

في ليلة مطرة، بعد ما المكتب فضي تماماً من الموظفين، كانت مريم قاعدة لوحدها قدام الشاشة، بتمشي نقل الملفات المشفرة على الفلاشة.

قلبها كان يدق زي الطبول جوة صدرها.

كانت لسه هتشيل الفلاشة من الكمبيوتر.. وفجأة، الزجاج الباب الرئيسي بتاع الشركة اتكسر حتت حتت.

الصوت كان زي المفرقعات!

مريم اتخضت واتكمشت في كرسيها، وسحبت رباط الهودي وقفلته على وشها جامد لحد ما القماش اتجمع حوالين خدودها.

صوت خطوات جزمة تقيلة ورزينة كانت بتنرن في الممر. مش جزمة بوليس، دي جزمة جلد فاخرة. دخل 3 رجالة للمكتب.

تنين منهم حراس طول بعرض، لابسين بدل رمادي تفصيل، ووشوشهم زي الحجر.

بس الراجل اللي كان ماشي في وسطهم هو اللي سحب الهواء من الأوضة كلها: «حمزة العطار».

حتى لو كانت ست عايشة طول عمرها ورا شاشات الكمبيوتر، الاسم ده مكنش غريب عليها.

حمزة، عنده 32 سنة، هو الكبير والعقل المدبر لعائلة العطار، شبكة ماسكة كل التجارة الشمال، والموانئ، ونص العقارات اللي في البلد.

راجل معروف بقسوته، وعقله الموزون، ووسامته اللي تخوف: فك حاد، شعر أسود متظبط، وعيون زرقاء زي التلج.

مبصش للمكاتب الفاضية.

عينيه نزلت طوالي على نور شاشة مريم في أخر الأوضة.

— «انزلي اقفي عندك!».. زعق واحد من الحراس وهو حاطط إيده على جنب جاكيت البدلة.

ركب مريم كانت بتخبط في بعضها وهي بتقوم، وكانت هتتكعبل في هجوم الهودي الواسع اللي نازل عليها زي الخيمة ومغطي إيديها اللي بترتعش.

— «أنا.. أنا معاييش فلوس هنا،» اتأتأت وصوتها طلع طالع بالعافية: «الخزنة جوة في مكتب الأستاذ جمال..»

رفع حمزة إيده المغطاة بالقفاز الأسود، ووقف كلامها في ثانية. السكوت اللي جه بعد كده كان يمرض.

قرب منها بخطوات هادية ومحسوبة زي الفهد، وما وقفش غير لما بوز جزمته الجلد لمس جزمته الكوتشي القديمة.

ريحة برفانه—خشب الصندل مع التبغ والمسك—ملت المكان ولفت حواليها.

بص بصه سريعة على الفلاشة اللي كانت لسه بتنور أحمر في كيسة الكمبيوتر.

— «أنتِ بنت طاهر..» قالها.

صوته كان رخيم ودافي، عمل رعشة في ظهرها من فوق لتحت. مكنش بيسأل.. كان متأكد.

— «أنت تعرف بابا منين؟».. اتنهدت مريم، وإيدها نزلت جوة جيب الهودي الكبير، وضغطت بضوافرها على إيدها عشان تمسك نفسها.

حمزة ماردش على سؤالها. بل بالعكس، أخد نص خطوة كمان وقرب منها أوي، دخل في مساحتها الشخصية تماماً.

مريم رجعت لورا بتلقائية لحد ما ضهرها خبط في حرف المكتب. مكنش في مفر.

وطت رأسها أكتر، وسحبت الزعبوط عشان يداري وشها عن عينيه اللي بتقرأ كل حاجة.

هي متعودة الرجالة تبص لها يا إما بقلة اهتمام يا إما بتريقة.. مكنتش هتقدر تستحمل تشوف قرف في عين راجل زي ده.

— «فاكرة حتة القماشة دي هتدرايكي مني يا عروسة؟».. هَمس حمزة.

وقبل ما تستوعب الحركة، كانت إيده اليمين اترفت.

صوابعه القوية، اللي لابسة قفاز جلد ناعم، مسكت طرف الزعبوط بالراحة، ورجعته لورا.. ونزلت شعرها بني الغامق الناعم على كتافها في موجات عفوية.

مريم اتخضت وحاولت تلف وشها الناحية التانية، الخجل والرعب كلوا وشها.

حست بوزنها، وجسمها المليان، وكل حاجة كانت بتحاول تخفيها باينة أوي تحت النيون الأبيض بتاع المكتب.

بس حمزة مسبهاش تلف.

صوابعه مسكت دقنها بالراحة بس بتمكن، وجبرها ترفع وشها وتيجي عينها في عينه.

عينيه التلجية اتوسعت لكسر من الثانية لما بص على ملامحها: خدودها المحمرة، مناخيرها المرفوعة بتحدي، وعيونها العسلي اللي بتلمع بالدموع من الخوف والغضب.

مكنش باين عليه أي قرف.. بالعكس، كان باين عليه إنه مشهود، زي راجل لقى كنز مدفون في وسط مقبرة.

— «سيبني..» همست بصوت بيترعش بس حاولت تحط فيه غل: «أنا مجرد مراجعة حسابات غلبانة.. خد الفلاشة وامشي وسيبني في حالي.»

مسكته لدقنها ثبتتها أكتر.

إبهامه مشي بالراحة على شفتها التحتانية، حركة دافية وصادمة خلت نفسها يقف.

وطى رأسه لحد ما شفايفه بقت قريبة جداً من ودنها.

— «أبوكي كان مديون لعيلتي بـ 3 مليون جنيه لما مات يا مريم..» همس، ونبرة صوته كانت بتسحر: «وكان حاطط شرط إن بنته هي اللي هتسدد الدين ده لو هو مقدرش.. أنا كنت جاي النهاردة هنا عشان أخلص من واحدة كانت بتبص في أوراق الشحن بتاعي..»

رجع لورا سنة عشان يبص في عينها طوالي.

البرود اللي كان في عينيه اتحول لنار غيرة وتملك خلت ركبها تسيب خالص.

— «بس الحسابات اتغيرت،» قالها بصوت نبرته قاطعة ومفيهاش رجعة: «أنتِ مش هتروحي حماية شهود ولا هترجعي شقتك الهادية في شبرا.. أنتِ بقيتي بتاعتي خلاص.. المحاسبة بتاعتي، والمسؤولة مني.. والست بتاعتي.»

 

حكايات شروق خالد

 

مريم حسّت إن الأرض بتميد بيها، وأنقاسها المكتومة جوة الهودي بدأت تسرع كأنها في سباق. الكلمات كانت بتضرب في دماغها زي الصاعقة: دين؟ ٣ مليون جنيه؟ مسؤولة منه؟

حاولت تزق إيده بعيد عن دقنها، بس مسكته كانت ثابتة وقوية زي الحديد، من غير ما توجعها بس قافلة عليها أي طريق للهرب.

— «أنت بتقول إيه؟» بصت له وعينيها بتلمع بالدموع والذهول: «أبويا مات مظلوم وما سابش وراه غير سمعه وطيبة قلبه! عمره ما استلف ولا اتداين من أشكالكم! أنت اكيد غلطان في العنوان!»

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى