
نفيسة اتنهدت بتمثيل: “عملت كل اللي أقدر عليه عشان أساعد مرات أخويا، بس هي شايفاني عدوتها. مش عايزة حد ينصحها، وعايزة تسيطر على أخويا وتعزله عن أهله.”
كنت واقفة ورا باب المطبخ سامعة كل حاجة.
لحد ما قالت الكلمتين اللي خلوا إيدي تثلج: “بصراحة، البنت دي شريرة ومتكبرة، وأنا عمري ما هاسمح لها تحول أخويا عليا.”
دخلت الصالة.
الكل سكت.
بصيت لـ نفيسة دغري: “لو عندك مشكلة معايا، تعالي قوليها لي في وشي. متستنيش لما أطلع من الأوضة وتفضلي تحكي للناس إني عايزة أخرب علاقتك بأخوكِ.”
حطت إيد على إيد: “يعني بتقولي إني كذابة؟”
“بقول إنك عارفة كويس إيه اللي حصل بينا. عمري ما منعتك تزوري أخوكِ، ولا قلت له يسيبك. كل اللي طلبته إنك تبطلي تقرري وتتحكمي في بيتي وجوازتي.”
سخرت: “شايفين؟ هو ده اللي بتكلم فيه! مش قادرة حتى تتقبل النصح.”
أخذت نفس طويل: “يا نفيسة، أنتي متجوزة ومعاكي جوزك وعيالك. بتاخذي قرارات في بيتك، وعمري ما اتدخلت أو سألتك عنها. ليه بقى صعب عليكي تقبلي إن أنا كمان عندي بيت لازم أديره؟”
قبل ما ترد، كمال دخل الأوضة.
وكان سامع كل حاجة.
للحظة واحدة، حسيت إنه كيف أخيراً.
بس بدل كده، بص لي وقال: “مريم، مش هنا. تعالي برة.”
مشيت وراه.
وأول ما خرجنا الممر، التفت ليا بعصبية: “أنتي فقدتي احترامك خالص؟ رايحة تحرجي أختي قدام العيلة كلها!”
حسيت الدموع بتتجمع في عيني: “يا كمال، كانت بتقول للكل إني عايزة أعزلك عن أهلك. كنت عايزني أعمل إيه يعني؟ أبتسم وأتظاهر إني مسمعتش؟”
فرك جبهته: “كان المفروض تسكتي.”
بصيت لجوزي، الراجل اللي دافعت عنه حتى لما أخته كانت بتضايقني.
وسألته السؤال اللي كنت كاتماه جوايا بقالي شهور: “يا كمال، لو أنا اتعاملت مع جوز أختك بالطريقة اللي أختك بتتعامل بيها معانا، كنت هتقبل كده؟”
عقد حواجبه: “تقصدي إيه بكلامك ده؟”
“قصدي، لو بقيت أتصل بجوز أختك كل ما أنا وأنت نعوز ناخد قرار، ولو طلبت أعرف أنت بتديني كام لمرتك، ولو صممت إن مراتك تمشي على كلامي، هل كنت هتسمي ده حب واهتمام؟”
فتح بوقه، بس مطلعش منه أي كلمة.
كملت كلامي: “أختك ليها الحق تدير بيتها بالطريقة اللي شايفاها صح، وعمري ما انتقدتها على ده. بس مديهاش الحق تفرض سيطرتها على بيتي وجوازتي لمجرد إنها مسيطرة على بيتها هي.”
كمال بص بعيد.
ولأول مرة أشوف إنه مفيش في بوقه رد فوري.
وقبل ما حد فينا ينطق بحرف تاني، تلفونه رن.
كانت نفيسة.
رد.
وكنت سامعة صوتها من مكاني بوضوح: “يا كمال، لو عاوز تهدى الأمور في العيلة دي، لازم تاخد قرار حاسم مع الست دي. طالما هي مكملة في طريقتها دي، أنا مش هدخل بيتك تاني أبداً.”
جوزي بص لي.
وبعدين قال في التلفون كلمة خلت قلبي يقع في رجليا: “متخافيش يا نفيسة. أنا هتصرف مع مراتي.”
قفل المكالمة.
وقفت مكاني، مستنية يفهمنا هو يقصد إيه.
بس عدى من جنبي من غير ما يتكلم.
وفي نفس الليلة، وإحنا راجعين البيت، كمال خد قرار هيغير شكل حياتنا وجوازنا بطريقة مكنتش أنا ولا أختها نتوقعها خالص.
لأنه كان على وشك يعمل حاجة هتخليني أشك أصلاً لو كان في يوم من الأيام فاهم يعني إيه يكون راجل وجوز حقيقي.
بصيت له وقلبي بينبض بسرعة، ومستنية أعرف هو ناوي على إيه.
دخلنا البيت، وقفل الباب وراه. قعد على الصالون، وبص لي بنظرة ناشفة وقال: “يا مريم، من بكرة الصبح، أختي هتيجي تقعد معانا كام يوم لحد ما الأمور تهدى.”
برقت عيني فيه وأنا مش مصدقة وداني: “أختك هتيجي تقعد معانا؟! بعد كل اللي عملته ده، جايبها تقعد في بيتي عشان تتحكم فينا أكتر؟!”
قال بصوت حاسم: “دي أختي، وبيتها مفتوح لها في أي وقت. وأنتي اللي بدأتي، أنتي اللي مش عاوزة تقبليها.”
حسيت إن الدنيا بتلف بيا. الست اللي جاية عشان تخرب البيت وتتحكم في تفاصيل حياتنا، جاية تقعد جوه بيتنا وبموافقة جوزي!
قعدت على الكرسي وأنا حاسة بوجع فظيع جوه صدري. فهمت ساعتها إن كمال مش بس مش قادر يحط حدود لأخته، ده كمان بيختارها هي على حساب كرامتي وراحتنا.
قلت له بصوت هادئ بس مليان قهر: “يا كمال، فكر كويس في اللي بتعمله ده. البيت ده بتاعنا إحنا الاتنين، ومش هقدر أعيش فيه وأنا حاسة إن فيه تالتة معانا بتتحكم في كل خطوة.”
قام وقف وقال بكل قسوة: “اللي عندي قلته يا مريم، ونفيسة هتيجي بكرة، وعايز معاملة كويسة تليق بأختي.”
تاني يوم الصبح، صحيت على صوت شنطة بتتحط في الصالة. نفيسة وصلت ومعاها شنطها، ودخلت كأنها هي صاحبة البيت، وكمال استقبلها بابتسامة واسعة كأنها منقذاه من مأزق.
بصيت لهم من بعيد، وحسيت إن الخناقة دي مبقتش مجرد مشكلة بين سلايف أو حموات وأزواج، دي بقت معركة على وجودي أنا نفسي في بيتي.
يا إما هفرض احترامي وكياني، يا إما هتنازل عن نفسي وأعيش خيال زوجة ملوش أي صوت ولا رأي.
دخلت الأوضة، قفلت الباب، وطلعت شنطة السفر بتاعتي.
فتحتها، وبدأت ألم هدومي بهدوء. مكنتش أبكي المرة دي، بالعكس، كنت حاسة بسكون غريب وقوي جواه.
خبط الباب ورايا كمال وهو بيقول: “بتعملي إيه؟”
بصيت له وأنا ماسكة هدومي في إيدي، وقلت له بكل ثبات: “أنا ماشية يا كمال. روح أنت وأختك اعيشوا براحتكم، واما تفوق وتعرف يعني إيه بيت وزوجة، أبقى رن عليا.”
اتخض وقال: “انتي اتجننتي؟! رايحة فين؟”
“رايحة لمكان أعرف ألاقي فيه احترامي.. سلام يا كمال.”
#حكايات_شروق_خالدسبت البيت ومشيت، وركبت عربية لحد ما وصلت عند بيت أهلي.
أول ما فتحت الباب وأمي شافَتني بالشنطة، عيونها وسعت بخضة وقالت: “يا نهار أسود! إيه ده يا مريم؟ جابك إيه في التوقيت ده ومن غير ما جوزك يبقى معاكِ؟ مريم، حصل إيه؟!”
حضنتها، وهناك وسط أهلي اللي بجد بيخافوا عليا وبيحبوني، انفجرت في الععيط. حكيت لهم كل حاجة بالصوت والصورة؛ من أول طلب نفيسة التافه، لحد قعدة الكشكول، ولما سمعت صدفة وهي بتشوه سمعتي، وموقف كمال الخذلان الأكبر لما قالها “أنا هتصرف مع مراتي” وجابها تقعد في بيتنا عشان يرضيها على حساب كرامتي.
أبويا سمع الكلام ده وش سابه انطفى وغضب، وقال بصوت عالي: “الراجل ده نسى هو متجوز مين! هو مفكر إن البنات بيتلقطوا من الشارع ولا إيه؟ تسيب بيتك ليه وهي اللي غلطانة؟ يجي هو بنفسه عشان يرجعك، ومش أي رجعة، بشروط واضحة إن بيتك ده خط أحمر محدش يتدخل فيه.”
عدا يومين تلاتة، وكمال مظهرش ولا حتى كلف خاطره يرن، لأن الهانم أخته كانت قاعدة على قلبه في البيت بتشيش دماغه وتألف عليه حكايات.
في اليوم الرابع، لقيت بابا بينادي عليّا وبيقولي: “جوزك برة في الصالون، وطالب يقابلني ويقابلك.”
دخلت الصالون وأنا ماسكة نفسي بالعافية، وكان كمال قاعد باين عليه التعب والهالات السودا تحت عينه، وشكله فهم أخيراً إن وجود أخته في بيته مش “حب واهتمام” زي ما كان بيقول، ده كان هدم لكل الاستقرار اللي بناه.
أول ما شافني وقف وقال بصوت هادي وفيه نبرة رجوع: “يا مريم، البيت من غيرك كئيب ومش مطاق، ونفيسة… نفيسة مشيت.”
بصيت له بنظرة ثابتة وسألته: “مشيت راحت فين؟ وليه؟”
نزل عينه وقال باحراج: “بعد ما قعدت يومين، فضلت تتدخل في كل حاجة بعملها وفي طريقة أكلي وقعدتي، ولما اعترضت عشان سابت البيت ومشت زعلت وقالت إني اتغيرت عشانك… فقلت لها إن هنا بيتي أنا ومريم، وإن مينفعش تتدخل في طريقتنا.”
سكت شوية، وبعدين كمل بصدق: “أنا أسف يا مريم. أنا كنت غبي ومكنتش شايف الصورة صح. مكنتش فاهم يعني إيه أكون سند لمراتي بجد غير لما حسيت إن بيتي فاضي وبدون طعم من غيرك. ارجعي معايا، وأقسم بربي ما هسمح لمخلوق يدخل بيننا تاني.”
بصيت لأبويا اللي كان قاعد متابع بصمت، وبعدين رجعت بصيت لكمال. حسيت إنه دفع ثمن درسه غالي وفهم أخيراً الدرس اللي كان المفروض يتعلمه من أول يوم.
قلت له بجدية وثبات: “أنا هارجع بيتي يا كمال، بس بشروطنا احنا الاتنين، مش بشروط حد تاني. بيتنا لينا إحنا وبس.”
ابتسم بتعب وقال: “موافق على أي شروط.. المهم تراجعي معايا.”
رجعت بيتي، ورجعت لي كرامتي وسلامي النفسي، وعرفت وقتها إن الزواج مش مجرد إني أعيش مع راجل وبس، ده شركة ومشاركة ومواقف، واليوم اللي وقفت فيه قدام نفسي وقدام الكل، هو اليوم اللي بقيت فيه فعلاً زوجة قوية ومصانة في بيتها.
بعد ما رجعت البيت، الوضع اتغير خالص وبقى هادي ومستقر. كمال بقى واعي جداً لأي محاولة تدخل من بره، وبقى بيحمي بيتنا ويحط حدود واضحة لكل الناس بكل أدب بس بحسم.
بعدها بأسبوعين، نفيسة حاولت تختبر الموقف تاني.. رنت على كمال وهي متعصبة عشان مجاش مناسبة عائلية وفضلت تشتكي وتلومه إنه اتغير عشان مراته.
كمال سمعها بهدوء، ولما خلصت كلامها، قال لها بكل ثبات: “يا نفيسة، أنا بحبك وباحترمك كأختي الكبيرة، بس بيتي أنا ومريم خط أحمر. قراراتنا بنخدها سوا، وزي ما أنا بحترم بيتك، أتمنى تحترمي بيتي. نورتينا في أي وقت كضيفة عزيزة، بس من غير تدخل في حياتنا.” وقفل المكالمة بهدوء من غير عصبية ولا تقليل.
ساعتها بص لي، ولقيت في عيونه نظرة حب واعتذار صامت، وحسيت إن جوزي رجع لي بجد، وإنه أخيرًا بقى هو السند والدرع الحقيقي لبيتنا.
البيت رجع دافي ومليان راحة، ومبقاش فيه مكان لأي تالت يعكر صفو حياتنا، وعرفت إن الحق لما بناخد باختيارنا وبقوة، بيرجع أصحاب البيوت أسياد فيها.
#حكايات_شروق_خالد
ملكة في بيتي
حكايات شروق خالد


