
أول مرة فيها ليلى الشناوي، كان جوزها محمود الشناوي على بُعد حوالي عشرة أمتار منها.
ماكانش ماسك إيدها.
وماكانش بيدعي من أجل طفليه التوأم اللي اتولدوا قبل ميعادهم، واللي كانت قلبهم بتنهار على شاشات المراقبة.
كان قاعد جنب ست تانية.
ولما إنذار الطوارئ دوّى في جناح الولادة، وجرى ست ممرضات ناحية أوضة ليلى، كانت سارة عبد الرحمن واقفة ورا الإزاز، بتتفرج على الدكتور وهو بيطلع فوق السرير وبيعمل ضغطات على صدر ليلى، وبعدين ضحكت.
محمود سمع ضحكتها.
حتى إنه بص لها.
لكنه ماقامش.
وده كان أكتر شيء هتفتكره ليلى بعدين، حتى بعد ما الألم يختفي، وأوراق الطلاق تتوقع، وعناوين الصحف تتغير.
مش لأن جوزها خانها.
ولا حتى لأن عشيقته ابتسمت وهي بتموت.
لكن لأن محمود كان قدامه آخر فرصة يختار فيها هو عايز يبقى راجل إزاي.
فاختار يفضل قاعد على الكرسي.
جوه أوضة الولادة، كانت ليلى بتفقد دم أسرع من قدرة الممرضات على تعويضه.
قالت الدكتورة مريم حسن وهي بتميل فوقها:
“ليلى، بصيلي.”
كان الكمام الجراحي مخبي معظم وشها، لكن الخوف اللي في عينيها كان واضح.
ليلى كانت في المخاض بقالها تمنتاشر ساعة.
وفي الأسبوع التالت والتلاتين من الحمل، التوأم وصلوا قبل ميعادهم بكتير، والولادة الصعبة تحولت لكارثة لما ليلى بدأت تنزف بشدة.
همست ليلى:
“ولادي…”
ردت الدكتورة مريم:
“إحنا بنعمل كل اللي نقدر عليه عشانهم.”
سكتت ليلى لحظة، وبعدين سألت بصوت ضعيف:
“محمود فين؟”
بصت الدكتورة مريم ناحية الباب.
النظرة دي كانت كفاية عشان ليلى تعرف الإجابة.
محمود اختفى من أربعين دقيقة، بعدما قال لها إنه لازم يرد على مكالمة عاجلة من مجلس إدارة شركة الشناوي.
ليلى صدقته.
وبعد سبع سنين جواز، كانت لسه بتصدقه.
كانت بتصدقه لما يقول إن العشا المتأخر بسبب اجتماعات الشغل.
وإن التليفون التاني عشان أسرار الشركة.
وإن سارة عبد الرحمن قبل، مديرة العلاقات العامة الجديدة في الشركة، مجرد موظفة، رغم إن اسمها كان بيظهر كتير جدًا على شاشة موبايله.
كانت بتصدق الراجل اللي كل صباح كان بيبوس بطنها لما التوأم يتحركوا جواها.
ماكانتش تتخيل إن الراجل ده ممكن يكون بيبني حياة تانية، في الوقت اللي هي كانت بتبني حياتهم جوه جسمها.
ثم نظرت ليلى من خلال الشباك الصغير الموجود في باب أوضة الولادة.
كانت سارة واقفة هناك.
لابسة معطف كشمير كريمي وحذاء بكعب عالي، أنيقة بشكل غريب وسط إضاءة المستشفى القوية.
وشعرها الأسود كان نازل بعناية على كتفها.
وبجوارها كان محمود قاعد.
فضلت ليلى تبص له.
ولثانية واحدة، عينيه قابلت عينيها.
اتجمد محمود مكانه.
شافت ليلى الذنب الأول.
وبعده الخوف.
ثم بصت سارة في نفس الاتجاه.
شافت ليلى.
وابتسمت.
مش ابتسامة إحراج.
ولا ابتسامة تعاطف.
كانت ابتسامة بطيئة، راضية، مليانة انتصار.
حست ليلى إن دمها تلج، رغم إن جسمها كله كان مولع من الألم.
بدأ جهاز المراقبة جنبها يسرّع.
صرخت ممرضة:
“الضغط بينزل!”
قالت الدكتورة مريم:
“ليلى، خليكي معايا!”
كان صوتها بيبعد أكتر وأكتر.
شافت ليلى سارة وهي بتميل ناحية محمود وبتقول له حاجة.
اتغير وش محمود.
وبعدين ضحكت سارة.
ضحكة صغيرة وصلت من ورا الإزاز، لكن ليلى شافت حركة كتفها واليد اللي رفعتها على بوقها.
حاولت ليلى تنادي محمود.
لكن صوتها ماطلعش.
صرخ أحدهم:
“هاتوا دم بسرعة!”
وصوت تاني نادى على معدلات ضربات قلب التوأم.
الدنيا بدأت تضيق حواليها، لحد ما كل حاجة بقت زي نفق طويل ومظلم.
آخر حاجة شافتها ليلى كانت محمود لسه قاعد جنب سارة.
وآخر فكرة عدت في دماغها كانت:
هو اختارها.
ثم توقف قلب ليلى.
في الخارج، قام محمود بسرعة لدرجة إن فنجان القهوة وقع على الأرض.
“إيه اللي حصل؟!”
دفعت ممرضة الباب ودخلت من غير ما ترد عليه.
قالت سارة:
“محمود…”
أخذ خطوة ناحية أوضة ليلى.
لكن سارة مسكت معصمه.
“ماتروحش.”
بص لها بصدمة.
“مراتي جوا!”
“إنت سمعتهم. هما بيعملوا كل اللي يقدروا عليه.”
دوّى إنذار تاني.
فضل محمود باصص من خلال الإزاز.
كان الدكتور بيعمل إنعاش قلبي لليلى.
لون وشه اختفى.
“يا رب…”
كانت سارة بتتفرج على الفوضى بهدوء غريب.
بص لها محمود.
خفضت صوتها وقالت:
“يمكن دي تكون الإجابة.”
حدق فيها.
“إجابة إيه؟”
قالت:
“محمود، ماتخلنيش أقولها مرتين.”
صرخ:
“مراتي بتموت!”
ردت بهدوء:
“وإنت بقالك ست شهور بتقولي إنك محبوس.”
سحب محمود إيده من إيدها.
“كفاية.”
قالت سارة:
“إنت قلت إنك مش قادر تسيبها بسبب الحمل. وقلت إن الطلاق هيدمر الشركة، ومجلس الإدارة هيشك في قراراتك، وأسهم ليلى هتخلي الموضوع كله كابوس.”
شد محمود فكه.
“أنا ماقولتش إني عايزها تموت.”
ابتسمت سارة ابتسامة باردة.
“أنا ماقولتش إنك عايز كده.”
ثم بصت من خلال الإزاز مرة تانية.
وعندما تحول جهاز مراقبة القلب إلى صوت طويل ومستمر، ظهرت ابتسامة على شفايفها.
همست:
“لو هي ماتت… مش هتضطر تختار بينا تاني.”
بص لها محمود وكأنه شايفها لأول مرة.
وكأنه اكتشف إن الست اللي واقفة قدامه غريبة تمامًا عنه.
ضحكت سارة ضحكة قصيرة.
وفي اللحظة دي، اتفتح باب أوضة الولادة.
خرجت الدكتورة مريم للممر.
الدم كان مغطي جزء من ملابسها، وشعرها خرج من تحت غطاء الرأس الجراحي، وملامح الإرهاق والخوف واضحة عليها.
اندفع محمود ناحيتها.
“دكتورة؟!”
أما سارة فوقفت وراه، وسكتت تمامًا.
بصت الدكتورة مريم مباشرة لمحمود.
وقالت:
“إحنا فقدنا مراتك لمدة دقيقة وسبعة وأربعين ثانية.”
محمود حس إن نفسه اتقطع.
رفعت سارة إيدها على بوقها.
ثم أكملت الدكتورة:
“لكن قدرنا نرجع قلبها.”
اختفت الابتسامة من على وش سارة.
مسك محمود الحيطة.
“إيه؟”
قالت الدكتورة:
“ليلى عايشة.”
رجعت سارة خطوة لورا.
لكن الدكتورة مريم ماوقفتش.
“والطفلين عايشين كمان. ولد وبنت. اتولدوا قبل ميعادهم، وحالتهم حرجة، ودلوقتي بيتنقلوا للعناية المركزة لحديثي الولادة.”
غطى محمود وشه بإيديه.
وللحظة، بان كأنه راجل انهار تحت ثقل الصدمة والامتنان.
لكن ملامح الدكتورة مريم قست.
وقالت:
“في حاجة تانية يا أستاذ محمود.”
نزل محمود إيديه.
“إيه؟”
“واحدة من الممرضات سمعت جزء كفاية من الكلام اللي حصل بره الأوضة، وأمن المستشفى اتبلغ.”
اتجمدت سارة.
تابعت الدكتورة:
“مراتك كانت واعية قبل ما قلبها يقف. وهي شافت مين كان واقف بره.”
بص محمود وراه ناحية سارة.
وشها بقى شاحب.
قالت بسرعة:
“محمود، إحنا لازم نمشي.”
بصت لها الدكتورة مريم بحدة.
“ولاده لسه مولودين، وفوق دلوقتي بيحاربوا عشان يقدروا يتنفسوا.”
اتوترت سارة.
“أنا قصدي نروح مكان هادي عشان يقدر يستوعب اللي حصل…”
قاطعتها الدكتورة مريم ببرود:
“أنا عارفة كويس جدًا إنتِ قصدك إيه.”
حكايات شروق خالد
فتحت سارة بوقها عشان ترد، لكن الدكتورة مريم ماادتهاش فرصة.
قالت بحدة:
“والأهم من ده كله، إن مراتك لما تفوق، هتكون محتاجة تعرف الحقيقة كاملة.”
اتوتر محمود.
“دكتورة، لو سمحتي…”
قاطعت كلامه:
“أنا مش بتكلم عن حياتكم الزوجية. دي مش شغلتي. أنا بتكلم عن مريضة كانت بتموت قدام عيني، وفي اللحظة اللي كان المفروض جوزها يبقى جنبها، كان واقف بره مع ست تانية.”
احمر وش محمود.
أما سارة فقالت بسرعة:
“إنتِ مش من حقك تتدخلي في حياتنا.”
بصت لها الدكتورة مريم ببرود.
“أنا مش بتدخل. أنا بقولك إن كل اللي حصل اتسجل، وكاميرات المستشفى سجلت وجودكم هنا.”
سارة سكتت.
لأول مرة، ظهر الخوف الحقيقي على وشها.
أما محمود فبص ناحية باب غرفة ليلى.
قال بصوت مكسور:
“أقدر أشوفها؟”
ردت الدكتورة مريم:
“مش دلوقتي.”
“بس أنا جوزها.”
“وهي لسه خارجة من توقف قلب. جسمها محتاج يستقر.”
اقترب محمود خطوة.
“والأطفال؟”
“في العناية المركزة.”
“أقدر أشوفهم؟”
ترددت الدكتورة لحظة.
“خمس دقايق بس. ومن غير لمس. هم لسه في حالة حرجة.”
محمود أومأ برأسه.
وقبل ما يتحرك، قالت الدكتورة:
“ولو سمحت، ماتخليش أي حد يجي معاك.”
كانت تقصد سارة.
نظر محمود إليها.
لأول مرة منذ سنوات، لم ير فيها المرأة التي أحبها سرًا.
رأى امرأة كانت تقف أمام غرفة زوجته وهي تموت، وتضحك.
قال بصوت خافت:
“استنيني هنا.”
اتسعت عينا سارة.
“محمود…”
“قلت استنيني.”
ثم مشى بعيدًا.
وقفت سارة مكانها وهي بتضغط على أسنانها.
لكنها لم تكن غاضبة فقط.
كانت مرعوبة.
لأنها عرفت أن كل شيء يمكن أن ينهار الآن.
بعد دقائق، دخل محمود قسم العناية المركزة للأطفال.
كان المكان هادئًا بشكل مؤلم.
صوت الأجهزة الصغيرة كان يملأ الغرفة.
اقترب من الحضانة الأولى.
توقف.
طفل صغير جدًا، أصغر من أن يستطيع فتح عينيه بشكل كامل، كان محاطًا بالأسلاك والأنابيب.
اقترب محمود أكثر.
قرأ البطاقة.
الطفل: آدم محمود الشناوي.
مد يده نحو الزجاج.
ثم نظر إلى الحضانة الثانية.
كانت بنت صغيرة.
وجهها شديد الاحمرار، ويدها الصغيرة تتحرك بضعف.
قرأ البطاقة.
الطفلة: ملك محمود الشناوي.
انهارت دموع محمود.
همس:
“أنا أبوكم.”
ولأول مرة منذ سنوات، شعر بالخجل من الكلمة.




