روايات وقصص

اللقاء الأخير.. #حكايات_شروق_خالد

«أنا عايزك تدخلي تستحميها بنفسك في البانيو بتاعنا. ورجاءً، بلاش تنادي على الشغالين.. اعملي كده بنفسك.»

ساعتها حسيت إن جوزي اتجنن رسمي!

أنا اسمي مريم، عندي ستة وتلاتين سنة، ولحد اليوم ده، كنت فاكرة إني عارفة كل كبيرة وصغيرة عن الراجل اللي متجوزاه من خمسة عشر سنة. “أمير” جوزي بيمتلك مجموعة شركات مقاولات وبناء كبيرة في القاهرة. معاه فلوس نطلع منها العمر كله وماتخلصش، بس كان عنده طبع بياكل في أعصابي: لما تضرب في دماغه يعمل حملة خيرية، مفيش قوة في الأرض تقدر تقفه!

الأسبوع ده، قرر ينزل بنفسه يتطوع في مطعم خير بيوزع أكل على الغلابة قريب من محطة رمسيس. كان بيقول إنه زهق من مجرد إنه يكتب شيكات ويمضي للتبرعات عشان يتصور في الصحافة، وكان عايز يقابل الناس اللي بتستلم المساعدة دي وشاً لوش.

أنا بصراحة مكنتش متفهمة الحماس المفاجئ ده خالص.

كنت بتقفّن وأنا بشرب القهوة الصبح وبقوله بتريقة: «يا حبيبي في ناس فعلاً محتاجة مساعدة، بس في ناس تانية كتير هي اللي حابة تعيش وتستسهل العيشة دي!»

يااااه.. أد إيه الكلام ده كان طالع سهل ورخيص من لساني وأنا قاعدة في التكييف في فيلتنا، والطبّاخ بيحضر الفطار، والسواق بره مستنيني في العربية! مكنتش فاهمة أي حاجة وقتها.

على آخر النهار، رجعت من غداء مع صحباتي، ولقيت أمير واقف في الصالة الكبيرة بتاعت الفيلا وجنبه ست شكلها يقول إنها عايشة في الشارع بقالها سنين طويلة.

شعرها كان متلبك ومكتل، وبشرتها عليها طبقات طين وتراب غميق، ولابسة عباية دايبة ومقطعة طالعة منها ريحة صعبة أوي.. لدرجة إني غطيت مناخيري بغير قصد ورجعت ورا خطوة.

«إيه ده؟! مين دي وببتعمل إيه في بيتنا؟!» سألته بعصبية.

الست على طول وّطت عينها للأرض وانكمشت في نفسها من الخوف.

أمير رد عليا ببرود يستفز الحجر: «دي اسمها نادية.»

«ده اسمها بجد؟ ولا أنت اللي قررت تسميها كده على ذوقك؟»

«هي مش فاكرة اسمها الحقيقي يا مريم.»

افتكرته بيكدب أو بيفزر فزورة بايخة.

الست بصوت مبشوح وواطي بدأت تتكلم، وقالت إنها بقالها عشرين سنة بتتنقل بين محطات المترو والقطارات، والجناين، والمباني المهجورة. كل اللي فاكراه إنها صحيت من عشرين سنة وسط ردم وخرابة موقع بناء، وما فاكراهش أي حاجة قبل كده.. لا عيلة، ولا اسم، ولا عنوان بيت.

ولا أي حاجة خالص.

أمير قابلها وهو بيوزع وجبات الظهرية.

أمير قال بصوت صارم: «أنا هساعدها تطلع أوراق إثبات شخصية ونشوف لها مكان آدمي تعيش فيه.. ولحد ما ده يحصل، هي بايتة معانا في أوضة الضيوف.»

دمي غلي في عروقي: «في بيتنا هنا؟!»

«أيوه.»

«جرى إيه يا أمير؟! هي الفيلا هتقلب ملجأ ولا إيه؟!»

الست خدت خطوة لورا بخوف ناحية باب الفيلا وقالت: «أنا مش عايزة أعملكم مشاكل.. أنا أقدر أمشي عادي.»

أمير مسك إيدها بالراحة وقالها: «أنتِ مش هتروحي في أي حتة.» وبعدين بصلي بعيون حادة وقال: «يا مريم، أنا لسه مالي البانيو الكبير فوق.. ادخلي ساعديها تاخد دش وتنظف.»

تنحت ووقفت في مكاني: «أنا؟!»

«أيوه أنتِ.»

«أمير، إحنا عندنا شغالة وطاقم خدم في البيت!»

«بالظبط.. ولو أنتِ فعلاً شايفه إن مساعدة الناس حاجة مهمة، أثبتي ده وابدئي عامليها كبني آدمة، مش كإنها كراكيب وزبالة مستنية حد تاني ينظفها!»

كلماته قطعت في قلبي زي السكينة لأنها كانت خبطة مباشرة لغروري وتكبري.

أنا وببرطم وبشتم بصوت واطي تحت نفسي، أخدت الست وطلعت بيها على الحمام الرئيسي فوق. لبست جوانتي نظافة مطاط تقيل قبل ما ألتفت لها.

قلت لها ببرود: «شيلي الهدوم المقطعة دي وحطيها جوه كيس القمامة ده فوراً.. إحنا هنرمي كل القرف ده.»

قالتلي بنبرة هادية ومؤدبة جداً بشكل غير متوقع: «أنا أقدر أستحمى بنفسي عادي..»

«أنا بفضل أعمل كده بنفسي عشان متوسخيش الرخام.»

لحد النهار ده، قلبي بيتقطع من الخجل لما بفتكر قد إيه كنت قاسية ومفهاش رحمة معاها.

الست نزلت في المية الدافية، وفجأة المية الصافية اتغير لونها بقى بني غامق. مسكت إسفنجة ناعمة، وغصبت على نفسي أبلع قرفي، وبدأت أدعك كتفها اليمين.

ومع زوال طبقات التراب والأوساخ بتاعة السنين.. عيني لقطت حاجة تحت الجلد.

وحمة صغيرة على شكل هلال.

الإسفنجة وقعت من إيدي ونزلت طرطشت في المية..

والهواء اتسحب من رئتي ومبقتش عارفة أتنفس…

إصبعي كان بيترعش وأنا بمد إيدي جوه جيبي وطلعت السلسلة القديمة اللي كنت مخبيها وكاتمة سرها في صندوق قفلته بقفل ومفتاح من عشرين سنة. فتحت القلادة الصغيرة اللي فيها.. وبصيت لجوه.. صورة قديمة باهتة لست بتبتسم وجنبها طفلة صغيرة، وعلى ضهر القلادة منقوش نفس شكل الهلال الصغير ده، بالظبط زي ما هو مرسوم على كتف الست اللي واقفة قدامي دي!

رفعت عيني وبصيت لها وهي مذهولة من دموعي اللي نزلت فجأة زي الشلال. صوتي اتخنق وانا بنطق الكلمة اللي مكنتش أتخيل في حياتي إني هأنطقها تاني:

ـ ماما؟!

نادية أو.. أمي.. بصتلي بعيون تايهة، كأن الكلمة دي فتحت باب مقفول بقفل ومفتاح جوه عقلها السنين دي كلها. عيونها لمعت بدموع مفاجئة، وبدأت تحرك شفايفها بصوت مش واضح كأنها بتدور على اسمي وسط ضباب الذاكرة:

ـ م.. مريم.. بنتي؟!

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى