روايات وقصص

اللقاء الأخير.. #حكايات_شروق_خالد

مقدرتش أستحمل أكتر من كده.. نسيت كل القرف، ونسيت الرخام، ونسيت تعففي وتكبري. نزلت جوه حوض الاستحمام بهدومي، ولميت جسمها النحيل بين إيدي وضمتها لصدري بكل قوة عندي، وأنا بصرخ بوجع ودموعي بتغرق كتافها:

ـ كنت فين يا أمي؟! أنا دورت عليكي عشرين سنة! عشرين سنة بحالهم وأنا مفكرة إنك سبتيني أو ضعتي مني للأبد!

في اللحظة دي، باب الحمام اتفتح بعنف، ودخل أمير مخلوع ومرعوب على صوت صراخي، وهو بيبص حواليه وبيقول بقلق:

ـ مريم! في إيه؟! إيه اللي حصل؟!

بس لما شافني وأنا حاضنة الست اللي كانت من دقيقة واحدة مفكرة إن ملهاش أصل ولا اسم، ولقى الدموع مالية وشنا احنا الاتنين، وقف مكانه مذهول ومش فاهم حاجة.

بصيت لأمير ودموعي نازلة بغزارة، بس المرة دي مش من القرف ولا الغضب.. دي دموع الفرحة والوجع مع بعض:

ـ دي مش ست غريبة يا أمير.. دي أمي! أمي اللي ضاعت مني من عشرين سنة في حادثة الهدد والخرابة!

أمير اتفتح بوقه من الصدمة، وقرب خطوة بطيئة وهو بيحاول يستوعب الصدفة المجنونة اللي جمعتنا في نفس اللحظة ونفس المكان.

من يومها، حياتنا اتغيرت تماماً. نادية.. قصدي أمي، رجعت لبيتها وبين بنتها اللي مكنتش تتخيل إنها هتشوفها تاني في يوم من الأيام، وعالجناها لحد ما استردت صحتها وذكرياتها تدريجيّاً. وأمير.. جوزي اللي كنت بشوفه أحياناً بيعمل حاجات مجنونة ومش فاهمة دماغ، طلع هو السبب في إني ألاقي أغلى حاجة ضاعت مني في الدنيا. ومن يومها بطلت أتريق على أي عمل خير بيعمله، لأن الإنسانية والرحمة اللي كان بيدور عليها بره.. ربنا جابهاله لحد باب بيتنا عشان يرجعلي روحي اللي كانت ضايعة.

#حكايات_شروق_خالد

أيامنا اللي بعد اليوم ده بقت حاجة تانية خالص.. كأن الفيلا نورت ورجعت لها الروح من تاني. جبنا أحسن دكاترة عشان يطمنوا على صحة أمي، وعملنا لها كل الفحوصات اللازمة، وبدأت الذاكرة ترجعلها حتة بحتة وهي قاعدة بينا بتحكي لنا عن السنين الصعبة اللي عانتها في الشارع، وإزاي فاكرة إنها وقت الحادثة القديمة لما مبنى تحت الإنشاء انهار عليها وهي صغيرة، خدت خبطة جامدة في راسها فقدت على أساسها الذاكرة وتاهت وسط الزحمة ومقدرتش ترجع لبيتها.

وأمير.. مقدرتش أقوله شكراً كفاية أبداً على اللي عمله. لقيته داخل عليا الأوضة بالليل ومعاه وردة حمراء، وقعد جنبي وقال لي بابتسامة دافية: «قولتلك قبل كده يا مريم، لما بنمد إيدنا بالخير للناس ونساعدهم بجد من قلبنا، ربنا بيجازينا بالخير لحد باب بيتنا.. بس مكنتش أعرف أبداً إن ربنا هيجيبلك أمك بنفسها!»

حضنته وأنا بعيط من الفرحة، وبست راسه اللي كان سبب في المعجزة دي. ومن يومها، مبقيتش أستصغر أبدًا أي عمل خير بيعمله جوزي، ولا بقيت أبص للناس بالمظاهر الخادعة. تعلمت درس عمري ما هنساه طول عمري: إن تحت الهدوم المقطعة وتحت طبقات التراب، فيه بني آدمين عندهم قلوب وحكايات توجع القلب، وإن الرحمة والإنسانية هما الحاجتين الوحيدتين اللي بيخلوا لحياتنا طعم ومعنى حقيقي.

#حكايات_شروق_خالد

بعد مرور سنة كاملة، الحياة في بيتنا اتحولت لجملة تانية خالص. أمي.. نادية، صحتها بقت في العالي، ورجعت لها ذاكرتها كاملة، وضحكتها اللي كنت نساها من سنين طويلة رجعت تنور الفيلا من تاني. بقت تقعد معانا في البلكونة تشرب الشاي، وتحكي لنا تفاصيل زمان، وازاي كانت بتدعي ربنا كل ليلة وهي نايمة في الشارع إنها تلمسني أو تشوفني لو مرة واحدة قبل ما ترحل.

وأمير.. مقعدش مكتوف الأيدي ولا اكتفى باللي عمله. بعد القصة دي، قررنا نعمل حاجة أكبر بكتير من مجرد تبرعات عادية في السر. أسسنا “مؤسسة نادية للخير”، ومهمتها الأساسية مش بس توزيع وجبات، لأ دي بتوفر مأوى، وعلاج، وأوراق رسمية، وفرص عمل لكل متشرد وغلبان ضاع في الشارع ومالقش حد ياخد بإيده.

وكل يوم جمعة، كنت بنزل بنفسي مع أمير وأمي – اللي كانت مصرة تنزل وتساعد بإيدها وتطبطب على الناس – عشان نوزع وجبات ونقابل الغلابة في الشارع. وفي كل مرة كنت بوطي أدي على حد محتاج أو أقدم له بطانية وابتسامة، كنت بفتكر نفسي زمان وأنا واقفة في مدخل الفيلا ومغطية مناخيري بغرور وتكبر.. وساعتها كنت بحمد ربنا ألف مرة إنه بعتلي أمير وبعتلنا الست العجوزة دي عشان يعلموني معنى الإنسانية الحقيقي.

اتعلمت إن عمر المظاهر ما كانت مقياس لقيمة البني آدم، وإن الخير اللي بنزرعه في طريقنا.. بيجيلنا في يوم من الأيام، في أوقات ما نتوقعهاش، عشان يرجع لنا روحنا اللي كانت ضايعة.

اللقاء الأخير..

حكايات شروق خالد

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى