
لكن الأدهى من ذلك… لم ترجع نور إلى غرفتها فوراً. جلست على حافة السرير، تعدل وسادته، وتراقب انتظام تنفسه بعينين تملؤهما ومضة غامضة، ومضة تحمل حزناً يشبه حزني، وسراً أعمق بكثير من مجرد وظيفة مربية عادية.
وفي تلك اللحظة، وسط سكون الليل وهدوء قصر المنصورية، أدركت شيئاً بيقين تام
نور لم تأتِ صدفة إلى بيتي… وما خفيته في سيرتها الذاتية كان وراءه سبب خطېر سأعرفه قريباً جداً.
حكايات_شروق_خالد
في الصباح التالي، وقبل أن تشرق شمس القاهرة تماماً، كنت جالساً في مكتبي المظلم، أطالع تقارير الحراسة على شاشات الكمبيوتر، بينما لا يزال طيف تلك اللحظة التي احتضنت فيها نور ابني يتردد في خيالي.
انفتح باب المكتب بهدوء، ودخل طارق بخطوات محسوبة، ووجهه يحمل نظرات توجس لم أعتد رؤيتها عليه. وضع ملفاً جلدياً سميكاً على المكتب أمامي.
جبت كل اللي قدرنا نتوصل ليه عن نور يا فندم… بس الحكاية مش طبيعية خالص.
رفعت عيني إليه بحدة، وقلت بصوت هادئ يحمل نبرة تحذيرية
انطق يا طارق… إيه اللي وراء الفجوة دي في سيرتها الذاتية؟
تنهد طارق وهو يفتح الملف
نور مكنتش مجرد مساعدة إعادة تأهيل عادية يا فندم. قبل سنتين، كانت شؤونها مستقرة جداً، وكانت شغالة كأخصائية رئيسية في واحدة من أكبر مستشفيات الصدمات والحوادث في القاهرة. وكانت متزوجة ولها طفل في نفس سن ياسين تقريباً… ثماني سنوات.
تجمدت في مكاني، وضيقت عينيَّ.
وابنها؟
رحل يا فندم، قالها طارق بنبرة خاڤتة. قبل سنتين حصل حاډث مروع… عربية نقل ضخمة صدمت عربيتهم. جوزها رحل في الحال، وابنها دخل في غيبوبة طويلة واستمر على أجهزة التنفس الصناعي لمدة ستة شهور لحد ما فارق الحياة.
صمتُّ تماماً، وشعرت ببرودة غريبة تسري في عروقي، كأن طعڼة خفية استقرت في صدري.
وكملت حياتها إزاي بعد كده؟ سألته بصوت خاڤت يشبه الرعد المكتوم.
هنا المفاجأة الخطېرة يا فندم، قال طارق وهو ينحني للأمام قليلاً. المستشفى اللي كانت شغالة فيها… هي نفس المستشفى اللي دخلها ياسين وفريدة الله يرحمها ليلة الحادث. نور كانت موجودة في تلك الليلة بالتحديد، وكانت من أوائل الأطقم اللي تعاملت مع حالة ياسين في الطوارئ قبل ما تنقلوه لمصحتكم الخاصة.
اتسعت عيناي ببطء. شعرت أن جدران المكتب تضيق حول بي.
قصدك إيه يا طارق؟ إن وجودها هنا مش صدفة؟!
مش صدفة خالص يا فندم. الأدهى من كده… إن التوصيات الطبية الأولى الخاصة بحالة ياسين النفسية بعد الصدمة، والتي كتبها طبيب مجهول وقتها… اتقارنت خطوط إيدها ولقيناها هي اللي كاتباها، واستقالت بعدها بأسبوعين تماماً واختفت عن أجهزة الدولة!
لم أهتز هكذا منذ سنوات طويلة. كل كاميرات المراقبة في القصر، وكل تجهيزاتي، وكل جيش حراسي لم يمنعوا هذه المرأة من اختراق حصوني… بل والأفظع من ذلك هي من اختارت أن تدخل عرين أخطر رجل في مصر بإرادتها الكاملة.
نهضت من مقعدي ببطء، وعيناي معلقتان على شاشة الكمبيوتر التي تعرض صورة نور وهي تتجه نحو غرفة ياسين لتبدأ يومها معه بكل هدوء.
أخذت هاتفي الموضوع على الحدس بجانبي، ووضعت الشاحن مكانه ببطء، ثم قلت بصوت صارم ومتحفز
هاتولي نور حالا على المكتب… عايز أعرف هي بتلعب مع مين، وليه اختارت ابني بالذات؟
لم تمضِ سوى دقائق معدودة حتى عاد طارق إلى المكتب، ومعه نور.
لم تكن تبدو كشخص أُلقي القبض عليه أو أُحضر قسراً؛ بل كانت خطواتها ثابتة وهادئة، ونظراتها مستقرة كأنها كانت تتوقع هذه اللحظة منذ اليوم الأول لتخطى قدمها عتبة القصر.
أشارتُ بيد طارق ليخرج ويغلق الباب خلفه، فانسحب في صمت، لتبقى نور وحدها في مواجهتي.
على مكتبي، كان الملف المفتوح يضم تقارير ماضيها، وهاتفي الموضوع جوار يدي يعكس ضوء الشاشة الخاڤت.
يبدو أنكِ تخفِينَ الكثير يا نور، قلتُ بصوت هادئ يحمل ثقلاً يقطع الأنفاس. أخصائية صدمات سابقة، فقدتِ زوجك وابنك في حاډث، ثم تختفين لعامين لتظهري فجأة في بيتي، وتختاري ابني بالتحديد من بين كل أطفال مصر… هل أنتِ مراقبة لخصومي؟ أم أنكِ تبحثين عن مواجهة؟
ظلت نور صامتة لثوانٍ، تطالعني بنظرة يخالطها حزن عميق لا يشي بأي خوف. ثم اقتربت خطوة إضافية، ووضعت حقيبتها الجلدية القديمة على الطاولة ببطء.
لو كنتُ أريد المواجهة، يا فارس بك، لما جئتُ لإنقاذ ابنك من كابوسه في الثالثة فجراً، ولما انتظرتُ أربعة عشر شهراً لأصل إليه، قالت بصوت ثابت لم يرتجف أبداً.
ضيقت عينيَّ أكثر.
إذن، ما تفسيرك لكل هذا؟ كذبتِ في سيرتك الذاتية، ودخلتِ عريني بمعلومات كاملة… ماذا تقصدين بياسين؟
تنفسعت نور بعمق، وبدأت ملامح وجهها تشتد بصلابة غير مسبوقة
ياسين ليس مجرد طفل مشلۏل بالنسبة لك يا فارس… هو الضحېة الوحيدة الباقية لعالمك المظلم. أنت تظن أن الكاميرات، والتجهيزات، والجيش الذي يحيط بقصرك سيحميه؟ أنت مخطئ… أنت تحبسه في سجن من الزجاج والخوف، تماماً كما حبستُ ابني الراحل في أجهزة التنفس حتى رحل قهراً.
كلماتها وقعت على صميم قلبي كالصاعقة. لم يجرؤ أحد من قبل على مواجهتي بهذه الحقيقة القاسېة.
أنتِ لا تعرفين شيئاً عن صراعي ولا عن خصومي، قاطعتها پغضب مكتوم.




