روايات وقصص

عرين الأسد المكسور ج2 حكايات شروق خالد

من يكون؟

سألتُ بصوت خرج هامساً، لكنه كان يحمل برودة حادة ونبرة حازمة قاطعة كالحد.

لم ترد نور فوراً. ظلت تطالعني بنظرة ثابتة، ثم أدمجت يدها داخل حقيبتها الجلدية القديمة، وأخرجت منها وحدة تخزين صغيرة فلاش ميموري ووضعتها ببطء على حافة المكتب بيننا.

قبل أن تعرف الاسم يا فارس بك، يجب أن تدرك أنك لستَ تحارب خصوماً في الشارع فحسب… بل تحارب خائناً يجلس معك على نفس الطاولة، ويعلم بكل تفاصيل حياتك وتحركاتك، وهو نفس الشخص الذي سرّب شيفرة تحرك سيارتك في تلك الليلة المشؤومة.

تجمّد إحساسي. طافت في ذهني وجوه رجالي المقربين، وعلى رأسهم طارق الذي قضى معي سنوات طويلة في عالم العمل الخاص. هل يُعقل أن يكون هو؟ هل الصديق الوحيد المتبقي لي هو من تسبب في أذى زوجتي وابني؟

مدرتُ بصري ببطء نحو الكاميرا المعلقة في أركان المكتب، ومنها إلى باب المكتب حيث يقف طارق في الخارج. كانت الشكوك تنهش عقلي كالتفكير الملح.

إن كان ما تقولينه صحيحاً… قلتُ وأنا أقترب ببطء من هاتفي الموضوع على الطاولة، … فلماذا لم تقولي لي هذا الاسم فور دخولك القصر؟ لماذا انتظرتِ طوال هذه الأيام؟

أجابت نور بصوت حازم ولا ينم عن أي خوف

لأنني لو قلتها لك وأنت في قمة انفعالك وغضبك، لكنتَ تصرفت بحدة مع الرجل فوراً، وضاع الخيط الوحيد الذي يربطنا برأس الأفعى الحقيقي… أنا لست هنا لأساعدك على المواجهة العشوائية يا فارس، أنا هنا لأهدم إمبراطوريتهم على رؤوسهم، ولأحمي ياسين بالطريقة التي لم يستطع حمايته بها.

قبل أن أرد بكلمة واحدة، واهتزازة الڠضب تبلغ مداها، حدث ما لم يكن في الحسبان.

دوى صوت صفارة إنذار خاڤتة وحادة من شاشة لوحة التحكم الجانبية في المكتب. انطفأت أضواء الطوارئ الحمراء الخاڤتة وظهرت ومضات متقطعة على شاشات المراقبة الخارجية.

في نفس اللحظة، انفتح باب المكتب فجأة پعنف ودخل طارق، ووجهه شاحب، وأفلتت منه أنفاس متقطعة وهو يصيح بلهجة ملؤها الذعر

فارس بك! الكاميرات الخارجية تعرضت لاختراق رقمي مفاجئ، وهناك ثلاث سيارات دفع رباعي سوداء سوداء بدون لوحات معدنية ټقتحم البوابة الرئيسية للقصر الآن… والرجال الذين بداخلها… يحملون تجهيزات ثقيلة!

نظرتُ إلى نور التي لم تتحرك من مكانها، ثم نظرتُ إلى الشاشة الكبرى، لأرى رجالاً ملثمين يترجلون من السيارات ويتحركون باحترافية نحو القصر.

لقد وصلوا… وبدا أن المواجهة الحقيقية لم تبدأ إلا للتو.

أضاءت ومضات الإنذار الحمراء وجه طارق الشاحب، بينما كانت عيناه تتبادلان النظرات بيني وبين الشاشات المشټعلة بالخارج. في تلك اللحظة بالضبط، حيث تتقاطع خيوط الخېانة مع توتر الموقف، شعرت أن العالم يضيق حتى يكاد ينعدم.

نظرتُ إلى طارق نظرة ثاقبة وباردة، نظرة جعلت رجلاً بحجمه يتراجع خطوة إلى الوراء رغم دوي صفارات الإنذار. هل كان هو الخائڼ؟ أم أن

التوقيت مجرد صدفة شيطانية أخرى؟ لم يكن هناك وقت للسؤال.

طارق، قلت بصوت يخترق فوضى المكان، جهّز الرجال عند الممر الرئيسي، واقفل باب الجناح الغربي بالكامل.. ولا تسمح لأي كائن بالاقتراب من غرفة ياسين إلا بعد تجاوز حراستي.

أومأ طارق برأسه بسرعة وخرج كالمچنون ليتولى الدفاع عن الحصن، لكن عيني ظلتا معلقتين بأثره. وفي نفس اللحظة، التفتُّ إلى نور التي كانت تقف بهدوء تام وسط الفوضى، وكأنها كانت تتوقع موقفاً كبيراً طوال حياتها.

مددت يدي بسرعة وأخذت وحدة التخزين الفلاش ميموري من على المكتب ووضعتها في جبي، ثم رفعت هاتفي وتأكدت من جاهزيته.

غرفة الأمان التقليدية في قاع القصر لن تنفعنا، قالت نور بصوت حاسم وهي تلتقط حقيبتها الجلدية. الأشخاص الذين هجموا الآن لا يستهدفون مالك يا فارس.. هم يعلمون أن أجهزة الأمن الخاصة بك محصنة، وجاؤوا خصيصاً ليأخذوا شيئاً واحداً ياسين.

لن تقترب يد منهم من ابني مادمت حياً، قلتها ونبرة الحزم تتطاير من عيني.

إذن لا تضيّع وقتك في حراسة الجدران العالية، ردت نور بجرأة مذهلة. خلف خزانة الكتب في غرفة ياسين يوجد ممر سرّي قديم، بناءً على الخرائط الهندسية التي درستها جيداً قبل أن أطرق بابك.. هذا هو الطريق الوحيد لإخراج الصغير بر الأمان، بينما تشغل أنت هؤلاء القادمين هنا.

نظرتُ إليها بدهشة بالغة وريبة قاټلة. كيف عرفت خبايا قصر لم يعلم بتفاصيله سوى أنا ومهندس القصر الراحل؟ لكن لم يعد هناك وقت للأسئلة؛ فقد بدأت أصوات تحطيم الزجاج والأبواب الخارجية تعلو في أرجاء القصر، تتبعها أصوات حادة أولى مدوية مزقت سكون الليل.

خدي ياسين واهربي به من الممر السري يا نور، قلت وأنا أفتح باب المكتب لأواجه المصير المحتوم. وإذا لم أعد.. فقولي له إن أباه لم يكن مجرد زعيم في الظل، بل كان رجلاً استعدّ للمۏت ألف مرة ليمنحه فرصة لحياة حقيقية.

التفتُّ نحو الرواق المظلم، رفعت هاتفي، وابتسمت بمرارة؛ لقد ظنوا أنهم أتوا لإنهاء إمبراطورية فارس الچارحي.. لكنهم لا يعلمون أنهم أيقظوا أسداً مجروحاً، والمواجهة الحقيقية قد بدأت الآن.

حكايات شروق خالد

انطلقتُ في الرواق كالسهم، وصوت الحركة ېمزق هدوء قصر المنصورية. كان دوي الانفجارات الخفيفة عند الأبواب الخارجية يعلن بدء الاقټحام الفعلي.

لم تكن خطتي هي الهرب، بل امتصاص الصدمة الأولى وشغل المهاجمين حتى تؤمّن نور خروج ياسين.

وقفتُ عند تقاطع الممر الرئيسي، خلف أحد الأعمدة الرخامية الضخمة. ظهر ثلاثة من المهاجمين الملثمين، يرتدون دروعاً واقية ويحملون تجهيزات متطورة. لم يكونوا مجرد عصابة عادية؛ كانت تحركاتهم تشبه القوات الخاصة.

طَخ! طَخ!

بثلاث تحركات مركزة ودقيقة، أطلقتها بمهارة سنين طويلة في عالم الظل، توقف اثنان منهم قبل أن يدركا من أين جاءت الحركة، بينما اختبأ الثالث خلف الأثاث وهو يتحرك

بعشوائية.

في هذه الأثناء، كانت نور قد وصلت إلى غرفة ياسين.

كان الصغير جافزاً في سريره، يرتجف من الأصوات الحادة التي تعيد إلى ذهنه كابوس ليلة التفجير.

ياسين! اسمعني كويس، قالت نور وهي تنحني أمامه وعيناها تثبتان في عينيه بقوة وحنان. أنا وعدتك إني مش هتحرك من جنبك.. صح؟ جه الوقت اللي نثبت فيه إننا أبطال بجد.

بدل أن تضيع الوقت في محاولة حمل الكرسي المتحرك الثقيل، حملته هي بين ذراعيها بكل ما أوتيت من قوة. اندفعت نحو خزانة الكتب الضخمة في طرف الغرفة، وضغطت على البروز الخفي كما درست في المخططات.

تحركت الخزانة بصوت حفيف مكتوم، ليكشف الجدار عن ممر ضيق ومظلم ينزل في باطن الأرض باتجاه المزرعة المجاورة للقصر.

دخلت نور إلى الممر وهي تحمل ياسين، وقبل أن تغلق الباب السري من الداخل، نظر إليها ياسين بدموع تترقرق في عينيه

بابا فين يا أبلة نور؟

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى