روايات وقصص

طفلة الخادمة ج2 . حكايات شروق خالد

ظل ياسين يحدق في الاسم الموجود على شاشة الهاتف.

فؤاد.

عمه.

الرجل الذي ربّاه بعد وفاة والده.

الرجل الذي وقف بجانبه في جنازة أبيه.

الرجل الذي كان دائمًا يقول له:

“أبوك كان أخويا… وأنا مش هسيبك لوحدك.”

أعاد ياسين قراءة الرسالة مرة أخرى.

ثم رفع عينيه إلى مريم.

“إنتي تعرفي فؤاد؟”

ارتجفت مريم.

ولم تجب.

قال ياسين بحدة:

“مريم!”

هزت رأسها ببطء.

“أيوه.”

“كان موجود يوم موت أبويا؟”

سكتت.

فهم ياسين الإجابة.

“كان موجود.”

قالت مريم:

“كان هو اللي جاب محمود.”

أغمض ياسين عينيه.

كل الذكريات بدأت تعود.

ليلة وفاة والده.

السيارة التي قيل إنها فقدت السيطرة.

الطريق الصحراوي.

الشرطة.

تقرير الحادث.

عمه فؤاد وهو يبكي أمام الجميع.

ومحمود الذي اختفى بعدها بأيام.

قال ياسين:

“يعني فؤاد ومحمود كانوا متفقين.”

مريم هزت رأسها.

“في الأول.”

“وبعدين؟”

“بعد ما أبوك مات، فؤاد خد كل حاجة.”

نظر ياسين إليها.

“ومحمود؟”

“محمود اكتشف إن فؤاد خدعهم.”

“وعشان كده بقى بيشتغل ضده؟”

“أيوه.”

جلست مريم على الأرض.

“أنا كنت شغالة عند والدك من زمان.”

“وعارفة كل حاجة؟”

“مش كل حاجة.”

ثم رفعت عينيها.

“لكن عارفة إن أبوك قبل ما يموت بيوم كان خايف.”

اقترب ياسين.

“قالك إيه؟”

“قال لي لو حصل له حاجة، أخلي لوسي بعيدة عن فؤاد.”

نظر ياسين إلى الطفلة.

“بس لوسي كانت لسه مولودة.”

“أيوه.”

“إيه علاقتها بفؤاد؟”

ارتجفت مريم.

“أبو لوسي الحقيقي مش محمود.”

تجمد ياسين.

“إنتي قلتي إن محمود أبوها.”

“قلت لك إن محمود هو اللي كان بيحميها.”

“يبقى أبوها مين؟”

أخفضت مريم عينيها.

“ابن فؤاد.”

ساد الصمت.

قال ياسين:

“ابن فؤاد؟”

هزت رأسها.

“كان عنده ابن اسمه كريم.”

تراجع ياسين خطوة.

“كريم مات من سنين.”

“لا.”

رفعت مريم رأسها.

“كريم اختفى.”

اتسعت عينا ياسين.

“إزاي؟”

“فؤاد قال للناس إنه مات.”

“لكن الحقيقة؟”

“كان عايش.”

ثم أضافت:

“ولوسي هي بنته.”

نظر ياسين إلى الطفلة.

ثم إلى مريم.

“يعني لوسي حفيدة فؤاد.”

“أيوه.”

بدأت الصورة تتضح.

فؤاد لم يكن يريد لوسي لأنها طفلة.

كان يريدها لأنها تحمل شيئًا يخص ابنه.

شيئًا يمكن أن يهدد كل ما بناه.

قال ياسين:

“فين كريم؟”

مريم لم تجب.

“مريم، فين كريم؟”

قالت بصوت منخفض:

“هو اللي بعت الرسالة.”

تجمد ياسين.

“كريم عايش؟”

هزت رأسها.

وفي اللحظة نفسها…

وصلت رسالة جديدة إلى الهاتف.

“متدورش عليا يا ياسين.”

ثم وصلت رسالة ثانية.

“روح الفيلا القديمة.”

ثم ثالثة:

“الخزنة هتقولك الحقيقة.”

رفع ياسين رأسه.

“لازم نروح دلوقتي.”

قال أحد رجاله:

“يا باشا، أمك؟”

نظر إليه ياسين.

“هنجيبها.”

ثم التفت إلى مريم.

“إنتي هتيجي معانا.”

“ولوسي؟”

نظر إلى الطفلة.

“هتفضل معايا.”

احتضنت لوسي أرنبها.

ومدت يدها الصغيرة إلى ياسين.

أمسك يدها.

خرجوا من الشقة.

لكن ياسين لم يكن يعرف أن هناك شخصًا كان يراقبهم من سيارة سوداء أسفل المبنى.

وكان هذا الشخص يتحدث في الهاتف.

“خرجوا.”

جاءه صوت من الطرف الآخر:

“والبنت؟”

نظر الرجل إلى لوسي.

“معاه.”

صمت الصوت للحظات.

ثم قال:

“إذن الخطة اتغيرت.”

“نعمل إيه؟”

جاء الرد:

“محدش يلمس ياسين.”

“ليه؟”

قال الصوت:

“لأن ياسين هو اللي هيجيب لنا الخزنة.”

ثم أغلق الهاتف.

—

وصل ياسين إلى الفيلا القديمة في المعادي بعد منتصف الليل.

كانت الفيلا مهجورة منذ وفاة والده.

دخل المكان.

كانت رائحة التراب تملأ الهواء.

صور قديمة معلقة على الجدران.

وفي نهاية الممر كانت غرفة مكتب والده.

وقف ياسين أمام الباب.

لم يدخل هذا المكان منذ عشر سنوات.

مد يده إلى المقبض.

ثم توقف.

كانت لوسي واقفة خلفه.

قالت:

“خايف؟”

نظر إليها بدهشة.

“إنتي اللي خايفة؟”

هزت رأسها.

“لأ.”

ثم قالت:

“ماما قالت إن الخوف بيخلي الناس تعمل حاجات غلط.”

ابتسم ياسين لأول مرة.

“مامتك عندها حق.”

فتح الباب.

دخل.

كان المكتب كما تركه والده تقريبًا.

المكتب الخشبي.

الكرسي.

المكتبة.

حتى القلم القديم الذي كان والده يستخدمه.

اقترب ياسين من الخزنة.

أخرج المفتاح.

أدخله.

لكن الخزنة لم تفتح.

عبس.

“المفتاح مش كامل.”

قالت مريم:

“أبوك قال إن المفتاح لوحده مش كفاية.”

نظر إليها.

“إيه المطلوب؟”

أشارت إلى لوحة معلقة على الحائط.

صورة عائلية قديمة.

اقترب ياسين.

خلع الصورة.

وجد خلفها لوحة أرقام صغيرة.

كتب تاريخ وفاة والده.

رفضت الخزنة.

حاول تاريخ ميلاد والده.

رفضت.

ثم تذكر شيئًا.

يوم وفاة والدته.

كتب التاريخ.

صدر صوت طقطقة.

انفتحت الخزنة.

لم يكن بداخلها ذهب.

ولا أموال.

ولا أسلحة.

كان هناك دفتر أسود.

وهاتف صغير.

وصورة.

التقط ياسين الصورة.

وتجمد.

كانت الصورة لوالده…

وبجواره فؤاد…

ومحمود…

ورجل ثالث.

رجل لم يعرفه ياسين.

لكن مريم صرخت بمجرد أن رأته.

“ده كريم.”

نظر إليها ياسين.

“كريم؟”

هزت رأسها.

“أبو لوسي.”

لكن المفاجأة لم تكن في الصورة.

بل في ظهرها.

كانت هناك جملة مكتوبة بخط والده:

“لو ياسين وصل للصورة دي، يبقى كريم لسه عايش… وفؤاد هو اللي بيحاول يوصله قبلنا.”

رفع ياسين رأسه.

وفي نفس اللحظة…

سمع صوت سيارة تتوقف أمام الفيلا.

ثم عدة أبواب تُغلق.

اقترب أحد رجاله من النافذة.

وقال:

“يا باشا…”

“في عربيات كتير.”

ثم أضاف:

“وفؤاد بنفسه نازل منها.”

نظر ياسين إلى مريم.

ثم إلى لوسي.

وأغلق الدفتر.

قال بهدوء:

“خلاص.”

“الحكاية بدأت بجد.”

ثم انفتح باب الفيلا بقوة.

وجاء صوت فؤاد من الخارج:

“ياسين!”

“أنا عارف إنك جوه.”

رفع ياسين سلاحه.

لكن قبل أن يرد…

وصلت رسالة إلى الهاتف الموجود داخل الخزنة.

نظر إلى الشاشة.

كانت من رقم مجهول.

“متواجهش فؤاد.”

ثم وصلت الرسالة الثانية:

“لأنه مش جاي لوحده.”

ثم الثالثة:

“أنا جوه الفيلا.”تجمد ياسين وهو يقرأ الرسالة الأخيرة.

أنا جوه الفيلا.

رفع عينيه ببطء عن الهاتف.

نظر إلى مريم.

ثم إلى رجاله.

“حد فيكم دخل قبلنا؟”

هز الجميع رؤوسهم بالنفي.

قال أحدهم:

“مستحيل يا باشا.”

أمسك ياسين الهاتف بقوة.

“إذن مين اللي بعت الرسالة؟”

لم يجب أحد.

فجأة، سمعوا صوت خطوات فوقهم.

خطوة…

ثم خطوة أخرى.

كانت قادمة من الدور العلوي.

رفعت مريم رأسها.

“الدور ده مقفول من عشر سنين.”

قال ياسين:

“محدش يتحرك.”

ثم أعطى أحد رجاله إشارة لحماية مريم ولوسي.

وصعد السلم وحده.

كل خطوة كانت تعيد إلى ذاكرته ليلة وفاة والده.

كان والده يحتفظ بمكتبه في الدور الأرضي.

أما الدور العلوي…

فكان ممنوعًا على أي شخص دخوله.

وصل ياسين إلى آخر السلم.

وجد بابًا نصف مفتوح.

دفعه ببطء.

الغرفة كانت مظلمة.

وفجأة أضاء مصباح صغير.

ظهر رجل جالس على كرسي بجوار النافذة.

رفع رأسه.

كان في أواخر الثلاثينيات.

وجهه شاحب.

ولديه ندبة طويلة بجانب حاجبه.

قال:

“اتأخرت يا ياسين.”

رفع ياسين سلاحه.

“إنت كريم.”

ابتسم الرجل.

“كنت مستني اليوم ده.”

“إنت عايش؟”

“أهو.”

اقترب ياسين بحذر.

“ليه اختفيت؟”

ضحك كريم بسخرية.

“لأن أبويا كان عايز يقتلني.”

“فؤاد؟”

هز كريم رأسه.

“أيوه.”

“ليه؟”

“لأني عرفت الحقيقة.”

توقف ياسين.

“أي حقيقة؟”

نظر كريم إلى الباب.

ثم قال:

“إن أبوك مامتش بسبب حادث.”

“أنا عارف.”

“لا.”

هز كريم رأسه.

“إنت لسه متعرفش نص الحقيقة.”

اقترب ياسين.

“قول.”

قال كريم:

“أبوك كان عايز يخرج من شغل العيلة نهائي.”

“عارف.”

“لكن مش علشان يتوب.”

“أمال؟”

“علشان كان اكتشف إن في حد بيستخدم شركاته لغسيل أموال.”

تجمد ياسين.

“مين؟”

قال كريم:

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى