روايات وقصص

عرين الأسد المكسور ج 1 حكايات شروق خالد

في تمام الساعة 317 صباحاً، راقبت عبر كاميرا مراقبة خفية مربية ابني البالغ من العمر ثماني سنوات وهي تتسلل إلى سريره، وامتدت يدي فوراً نحو هاتفي. كنتُ فارس الچارحي، الرجل الذي يخشاه الجميع في عالم الأعمال والعمل الخاص في مصر، وقد أُصيب ابني بالشلل في نفس الحادث الذي تسبّب في رحيل زوجتي. لقد ثبتُّ كاميرات في جميع أنحاء قصرنا في المنصورية لأني لا أثق بأحد. ولكن عندما صړخ ياسين فجأة ولفّت نور ذراعيها حوله، جعلني ما حدث بعد ذلك أخفض هاتفي للمرة الأولى في تلك الليلة.

اسمي فارس الچارحي. أبلغ من العمر ثلاثة وأربعين عاماً، وقبل أربعة عشر شهراً، دبّر شخصٌ ما حادثاً تحت سيارتي المصفحة.

أنا نجيت.

لكن زوجتي فريدة لم تنجُ.

وابننا ذو الأعوام الثمانية، ياسين، نجا لكنه أصيب بإصابة في الحبل الشوكي أدت إلى عجزه عن تحريك ساقيه. قبل الحادث، كان يملأ قصرنا بالضحك، والأحذية الرياضية الملطخة بالوحل، والمقالب السخيفة.

أما بعده، فصار بالكاد ينطق بكلمات معدودة.

لقد استأجرت أفضل الأطباء، وأخصائيي العلاج الطبيعي، والمربين الذين يمكن بالمال شراء خدماتهم. لكن شيئاً لم يُعِد إلينا ذلك الطفل الذي اعتاد الركض في ممراتنا.

لذا فعلتُ ما أجيده تماماً.

شددت الإجراءات الأمنية.

كانت كاميرات مخفية تراقب كل مدخل، وغرفة نوم، وممر، وغرفة علاج. وحده رئيس أمننا، طارق، كان يعلم مكان تثبيتها.

حينها وصلت نور.

كانت في الرابعة والثلاثين من عمرها، ترتدي معطفاً ثقيلاً بالياً وتحمل حقيبة جلدية قديمة. وخلافاً لكل من دخل مكتبي، لم تبدُ خائڤة أو مرهوبة الجانب على الإطلاق.

تفحصت طلب التوظيف الخاص بها.

أنتِ لستِ ممرضة.

لا.

لقد عملتِ في مجال دعم إعادة التأهيل، لكن هناك فجوة زمنية مدتها سنتان في سيرتك الذاتية.

نعم.

ألن توضحي السبب؟

نظرت إليّ نور مباشرة.

يعتمد ذلك على طبيعة السؤال.

تحرك طارق بارتباك بجانب الباب.

ما كان أحد يجرؤ على مخاطبتي بهذه الطريقة أبداً.

ابني يحتاج إلى رعاية خاصة، حذرتها. مراقبة الأدوية، والتقييمات الحركية، والعلاج الطبيعي. إنه بالكاد يتعاون مع أحد.

إنه في الثامنة من عمره، أجابت نور بهدوء.

لم ينطق بأكثر من بضع جمل منذ عام كامل.

هذا لا يعني أنه لا يستطيع سماع الناس وهم يناقشون حالته كأنه قطعة أثاث.

حدقتُ بها مطولاً.

هل تدركين لمن تعملين؟

لرجل يعرض ثلاثة أضعاف الراتب العادي.

لم يكن هذا هو سؤالي.

لكنه إجابتي.

وللمرة الأولى منذ أشهر، كدتُ أبتسم.

ثم انحنيتُ نحوها أكثر.

ابني هو كل حياتي.

مرّ شيء غامض عبر وجه نور.

إذن، دعني ألتقي به.

خلال الأيام الثلاثة التالية، راقبتها عبر الكاميرات.

لم تكن تتودد إلى ياسين أو تعامله كطفل عاجز.

عندما رفض تناول طعام الإفطار، وضعت طبقَه بجانب كرسيه المتحرك.

كل أو لا تأكل.

بدا ياسين متفاجئاً.

ألن تجبريني؟

كلا.

السيدة الأخرى كانت تصدر أصوات طائرات.

تنهدت نور.

يبدو ذلك مُرهقاً للغاية.

اختلج فم ابني بابتسامة خفيفة.

وبعد عشر دقائق، أكل نصف تفاحة.

حدقت في الشاشة، غير مصدق لما رأيناه.

وفي يوم الخميس، بدأت نور روتين تمارين الإطالة الخاص به.

كان ياسين يكره العلاج. كان يكره الدعامات، والتعليمات الدقيقة، والطريقة التي يتحدث بها الكبار معه كأنه سيتحطم إن مسوه.

وعندما ثنيت نور ساقه اليسرى بلطف، اشتدت أصابعه بقوة على ملاءة السرير.

انحنيتُ أكثر نحو الشاشة.

فعلى مدار أربعة عشر شهراً، انتهت كل جلسة إما بالإحباط أو الصمت المطبق.

لكن نور توقفت عن تحريك ساقه ونظرت إليه مباشرة.

وانتظرتُ، مراقباً تلك المرأة التي تمكنت بطريقة ما من فهم ابني بشكل أفضل بعد ثلاثة أيام مقارنة بمعظم الناس خلال عام كامل.

وما لم أكن أعلمه حينها، هو أن اللحظة الأكثر استثنائية كانت لا تزال بانتظاري.

لأنه في تمام الساعة 317 من تلك الصباحية، ستدخل ذات المرأة إلى غرفة نوم ياسين، وحينها سأكتشف شيئاً لم يستطع أي مبلغ من المال أو الإجراءات الأمنية منحه إياه أبداً.

الساعة تشير إلى الثالثة وسبع عشرة دقيقة صباحاً. اهتزت الشاشة أمامي فجأة بصوت صړاخ خاڤت ومكتوم.

ياسين!

وثبتُ من مقعدي، وتمددت أصابعي تلقائياً نحو هاتفي المُعلق على الحائط الجانبي. في ذلك العالم المظلم الذي عشت فيه، كان كل صوت مفاجئ يعني خطراً، وكل حركة غير محسوبة تعني خصوماً يقتربون من ابني.

لكن ما رأيته على الشاشة جمّد أنفاسي وأوقف يدي قبل أن أرفع الهاتف.

كان ياسين يستيقظ فزِعاً من كابوسه المعتاد، يتصبب عرقاً، وجهه شاحب، وجسده يرتجف پعنف. في السابق، عندما كان يمر بهذه النوبات، كان الحراس أو الممرضون يهرعون إليه پخوف، أو يتصلون بالطبيب، مما كان يزيد خوف الطفل ويجعله ينكمش على نفسه أكثر.

لكن هذه المرة، كانت نور هناك.

خرجت من غرفتها المجاورة كأنها كانت تنتظر هذه اللحظة بالذات. لم تتردد ثانية واحدة. دخلت الغرفة بخطوات ثابتة وسريعة، ولم تحاول إيقاظه بصړاخ أو هلع. بدلاً من ذلك، اقتربت بحذر، وقبل أن يدرك ياسين ما يجري، مدت ذراعيها ولفّته بحنان جارف، وضمت رأسه إلى صدرها بقوة، هامسة بصوت دافئ وثابت

أنا هنا يا حبيبي… أنا معاك. الباب مقفول والدنيا أمان… اطمن يا بطل.

ولأول مرة منذ أربعة عشر شهراً، لم ينكمش ياسين أو يرفض اللمس.

على العكس تماماً، تشبث بصدرها بيدي النحيلتين، واڼفجر في بكاء مرير وصامت، كأن جبلاً من الأحزان المكبوتة قد انكسر بداخله.

وقتها… شعرت أن أصابعي ترتخي عن الهاتف. سقطت يدي بجانبي ببطء لأول مرة في تلك الليلة، ولأول مرة منذ رحيل فريدة، شعرت بغصة حاړقة تخترق جدار قلبي الحجري.

لم تهزمني صراعات العمل، ولم تخفني ضغوط خصومي في شوارع القاهرة، لكن رؤية هذه المرأة الغريبة وهي تحتضن چروح ابني بهذه الطريقة جعلتني أدرك كم كنتُ أعزل رغم كل التجهيزات والكاميرات.

راقبت الشاشة وأنا أتنفس بصعوبة. ظلت نور تضمّه وتمرر أصابعها بلطف على شعره المبلل بالعرق، تهمس له بكلمات بسيطة خالية من أي شفقة مصطنعة؛ كانت تكلمه بندية واحترام، كأنها تخاطب رجلاً صغيراً لا طفلاً مشلولاً.

الکابوس عدى ومشى يا ياسين… بكرة نهار جديد، وأنا جنبك مش هتحرك.

مرت دقائق طويلة قبل أن يهدأ تنفس ياسين تدريجياً، ويبدأ في الاسترخاء بين ذراعيها حتى غرق في النوم مرة أخرى بعمق لم أره عليه منذ الحادث.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى