
“قالتلي…”
سكتت.
“قالتلي لو في يوم حد سألني عن المفتاح ده…”
رفعت عينيها لياسين.
“أقول له إن الراجل الوحيد اللي أقدر أثق فيه… اسمه ياسين الشناوي.”
القبو كله سكت.
حتى سالم اختفت الابتسامة من وشه.
لأن المفتاح كان هو الحاجة اللي كل الناس دي بتدور عليها من عشرين سنة.
وياسين مد إيده ناحية المفتاح.
لكن قبل ما يلمسه…
اتسمع صوت اضطراب فوقهم.
وسالم قال:
“خلصت.”
مريم بصت له بخوف.
“إيه اللي حصل؟”
سالم ابتسم.
“رجالتي وصلوا.”
ياسين بص للسلم.
وبعدين بص لمريم.
وقال بهدوء:
“خليكي ورايا.”
مريم بصت لكرسيه.
“بس إنت…”
قاطعها:
“مريم.”
“نعم؟”
قال وهو ماسك إيدها:
“من النهارده، مهما حصل… إنتِ مش هتواجهي حاجة لوحدك.”
وكانت دي أول مرة…
مريم تحس إن الراجل اللي العالم كله كان بيخاف منه…
بقى هو الشخص الوحيد اللي هي مستعدة تثق فيه.
الاضطراب كان لسه مستمر فوقهم، وصوت الحركة مالي البيت كله.
ياسين مسك إيد مريم بقوة.
“بصيلي.”
مريم بصت له وهي بتعيط.
“إحنا هنطلع من هنا.”
“إزاي؟”
بص للمفتاح اللي في إيدها.
“بالمفتاح ده.”
مريم فهمت.
في آخر القبو كان فيه باب حديد قديم.
حطت المفتاح في القفل.
لفته.
الباب اتفتح.
ورا الباب كان فيه ممر ضيق بيوصل لبرا البيت من ناحية الجنينة الخلفية.
مريم ساعدت ياسين يعدي.
ولأول مرة من يوم الحادثة، ياسين خرج من البيت من غير ما حد يساعده بشكل مباشر.
كان بيعتمد على إيديه وعلى الكرسي، لكنه أصر يكمل بنفسه.
خرجوا للهواء الطلق.
لكن أول ما وصلوا، لقوا الحاجة زينب واقفة هناك.
راسها عليها إصابة بسيطة، لكنها كانت واعية.
جريت عليهم.
“يا ابني!”
ياسين قرب منها.
“إنتِ كويسة؟”
“أنا كويسة.”
وبعدين بصت لمريم.
“المفتاح معاكي؟”
مريم هزت راسها.
الحاجة زينب ابتسمت.
“يبقى أمك نفذت وعدها.”
بعد ساعات…
وصلت الجهات المختصة، وتم التعامل مع سالم وباقي أفراد المجموعة.
واتفتح ملف قديم كان مقفول من أكتر من عشرين سنة.
والد ياسين ماكانش بالشكل اللي حاولوا يصوروه به.
كان هو نفسه بيحاول يكشف شبكة كبيرة من الأنشطة غير القانونية.
أما الشخص اللي خان العيلة، فكان واحد من أقرب الناس له.
وسالم كان واحد من اللي نفذوا أوامره.
أما فاطمة، أم مريم، فكانت محتفظة بالمعلومة المهمة لسنين، وعاشت وهي حريصة على حماية بنتها.
قبل وفاتها، سلمت المفتاح للحاجة زينب، ووصتها:
“لو في يوم مريم دخلت بيت الشناوي… ساعتها بس سلميها المفتاح.”
بعد شهور…
اتغير كل شيء.
ياسين بدأ جلسات العلاج الطبيعي.
كان التقدم بطيء، لكن كل يوم كان بيحمل خطوة جديدة.
وفي يوم، وهو واقف بين قضبان المشاية، رجله اتحركت حركة بسيطة جدًا.
الدكتور ابتسم.
“شوفت؟”
ياسين بص لرجلِه.
وبعدين بص لمريم.
كانت واقفة عند الباب ودموعها في عينيها.
قال الدكتور:
“في أمل كبير.”
ياسين ابتسم.
“أنا عارف.”
مريم ضحكت.
“إنت عرفت منين؟”
بصلها.
“علشان إنتِ لسه هنا.”
مريم قربت منه.
“وهفضل هنا.”
“حتى لو فضلت في الكرسي؟”
“حتى لو فضلت.”
“حتى لو ما مشيتش تاني؟”
مريم مسكت إيده.
“أنا ماحبتكش علشان رجليك.”
ياسين سكت.
وبعدين قال:
“طب علشان إيه؟”
مريم ابتسمت.
“علشان أول ما الدنيا كلها سابتك… إنت رغم كل اللي حصل، كنت بتحاول تحميني.”
ياسين قرب إيدها من وشه.
وقال:
“وأنا حبيتك من أول مرة وقفتِ قدامي وإنتِ خايفة، وبرضه اخترتي تفضلي.”
بعد سنة…
ياسين قدر يقف لوحده.
وبعدها قدر ياخد أول خطوة.
وأول شخص مشي ناحيته…
كانت مريم.
وقف قدامها.
من غير كرسي.
ومن غير مساعدة.
ومد إيده لها.
قال:
“تتجوزيني؟”
ضحكت وسط دموعها.
“هو ده سؤال؟”
“يعني موافقة؟”
“موافقة.”
الحاجة زينب كانت واقفة بعيد، وبتبكي من الفرحة.
وبعد شهور…
البيت اللي كان مليان خوف وأسرار…
اتحول لبيت مليان ضحك وحياة.
وياسين ما بقاش الراجل اللي الناس كانت بتخاف منه.
بقى راجل عنده ست بتحبه، وبيت مستني يرجع له، وحياة جديدة بدأها من الصفر.
أما مريم…
فالبنت اللي دخلت البيت ده وهي محتاجة شغل علشان تساعد أختها…
خرجت منه وهي صاحبة قلب الراجل اللي العالم كله كان فاكره مافيش في قلبه مكان لحد.
وفي يوم فرحهم…
ياسين مسك إيدها قدام الكل وقال:
“كل الناس قالت إنها خدامة دخلت بيتي.”
بص لمريم وابتسم.
“بس الحقيقة إنها هي اللي دخلت حياتي وأنقذتني.”
مريم ضحكت وقالت:
“وأنا كنت فاكرة إني جاية أنقذ أختي بس.”
قرب منها وقال:
“وأنقذتيني أنا كمان.”
ومن يومها…
بقى الكل في بيت الشناوي عارف حكاية البنت اللي ما مشيتش لما كل الناس مشيت.
البنت اللي ما خافتش من راجل فقد قدرته على المشي.
والراجل اللي اكتشف إن أقوى حاجة ممكن تحصل له…
مش الفلوس، ولا النفوذ، ولا القوة.
إنه يلاقي شخص واحد…
يفضل جنبه لما الدنيا كلها تسيبه.
ودي كانت بداية حياة جديدة…
لمريم وياسين.
مش قصة زعيم وعاملة في البيت.
لكن قصة اتنين…
لقوا بعض في أصعب وقت في حياتهم.
وحوّلوا الوجع…
لبداية حب عمره ما انتهى.
#حكايات_شروق_خالد




