منوعات

امتلاك على ورق ج1 حكايات شروق خالد

بعد ثلاث أسابيع من اليوم الذي أخبرني فيه زوجي صاحب النفوذ أن زواجنا مجرد حبر على ورق، عاد إلى البيت فجأة ومن دون مقدمات، وأمرني أن أجهز حقيبتي لأننا سنذهب في رحلة لم أكن أعرف عنها شيئًا.

وفي صباح اليوم التالي، وجدت نفسي على متن يخت ضخم يتجه بنا إلى منزل أحمد الخاص في الجونة، بينما كان قد أخبرني أن الأمور بيننا ستتغير، وأنه لم يعد ينظر إلى زواجنا باعتباره مجرد اتفاق.

كان المطر يهطل بغزارة على نوافذ شقتنا الفاخرة في الزمالك، وأنا أقف أمام المرآة وأتأمل وجهًا لم أعد أشعر أنني أعرفه.

منذ ثلاثة أسابيع فقط، تزوجت أحمد الباشا في هدوء، من دون احتفال أو أجواء رومانسية، وكان السبب أن زواجي منه سيساعد في إنهاء الديون التي أثقلت كاهل والدي، ويحمي أختي الصغيرة من تبعاتها.

“أنتِ زوجتي على الورق فقط.”

كانت تلك الكلمات كل ما قاله أحمد في ليلة زواجنا، قبل أن يبتعد عني ويتركني وحدي.

حاولت إقناع نفسي بأن الأمر قد يكون أفضل لي، خصوصًا أن أحمد كان من كبار رجال الأعمال، والجميع كان يتعامل معه بحذر واحترام.

وفجأة، انفتح باب الشقة، رغم أنه كان من المفترض أن يكون خارج القاهرة طوال الأسبوع.

“يا صفا.”

كان صوته هادئًا وثابتًا. وعندما التفت، وجدته واقفًا عند الباب ببدلته الأنيقة.

قلت بدهشة: “أنت رجعت بدري؟”

أجاب ببساطة: “الخطط اتغيرت.”

ثم قال: “جهزي شنطتك.. ماشيين كمان ساعة.”

سألته إلى أين، لكنه لم يجب مباشرة.

وبعد ساعة، كان مصطفى، حارسه الشخصي، يقود السيارة وسط شوارع القاهرة الغارقة في المطر. توقعت أننا سنتجه إلى المطار، لكننا وصلنا إلى مارينا خاصة، وهناك ظهر أمامنا يخت أبيض ضخم يخص أحمد.

عندما صعدنا إلى اليخت، اصطحبني أحمد إلى الجناح الرئيسي، حيث كانت النوافذ الكبيرة تطل على البحر.

سألته: “وأنت هتنام فين؟”

ابتسم وقال: “ده الجناح الرئيسي يا صفا.. وأنا هبقى هنا.”

شعرت بالتوتر، وتذكرت الحدود التي وضعها بنفسه ليلة زواجنا.

قال أحمد بهدوء: “يمكن جه الوقت اللي نغير فيه شروط الاتفاق.”

لم أعرف كيف أنام طوال الليل.

وفي صباح اليوم التالي، أحضرت لي المضيفة مجموعة كبيرة من الملابس الجديدة، وكانت جميعها بمقاسي تمامًا.

عندها أدركت أن الرحلة لم تكن مفاجئة كما ظننت. أحمد كان قد أعد كل شيء مسبقًا.

وعلى مائدة الإفطار، وسط المياه الزرقاء الممتدة حولنا، عرفت أخيرًا وجهتنا.

قال أحمد: “الجونة.. في بيتي الخاص هناك.”

نظرت إليه بدهشة وسألته لماذا قرر فجأة أن يأخذني في هذه الرحلة.

في البداية ظننت أنه يريدني فقط أن أظهر أمام شركائه باعتباري زوجته، لكن ملامحه تغيرت.

قال: “بيتي هناك معزول. هنكون لوحدنا تقريبًا مع العاملين. الموضوع ملوش علاقة بالمظاهر.”

سألته: “أومال له علاقة بإيه؟”

نظر إليّ طويلًا ثم قال: “يمكن قررت إن جه الوقت اللي أخد فيه مسؤوليتي تجاهك بجد.”

أجبته بهدوء: “أنا مش ملكك.”

ظل ينظر إليّ للحظات، ثم أنهى الحديث وذهب لمتابعة عمله.

جلست وحدي، والعصير أمامي يبرد، بينما بدأت المياه الزرقاء المحيطة بنا تمنحني إحساسًا بالقلق بدلًا من الراحة.

كنت أظن أن المكان سيكون ملجأً من مشاكلي في القاهرة، لكنني بدأت أشعر أنني دخلت عالمًا لا أعرف عنه شيئًا.

طوال النهار تقريبًا لم أر أحمد. كان يقضي معظم وقته في مكتبه، وصوت مكالماته الجادة يصلني من بعيد.

أما مصطفى، فكان يقف على مسافة مناسبة ويراقب المكان بهدوء.

وقبل غروب الشمس، بدأ اليخت يخفف سرعته.

خرجت ووقفت عند السور، فرأيت من بعيد منزلًا ضخمًا على طرف منطقة هادئة في الجونة، تحيط به الأشجار والأضواء.

وقف أحمد بجواري وقال:

“وصلنا يا صفا. هنا محدش هيوصلك، ومحدش هيتدخل بيننا.”

التفت إليه وسألته:

“إحنا اتفقنا على سنة واحدة، مقابل إنك تسدد ديون والدي وتحمي أختي. ليه بتغير القواعد دلوقتي؟”

أجابني:

“القواعد بتتغير لما الظروف تتغير. وأنا اكتشفت إن وجودك في حياتي مش مجرد صفقة.”

ثم أضاف:

“أنتِ بقيتي زوجتي، ومسؤوليتي.”

عندما وصلنا إلى المنزل، استقبلنا العاملون، ثم أُغلق الباب خلفنا.

كان المكان فخمًا للغاية، لكنه منحني إحساسًا غريبًا بالعزلة.

أخذني أحمد إلى الغرفة الرئيسية وقال:

“قدامك ساعة تغيري هدومك وتنزلي نتغدى سوا.. ومن غير أعذار.”

بعد أن غادر، حاولت الاتصال بأختي للاطمئنان عليها، لكن الهاتف لم يجد شبكة.

بدأ القلق يزداد بداخلي.

وبعد ساعة، نزلت إلى غرفة الطعام. كان أحمد يجلس في نهاية الطاولة، وعندما رآني أشار إلى المقعد المجاور له.

جلست بحذر.

قال وهو ينظر إلى خاتم الزواج:

“من بكرة.. حياتنا القديمة انتهت. مش عايز أسمع كلمة اتفاق تاني. أنتِ هنا عشان تبقي مراتي بجد يا صفا.”

نظرت إليه وقلت:

“بس ليه كل ده؟ ليه الجونة؟ وليه دلوقتي؟”

سكت قليلًا، ثم قال:

“لأن في القاهرة.. عيون ناس كتير كانت عليكي.”

شعرت بالقلق.

تابع:

“والدك ماكانش مديون لشركة عادية يا صفا. كان مديون لشخص اسمه الرشيدي.”

ثم أخبرني أن زواجي منه كان جزءًا من طريقة لحمايتي وحماية أسرتي، وأن بقاءي في القاهرة كان قد يجعلني عرضة لضغوط ومشكلات أكبر.

نظرت إليه بدهشة.

“يعني أنت جايبني هنا عشان تحميني؟”

أجاب:

“أنا جايبك هنا عشان أبعدك عن الخطر لحد ما أخلص الموضوع.”

ثم أضاف:

“وكمان عشان أفهمك إن جوازنا ما بقاش مجرد اتفاق على ورق.”

لأول مرة، بدأت أفهم أن وراء تصرفاته سرًا أكبر مما كنت أتخيل.

وقبل أن أتمكن من طرح المزيد من الأسئلة، رن هاتف أحمد فجأة.

نظر إلى اسم المتصل، فتغيرت ملامحه.

أجاب باختصار:

“ساعة واحدة وأكون عندك.”

ثم أغلق الهاتف ونظر إليّ.

قال بحزم:

“مصطفى واقف بره. متخرجيش من الأوضة ولا تطلعي البلكونة مهما سمعتي أو شوفتي.”

سألته بقلق: “إنت رايح فين؟”

قال:

“مش عارف هرجع إمتى. بس افتكري كويس يا صفا.. أنتِ هنا في حمايتي.”

ثم غادر مسرعًا.

ظللت واقفة وحدي في المنزل الكبير، أسمع صوت أمواج البحر من الخارج.

وفجأة…

انطفأت الأنوار في المنزل بالكامل.

ساد الظلام.

وبعد لحظات، سمعت صوت خطوات بطيئة تقترب من الباب الرئيسي.

توقفت أنفاسي للحظة.

لم أكن أعرف من الذي وصل إلى المنزل، ولا لماذا اختار هذا التوقيت تحديدًا.

لكن شيئًا واحدًا أصبح واضحًا أمامي…

السر الذي أخفاه أحمد عني لم يكن قد انتهى بعد، وربما كانت هذه الليلة هي بداية الحقيقة كاملة.

#حكايات_شروق_خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى