عام

رفضها الجميع بعدما أصبح مقعدًا ج1 حكايات شروق خالد

قالتها بهدوء وهي واقفة عند بوابة بيت كبير في القاهرة:

“لو سمحت… متسألنيش ليه محتاجة الشغلانة دي.”

مريم عبد الرحمن كانت عندها سبعة وعشرين سنة. عينيها كانت في الأرض وهي بتتكلم. في قاع شنطتها كانت مخبية شهادة مساعدة تمريض، شهادة ماقدرتش تستفيد منها، وأختها الصغيرة كانت بتدرس تمريض، ومريم ماكانتش قادرة تسمح لنفسها إنها تشوف أختها تفشل بسبب الفلوس.

الحاجة زينب، مديرة البيت، قالت لها القواعد كلها مرة واحدة، كأنها بتسلمها مفتاح وبتقول لها في نفس الوقت الأبواب اللي المفتاح ده ممنوع يفتحها.

الدور الأول والتاني بس.

المغسلة.

ممنوع تطلع الدور التالت.

ممنوع تلمس أي حاجة فوق مكتب الأستاذ ياسين.

ولو رجالة جم البيت بعد نص الليل…

متسمعيش أي حاجة خالص.

والأهم من كل ده…

“ممنوع…”

الحاجة زينب ماكملتش الجملة.

لفّت ومشيت ناحية البيت، ومريم مشت وراها، ومن ساعتها الاتنين ماجابوش سيرة الموضوع تاني.

ياسين الشناوي كان عنده تمانية وتلاتين سنة، وكان من أقوى رجال القاهرة وأكثرهم غموضًا. ماسك شغل العيلة كلها بإيده، وبيحرك كل حاجة بكلمتين بس.

عمره ما احتاج يزعق.

ولا عمره احتاج يكرر كلامه مرتين.

لكن بعد ست أسابيع…

عربيته خرجت عن الطريق في ليلة مطر، وحصلت حادثة غيرت حياته.

والراجل اللي كان الكل بيحسب له حساب…

فقد الإحساس برجليه.

واللي حصل بعدها…

غيّر حياته وحياة مريم للأبد.

الدكاترة خلصوا تقاريرهم ومشيو.

الناس اللي كانوا طول عمرهم حواليه اختفوا.

وأكتر واحدة كان المفروض تفضل جنبه…

مراته.

لكنها سحبت شنطتها ناحية باب البيت، من غير حتى ما تبص وراها.

شنطة سودا بعجل، وصوتها كان واضح وهي بتتحرك على الأرض الرخام.

ولما الباب اتقفل…

مافضلش في الأوضة غير شخص واحد.

أحدث خدامة في البيت.

مريم.

نزلت على ركبتها قدام كرسي ياسين المتحرك، ومسكت فوطة دافية وبدأت تغسل رجليه.

المية في الحوض كانت لسه سخنة وبتطلع بخار.

عصرت الفوطة، وحطتها فوق رجله مرة تانية.

وإيديها…

ماكانتش بتترعش.

ياسين بص لتحت.

بس ماكانش بيبص على رجليه.

كان بيبص على إيديها.

صوابعها القصيرة.

ضوافرها المقصوصة.

والخشونة اللي عند قاعدة إبهامها، خشونة حد قضى سنين وهو بيغسل وينضف بإيده.

مريم ما بصتش له.

قال بصوت هادي:

“إنتِ مش مضطرة تعملي كده.”

ردت من غير ما ترفع عينها:

“أنا عارفة.”

سألها:

“طب ليه لسه بتعملي كده؟”

عصرت الفوطة.

نقط المية وقعت في الحوض.

نقطة…

وبعدين نقطة…

وبعدين سكون.

قالت:

“علشان ناس كتير أوي مشيت من الباب ده النهارده.”

ياسين ما ردش.

فضل ساكت، وهو قاعد في الكرسي اللي عمره ما كان يتخيل إنه هيحتاجه.

وفجأة…

اتسمعت خطوات في الممر.

الحاجة زينب وقفت عند الباب، وفي إيدها فوطة ناشفة.

ما دخلتش.

حطت الفوطة على الترابيزة الصغيرة جنب الباب، وبعدين لفت ومشيت.

مريم قامت، خدت الفوطة، ونزلت على ركبتها تاني.

وبدأت تنشف رجليه من عند الكاحل لفوق.

هو لسه ماكانش حاسس بأي حاجة.

لكن عينه فضلت عليها.

كانت بتعامله بنفس الاهتمام…

كأنه لسه قادر يحس بكل لمسة.

وده اللي خلاه يبصلها لأول مرة بجد.

فضل ساكت شوية.

وبعدين قال:

“اسمك إيه؟”

رفعت مريم عينيها له لأول مرة.

كانت نظراته ثابتة عليها، تقيلة، ومش سهلة تتفهم.

قالت بهدوء:

“مريم.”

كرر اسمها كأنه بيجربه على لسانه:

“مريم إيه؟”

“مريم عبد الرحمن.”

سكت شوية، وبعدين قال:

“متجوزة؟”

مريم اتفاجئت من السؤال.

“لأ.”

“عندك أولاد؟”

هزت راسها:

“لأ.”

“وأختك اللي بتدرسيها تمريض؟”

إيديها وقفت مكانها.

بصت له باستغراب.

“إنت عرفت منين؟”

ابتسم ابتسامة صغيرة من غير ما يكون فيها أي فرحة.

“أنا بعرف كل حاجة بتحصل في بيتي.”

مريم بلعت ريقها.

“أنا مش جاية أعمل مشاكل.”

“أنا ماقولتش إنك جاية تعملي مشاكل.”

“طب إنت بتسأل ليه؟”

ميل راسه شوية وقال:

“علشان أعرف مين الشخص اللي فضّل واقف جنبي لما كل الناس اختفت.”

مريم سكتت.

ماعرفتش ترد.

لأول مرة من يوم ما دخلت البيت ده، حست إن الراجل اللي قدامها مش مجرد اسم الناس بتخاف منه.

كان فيه حاجة مكسورة جواه.

حاجة هو نفسه مش عايز حد يشوفها.

وقبل ما تقول أي كلمة، الباب اتفتح بعنف.

دخل واحد من رجالة ياسين بسرعة.

“يا باشا…”

ياسين رفع إيده.

الراجل سكت فورًا.

“اتكلم.”

قال بصوت واطي:

“في ناس عند البوابة.”

“مين؟”

“رجالة من عيلة الدمنهوري.”

نظرة ياسين اتغيرت في لحظة.

مريم لاحظت ده.

من ثواني كان قاعد هادي…

دلوقتي ملامحه بقت جامدة كالحجر.

قال:

“كام واحد؟”

“حوالي سبعة.”

“أسلحة؟”

“أيوه.”

مريم قامت بسرعة.

لكن ياسين قال من غير ما يبصلها:

“إنتِ تفضلي مكانك.”

“بس…”

“قولت مكانك.”

صوته ماكانش عالي.

لكنها سمعت فيه حاجة خلتها تسكت فورًا.

رجله ماكانتشي بتتحرك.

جسمه كله عاجز عن القيام.

ومع ذلك…

مجرد صوته كان كفاية يخلي الراجل اللي قدامه يرتبك.

قال ياسين:

“اقفلوا البوابة.”

الراجل هز راسه وخرج.

مريم بصت له.

“هما جايين يعملوا إيه؟”

“مش شغلك.”

“بس لو في خطر…”

لف وشه ناحيتها.

“الخطر هنا مش جديد.”

سكتت.

بعد ثواني…

صوت خبط شديد هز البيت كله.

مريم اتخضت.

وبعدين صوت رجالة من بره:

“يا ياسين الشناوي!”

“افتح الباب!”

ياسين ما اتحركش.

مريم بصت له بخوف.

“مش هتعمل حاجة؟”

ضحك ضحكة قصيرة.

“وأعمل إيه؟ أجري أفتح لهم؟”

مريم بصت لرجليه.

وفهمت إنه بيتريق على نفسه.

لكنها ماقدرتش تضحك.

قالت:

“أنا قصدي…”

“عارف قصدك.”

صوت تكسير جه من بعيد.

مريم اتفزعت.

“الباب!”

ياسين قال:

“مريم.”

“نعم؟”

“تعالي هنا.”

قربت منه.

“ورا الكرسي.”

بصت له باستغراب.

“ليه؟”

“علشان لو حصلت فوضى، الحيطة دي تحميكي.”

“وإنت؟”

سألته من غير ما تفكر.

ياسين سكت.

بص لها كام ثانية.

وبعدين قال:

“أنا مش مهم.”

مريم قربت منه أكتر.

“لأ.”

قطب حواجبه.

“إيه؟”

قالت بصوت ثابت رغم خوفها:

“إنت مهم.”

الكلمة وقعت عليه كأنها حاجة ماكانش متعود يسمعها.

في اللحظة دي بالذات…

اتفتح باب الصالة بعنف.

واحد من رجالة ياسين دخل وهو مصاب في كتفه.

“يا باشا… دخلوا.”

وراه مباشرة…

ظهر تلات رجالة مسلحين.

مريم رجعت لورا.

أما ياسين…

فضل قاعد مكانه.

ولا حتى رمش.

واحد من الرجالة وجه سلاحه ناحيته.

وقال بابتسامة باردة:

“خلصت يا ياسين.”

لكن قبل ما يعمل أي حركة…

مريم اندفعت قدام ياسين.

صرخت:

“استنى!”

الراجل اتفاجئ.

حتى ياسين نفسه بص لها بصدمة.

وقفت مريم بينهم، جسمها بيرتعش، لكن رجليها ثابتة.

قالت:

“إنتوا لو أذيتوه… مش هتطلعوا من هنا.”

الراجل ضحك.

“وإنتِ مين بقى؟”

مريم بصت له بثبات وقالت:

“أنا؟”

وسكتت لحظة.

“أنا الوحيدة اللي فضلت معاه.”

ياسين فضل باصص لها.

ولأول مرة من يوم الحادثة…

حس إن في حد واقف قدامه مش لأنه خايف منه.

لكن لأنه اختار يفضل جنبه.

وفجأة…

صوت ضربة قوية دوّى في البيت.

مريم صرخت.

لكنها ما اتأذتش.

الضربة جات في الحيطة جنب راسها.

وفي اللحظة دي…

ياسين عرف إن اللي حصل مش مجرد هجوم.

حد كان عايز يخوف مريم تحديدًا.

والسؤال الوحيد اللي جه في دماغه كان:

“مين عرف إنها أهم شخص في البيت دلوقتي؟”


مريم فضلت واقفة مكانها، ودانها كانت بتزن من الصوت.

بصت على الحيطة جنب راسها، ولقت جزء من المحارة وقع على الأرض.

إيديها بدأت تترعش.

لكنها ما اتحركتش.

واحد من الرجالة ابتسم وهو بيرفع السلاح تاني.

“المرة الجاية مش هتبقى في الحيطة.”

وفجأة، ياسين قال بهدوء مخيف:

“نزّل السلاح.”

الراجل ضحك.

“إنت فاكر نفسك لسه ياسين الشناوي القديم؟”

ياسين رفع عينه له.

“لأ.”

سكت لحظة.

“أنا ياسين الشناوي اللي إنت داخل بيته دلوقتي.”

الراجل اتوتر رغم إنه حاول يخبي ده.

قال:

“لو كنت جاي تخلص عليا، كنت عملت كده من أول ما دخلت.”

الراجل ما ردش.

ياسين كمل:

“إنت جاي تدور على حاجة.”

واحد تاني من الرجالة قال:

“إحنا مش جايين نتكلم.”

“يبقى اتفضل.”

“إيه؟”

ياسين ابتسم ابتسامة باردة.

“دوروا.”

الراجل اتفاجئ.

“إيه؟”

“دوروا على اللي جايين عشانه.”

بص الرجالة لبعض.

مريم ما فهمتش حاجة.

لكنها لاحظت إن واحد منهم أول ما سمع كلمة “دوروا”، بص بسرعة ناحية المكتب.

مريم شافت نظرته.

وبعدين بصت للمكتب.

مكتب ياسين.

المكان اللي الحاجة زينب حذرتها إنها ما تقربش منه.

الراجل اتحرك ناحيته.

مريم قالت فجأة:

“استنى!”

الراجل وقف.

ياسين بص لها.

“مريم…”

قالت:

“هو مش بيدور على حاجة في المكتب.”

الراجل ضحك.

“وإنتِ عرفتي منين؟”

مريم أشارت ناحية عينه.

“علشان من أول ما دخل، عينه ما نزلتش من الدرج اللي على اليمين.”

الصمت نزل على المكان.

ياسين بص للراجل.

وبعدين بص لمريم.

الراجل اتحرك بسرعة ناحية المكتب.

لكن واحد من رجال ياسين منعه، والسلاح وقع على الأرض.

في ثواني…

المكان كله اتقلب.

خبط.

صراخ.

أصوات رجالة بتتحرك بسرعة.

ومريم رجعت لورا وهي حاطة إيديها على ودانها.

وفجأة…

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى