
عدت السنين، والفيلا اللي كانت زمان شبه الفندق الفاضي البارد، بقت بيت بجد، دافي ومليان بركة.
حسين بيه اتغير من الساس للرأس. القسوة والشك اللي كانوا عميين قلبه دابوا خالص، وبقى يعتبر زينب مش مجرد مسؤولة عن بيته، دي بقت إيده اليمين وسنده وأمينة أسراره.
بنات زينب الكبار، “منة” و”نور”، كبروا وبقوا في الجامعة. حسين أوفى ببوعده وفتح لهم حسابات للتعليم، وكان بيتابع دراستهم زي الأب، لأن نيتهم الصافية وأدبهم كانوا امتداد لأمهم الأصيلة.
وفي يوم، حسين كان قاعد في الجاردن بيراجع أوراق صفقة جديدة، وحكمة مديرة البيت القديمة جت وقفت جنبه.
“حسين بيه… فيه ضيف بره مصمم يقابلك، بس شكل الموضوع مش شغل.”
حسين رفع عينيه: “مين؟”
دخل راجل في أواخر الأربعينيات، هدومه حيلتها على قدها، ووشه باين عليه الشقا والتعب.
زينب كانت نازلة بالصينية فيها القهوة، وأول ما شافت وش الراجل، الصينية اترعشت في إيدها والنعنع وقع منها على الأرض!
“عبد الستار?!” زينب صرخت بصوت مخنوق وخايف.
الراجل قرب خطوتين وطأطأ رأسه في الأرض: “سامحيني يا زينب… أنا عارف إن ماليش عين أقف قدامك بعد كل السنين دي.”
حسين قام وقف بسرعة ونظرته تحولت للشرار: “مين ده يا زينب؟ ويدخل هنا إزاي؟”
زينب دموعها نزلت وقالت بصوت يقطع القلب: “ده… ده أخو جوزي الله يرحمه يا حسين بيه. الراجل اللي طردني أنا وبناتي اليتامى من بيت أبوهما بعد وفاة جوزي بأسبوع، وأخد شقتنا ورمانا في الشارع من غير قرش ولا غطاء!”
حسين خطى خطوة واسعة ناحية الراجل، وعضلات وشه اتشدت: “أنت ليك عين تجيلها هنا لحد بيتي؟! حمدي! يا حراسة!”
“استنى يا حسين بيه أرجوك!” عبد الستار صرخ وهو بيركع على ركبه في الأرض وبيرفع إيديه بتترعش: “أنا جاي في حق ربنا… أنا انخرب بيتي، وركبتني الديون، وابني الصغير عنده مرض خبيث ومحتاج عملية بالوفات ومحيلتيش جني! أنا لما عرفت إنك شغال هنا وعايشة في خير، قلت أجيلك ترحميني وترحمي ابن أخوكي… ربنا بيخلص مني ذنبك يا زينب!”
الحديقة كلها سكتت.
حسين بص لـ زينب، وكان مستني منها تطلب منه يرميه بره، أو ينتقم منه على القسوة والظلم اللي عشته بسببه.
زينب وقفت تثبت في مكانها، بصت للراجل وهو راكع ومكسور، وبصت للفيلا والنعمة اللي هي فيها. الدموع كانت على خدها بس نبرة صوتها كانت أهدى من الهوا:
“يقوم يا عبد الستار… قوم من على الأرض. المسلم ميركعش غير لله.”
عبد الستار رفع رأسه بذهول.
زينب بصت لـ حسين وقالت بنبرة دافية مليانة رضا: “حسين بيه… أنا هطلب منك طلب، واعتبره من حساب مرتي أو أمانتي عندك.”
حسين قال بدهشة: “عايزة تعملي إيه يا زينب؟ ده ظلمك ورمى بناتك في الشارع!”
زينب ابتسمت ابتسامة صافية وقالت: “الظلم بيرجع لصاحبه يا حسين بيه، وبس إحنا ما بنردش السيئة بالسيئة. الولد الصغير مالوش ذنب في قسوة أبوه… أرجوك يا حسين بيه، تتكفل بمصاريف عملية ابن أخو جوزي، والفلوس دي خصمها من مرتباتي اللي جاية كلها.”
حسين العريان اتسمر مكانه. الراجل اللي لف العالم وعامل ملايين، وقضى عمره بين الغدر والمصالح، حاس إن الست دي من طينة ثانية خالص، طينة أندر من الذهب.
حسين قرب من عبد الستار، مسكه من دراعه وقومه، وقال وهو بيبص لـ زينب بكل إجلال واحترام:
“العملية هتتعمل في أكبر مستشفى في مصر وعلى حسابي الخاص يا عبد الستار… مش عشانك، عشان أنت ما تستاهلش… لكن عشان العيلة دي فيها ست أصيلة كتمت الغيظ وعفت وهي قادرة، والبيت ده دخلته البركة من يوم ما زينب عتبت بابه.”
عبد الستار قعد يبكي بحرقة وباس على إيد زينب، وهو مش مصدق إن الست اللي طردها زمان هي اللي بتنقذ حياة ابنه النهارده.
حسين بص لـ زينب وقال لها وهو بيبتسم: “أنا كنت فاكر إنك بتوفريلي في الفلوس بس يا زينب… أثرك بتعلمينا إزاي نشتري آخرتنا.”
#حكايات_شروق_خالدمرت الأيام والشهور، وابن عبد الستار خف ورجع لصحته، وعبد الستار نفسه اتغير خالص وبقى يدعي لـ زينب في كل صلاة، وتبدلت قسوة زمان لندم واحترام شديد.
البركة بقت ماليّة الفيلا من كل ناحية. بنات زينب اتخرجوا من الجامعة بتفوق، “منة” بقت مهندسة قد الدنيا، و”نور” اتخرجت من تجارة وإنجليزي.
وفي يوم من أيام الجمعة، حسين جمع زينب وبناتها وحكمة مديرة البيت في الصالة الكبيرة. كان لابس جلباب أبيض وشكله متهلل ومرتاح.
طلع من جيبه ظرفين كبار وحطهم على الترابيزة قدام زينب.
زينب بصت للظرفين بتوجس وسألت: ” إيه ده يا حسين بيه؟ خير يا رب؟”
حسين ابتسم وقال بصفاء: “الظرف الأولاني ده فيه عقود شقة باسمك وباسم بناتك في أرقى مكان في الشيخ زايد، عشان يبقى ليكم بيت ملككم وأمان ليكم للزمن.”
زينب اتخضت وقامت وقفت: “لا يا حسين بيه! كتير والله العظيم كتير! أنا باخد أجري وزيادة وربنا شاهد إنك ما قصرتش معانا في حاجة!”
حسين رفع إيده وقالها بثبات: “استني بس أما أقولك على الظرف الثاني…”
فتح الظرف الثاني وطلع منه تذاكر وطيران وجوازات سفر متختمة: “والظرف الثاني ده… تذاكر حجة ليكِ وللبنات ولأبلة حكمة، وليا أنا كمان معكوا. أنا نويت أحج السنة دي، ومش هلاقي أحسن ولا أطهر من الصحبة دي أطلع معاها لبيت ربنا.”
زينب حطت إيدها على بقها، والدموع نزلت من عينيها زي المطر. كانت بتعيط بفرحة وذهول، والبنات حضنوها وهم بيعيطوا معاها.
حسين بص لها وقال بنبرة مليانة امتنان صادق: “أنتِ دخلتي بيتي من سنين ومعاكي فيزا سودا مفتوحة عشان أختبر أمانتك… ماكنتش اعرف إن ربنا بيبعتلك الأمانة دي عشان تفتحلي بيها باب هداية وبركة وراحة بال مكنتش ألمسهم بـ ملايين الدنيا. الفضل بعد ربنا يرجع لأصلك الطيب يا زينب.”
زينب رفعت راسها للسما، وإيديها بتترعش من الخشوع، وقالت بصوت طالع من أعماق قلبها:
“الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات… اللي يتقي ربنا يا حسين بيه، ربنا بيجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب. وأنا رزقي الكبير كان إن ربنا دبرلي أشتغل عند راجل أبن أصول زيك.”
وطارت الصحبة الطيبة لبيت الله الحرام، وهناك قدام الكعبة، كانت زينب واقفة بتدعي للكل، والقلب اللي صان الأمانة في القرش، ربنا كافأه بأعظم نعمة في الدنيا… نعمة الرضا والستر وحسن الخاتمة.
الفيزا السوداء
حكايات شروق خالد




