خادمة المافيا التي أعادت لأخته صوتها وكشفت سر القصر#حكايات_شروق_خالد

الساعة 2:40 بعد نص الليل، دخل آسر الجبالي قصره في القاهرة قبل موعد رجوعه بيومين، وسمع صوتًا خلاه يقف مكانه تحت القوس.
أخته اللي عندها تسعتاشر سنة كانت بتضحك.
بقالها أربعة عشر شهر تقريبًا، ملك بالكاد اتكلمت.
تسعة أطباء متخصصين. ممرضين خاصين. برامج تأهيل. وكل تقرير كان على مكتب آسر بيقول نفس الكلام: حركة محدودة، مفيش كلام مفهوم، واعتمادها على غيرها بيزيد.
لكن ها هي دلوقتي قاعدة على سجادة مدخل القصر، بتحاول توازن مكعبات خشب جنب خادمة آسر نفسه ماكانش حتى فاكر شكلها.
البرج وقع.
ملك ضحكت تاني.
والست بهدوء ناولتها مكعب تاني.
وقالت:
“مفيش استعجال.”
آسر بص ناحية السلم.
كانت نوال، الست اللي أدارت بيته لمدة عشرين سنة، واقفة متجمدة على السلم، وإيدها على بوقها.
آسر افتكر إنها متأثرة.
مكانش عنده أي فكرة عن معنى التعبير اللي على وشها.
الساعة خمسة الفجر، كانت نوال اختفت.
مفاتيحها كانت على ترابيزة مكتبة آسر، جنب ورقة متنية.
ست كلمات كانوا مكتوبين على الورقة، والضغط الشديد بالقلم كان سايب أثر واضح فيها:
“ماتمشيش. أنا لسه هنا.”
الساعة سبعة الصبح، آسر استدعى رئيس الأمن.
قال له:
“مين كان شغال امبارح بالليل؟”
رد رئيس الأمن:
“مريم حسن. خادمة ليلية.”
“بقالها قد إيه شغالة هنا؟”
“تقريبًا سنة.”
آسر بص له.
سنة تقريبًا تحت سقف بيته…
وهو مش فاكر حتى شكلها.
وبعدين ظهرت المعلومة اللي غيّرت كل حاجة.
مريم ما استقالتش.
نوال هي اللي فصلتها الساعة 4:15 الفجر.
ومريم مشيت من غير ما تاخد مرتبها الأخير.
آسر أصدر أمره فورًا:
“هاتوا نسخة من تسجيلات كاميرات المراقبة لآخر أسبوعين.”
رئيس الأمن اتردد.
“نوال تعرف؟”
آسر بص ناحية الباب.
“لأ.”
ولأول مرة، سأل نفسه إيه اللي كان بيحصل جوه بيته طول الفترة اللي هو ماكانش موجود فيها.بعد أقل من عشر دقايق، كانت شاشة كبيرة في مكتب آسر منورة بتسجيلات كاميرات القصر.
آسر قعد قدام الشاشة، وإيده متشابكة قدامه، وعينه ثابتة على التسجيل.
“رجّع التسجيل من أول يوم مريم بدأت فيه الشغل.”
رئيس الأمن نفذ الأمر.
الساعات عدّت بسرعة على الشاشة.
مريم وهي داخلة المطبخ.
مريم وهي بتلمع الصالة.
مريم وهي بتطلع السلم آخر الليل.
كل حاجة كانت عادية…
لحد ما وصلوا لتسجيل الساعة 1:17 بعد منتصف الليل.
آسر فجأة رفع إيده.
“استنى.”
الفيديو اتوقف.
كانت مريم واقفة قدام باب أوضة ملك.
لكنها ما دخلتش.
بصت يمين وشمال، وبعدها فتحت الباب بهدوء.
آسر ضيق عينيه.
“هي كانت بتعمل إيه عند ملك في الوقت ده؟”
رئيس الأمن قال:
“ممكن كانت بتطمن عليها.”
آسر ما ردش.
قال:
“شغل الصوت.”
اشتغل التسجيل.
في البداية مفيش حاجة غير صوت خطوات خفيفة.
وبعدين ظهر صوت مريم:
“يلا يا ملك… جربي تاني.”
آسر اعتدل في كرسيه.
ملك ظهرت في الفيديو وهي قاعدة على السرير.
ومريم حطت قدامها مجموعة مكعبات خشب.
“حطي المكعب الأحمر فوق الأزرق.”
ملك حاولت.
إيدها ارتعشت.
المكعب وقع.
مريم ابتسمت.
“عادي… نجرب تاني.”
ملك حاولت مرة تانية.
المرة دي نجحت.
مريم صفقت بهدوء.
“برافو يا ملك.”
آسر فضل ساكت.
لكن التسجيل اللي بعده كان أغرب.
مريم كانت قاعدة جنب ملك وبتتكلم معاها عن حاجات بسيطة.
الألوان.
الأرقام.
أسماء الحيوانات.
وفي كل مرة ملك تحاول تتكلم، مريم كانت بتسكت وتديها وقتها.
آسر بص لرئيس الأمن.
“كل ليلة كانت بتعمل كده؟”
“واضح كده.”
آسر طلب يكملوا.
في تسجيل بعده بيومين، حصل شيء خلاه يقف من مكانه.
ملك كانت بتحاول تقول كلمة.
صوت ضعيف جدًا خرج منها.
“ماما…”
آسر تجمد.
أخته ما قالتش الكلمة دي من أكتر من سنة.
مريم قربت منها بسرعة، لكن من غير خوف.
“قوليها تاني.”
ملك حاولت.
“ماما…”
مريم ابتسمت، لكن فجأة بصت ناحية الكاميرا.
ولأول مرة، آسر لاحظ إنها كانت عارفة بوجود الكاميرات.
مريم قربت من ملك وقالت بصوت منخفض:
“ماتخافيش… أنا هفضل جنبك.”
التسجيل انتهى.
آسر فضل واقف مكانه.
ثم قال:
“هاتلي كل التسجيلات اللي فيها مريم ونوال مع بعض.”
رئيس الأمن بدأ يبحث.
بعد دقائق ظهر تسجيل من المطبخ.
كانت نوال واقفة قدام مريم.
ملامحها كانت غاضبة.
“أنا قلتلك قبل كده… ما تدخليش أوضة ملك.”
مريم ردت بهدوء:
“أنا مش بأذيها.”
نوال قربت منها.
“إنتِ مش فاهمة إنتِ بتلعبي مع مين.”
مريم سكتت.
نوال قالت:
“لو آسر عرف إنك بتدخلي عندها كل ليلة، هتترمي بره البيت.”
مريم بصت لها بثبات.
“ولو عرف إن ملك بتقدر تتكلم معايا؟”
وش نوال اتغير.
آسر قرب من الشاشة.
رئيس الأمن همس:
“حضرتك سمعت؟”
آسر ما ردش.
لأن التسجيل كان لسه شغال.
نوال قالت بصوت مرتعش:
“إنتِ ما شفتيش حاجة.”
مريم ردت:
“أنا شفت كتير.”
وفجأة…
نوال بصت ناحية الكاميرا.
وقالت:
“ولو فتحتِ بوقك… مش هتخرجي من البيت ده على رجلك.”
التسجيل انتهى.
سادت الغرفة لحظة صمت ثقيلة.
آسر قبض إيده.
ثم قال جملة واحدة:
“هاتوا مريم.”
رئيس الأمن بلع ريقه.
“هي اختفت يا آسر بيه.”
آسر لف له ببطء.
“أنا عارف.”
وبص للشاشة.


