
السنين مرت، وحياة مريم اتغيرت تماماً.
القصر اللي كان بالنسبة لها مكان يرعب من أسبوعين، بقى بيتها الجديد، والمخبز القديم المكسور اترمم وبقى أكبر وأشهر حلواني في المحافظة كلها، باسمها وفي قلب العاصمة.
كريم أخوها خد الفلوس وسافر لشبونة، ومن يوم ما حط رجله في المطار، ما اتصلش بيها ولا مرة يطمن عليها أو يسأل هي عاشت إزاي بعد اللي حصل.
وفي كل مرة كانت مريم تبص للتليفون وما تلاقوش يرن، كانت بتفتكر سؤال جلال اللي سألهولها في المطبخ: “تفتكري أخوكي كان ممكن يعمل نفس التضحية دي عشانك؟” وكانت بتتأكد إن جلال كان صح في كل كلمة.
أما فاروق الباشا وشبكته، فكانوا انتهوا تماماً بعد الليلة دي. جلال استغل كل الورق والدلائل اللي جمعها عنهم، وقدمها للسلطات، وحسم الصراع اللي بقاله سنين لصالح الهدوء والأمان في المنطقة.
في يوم، بعد سنة من الليلة إياها..
مريم كانت واقفة في المطبخ الكبير بتاع القصر، ريحة القرفة واللوز ملية المكان، وكانت بتعمل نفس التورتة، بس المرة دي بضحكة وراحة بال.
جلال دخل المطبخ، حط إيده على كتفها بهدوء وبص للتورتة وابتسم:
“أظن المرة دي الكريمة سليمة وما فيهاش أسرار؟”
مريم ضحكت وقالت له: “السر الوحيد اللي فيها.. إنه محدش هيقدر يذوقها غيرك.”
جلال أخد معلقة صغيرة وذاق الكريمة، وبعدين بص لها بجدية ودفء:
“مريم.. إنتي يوم عيد ميلادي اللي فات أنقذتي حياتي، مش بس من السم، لكن من شكّي في إن في ناس في الدنيا دي لسه عندهم ضمير وشجاعة. إنتي أديتيني أمان كنت فاقده من سنين.”
طلع علبة مخملية صغيرة من جيبه، فتحها، وكان فيها خاتم بسيط وجميل جداً:
“يا ترى التورتة بتاعة السنادي.. ينفع تتقدم ومعاها خطوبة رسمية؟”
دمعة راحة ونقاء نزلت من عين مريم، وهزت رأسها بابتسامة وقالت: “ينفع جداً يا جلال.”
واكتشفت مريم إن الـ 24 ساعة المرعبة اللي مرت بيها، ما كانتش نهاية قصتها زي ما كانت فاكرة، دي كانت مجرد النار اللي اتخبزت فيها حياتها الجديدة.. عشان تطلع في الآخر أحلى وأقوى وأجمل مما كانت تتخيل.
#حكايات_شروق_خالدوبعد أسبوعين بس من اليوم ده، القصر كله اتزين بالنور والورد الأبيض.
الحفلة المرة دي ما كانتش زي أي حفلة مافيا ولا كان فيها سلاح مستخبى ولا رجالة بيبصوا لبعض بشك. كانت حفلة بجد، مليانة فرحة ونقاوة وراحة بال، وجلال عزم فيها كل الناس البسطاء بتوع المنطقة والمخبز القديم قبل كبار رجال الأعمال.
مريم كانت واقفة بفستانها الأبيض البسيط، طالعة زي الملكة، وجنبها جلال ماسك إيدها بحب واحتواء عمرها ما حسيت بيه في حياتها.
وفي وسط الحفلة، الممرضين والخدم طلعوا العربية الدهب وعليها نفس التورتة.. تورتة اللوز بكريمة الأماريتو.
جلال مسك السكينة مع مريم، وبص لها في عينها وقالها بصوت واطي سمعته هي بس:
“تعرفي يا مريم؟ أنا من يوم ما شفتك في المخبز القديم وإنتي بتعافري عشان لقمة عيش حلال، وأنا عارف إنك مختلفة.. بس الليلة دي أثبتيلي إن الطيبين مهما الدنيا داست عليهم، معدنهم الأصلي عمره ما ببيتغير.”
مريم قطعت أول قطعة من التورتة، وداقوا منها هما الاتنين وسط زغاريد وصقفة هزت المكان كله.
ومن يومها.. المخبز الجديد بتاع مريم بقى بيكبر يوم عن يوم، وبقى يطعم الغلابة والمحتاجين كل يوم جمعة لله، ومريم بقيت هي السند الحقيقي لجلال، مش بس زوجة، دي كانت العقل والقلب اللي بيرجعله في كل خطوة كبيرة وصغيرة.
وعرفت مريم إن ربنا لما بياخد من الإنسان حاجة بيحبها أو يسحب منه سند زائف زي أخوها كريم، ما بيبقاش بيكسره.. ده بيبقى بيسلك له الطريق عشان يعوضه بسند حقيقي يصونه ويقدر قيمته طول العمر.
#حكايات_شروق_خالدومرت السنين.. وجت ليلة عيد ميلاد جلال الـ 40.
القصر كان هادي، ما فيش زي زمان زحمة حراس ولا سياسة ولا توتر. جلال كان ساب كل الأعمال المشبوهة وحول كل استثماراته لشغل حلال ونظيف، والكل كان بيحترمه ويبص له كراجل أعمال بنى نفسه وصان بيته.
في الجنينة بره، كان في صوت ضحك طالع من بعيد.. صوت بنت صغيرة عندها سنتين، طالعة لـ مريم في ملامحها وطيبتها، ومسمينها “نور”.
جلال كان قاعد في البلكونة، حاطط نور على رجله وبيعلّمها تكتك الأرقام بلعبة بسيطة، ومريم خرجت عليهم وهي شايلة الصينية وفيها نفس التورتة.
جلال بص لمريم وابتسم ابتسامة مليانة دفء:
“تعرفي يا مريم؟ كل ما أفتكر الليلة اللي دخلت فيها المطبخ وضربتي الصينية من إيدي.. بحس إن ربنا بعتك ليا نجدة، مش بس عشان تنقذي حياتي من السم، لكن عشان تنقذي روحي من العالم الضلمة اللي كنت عايش فيه.”
مريم حطت التورتة على الترابيزة، وقعدت جنبهم، ومسكت إيد جلال:
“وأنا كل ما أفتكر إني كنت خايفة وبترعش، بكتشف إن ربنا حطك في طريقي عشان يعلمني إن الأمان مش في الناس اللي من دمنا.. الأمان في القلوب اللي بتتقي ربنا فينا.”
وفي اللحظة دي، التليفون رن.. كان رقم دولي من البرتغال.
مريم بصت للرقم، وعرفت إنه كريم أخوها. بقالها 4 سنين ما سمعتش صوته.
جلال بص لها بهدوء وما اتكلمش، ساب لها القرار الكامل.
مريم مسكت التليفون، وبصت لجلال ولابنتها “نور”، وبعدين حطت التليفون على جنب من غير ما ترد.. وبصت لجلال وقالت بابتسامة صفية:
“اللي بيسيبك في الوجع يا جلال.. ملوش مكان في الفرح. إحنا خلاص قفلنا الصفحات القديمة، وبنينا بيتنا على العوض والخير.”
جلال قطّع قطعة من التورتة وإداها لنور الصغيرة، وضحكتهم ملأت المكان.. وكانت دي النهاية الحقيقية للحكاية: إن الطيبين في الآخر بيلاقوا بعض، واللي يتقي ربنا.. ربنا بيجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب.
تورتة الموت
حكايات شروق خالد




