
قال لإبراهيم قبل ما يموت: “يا بني، لما يجي يومي، ادفني في التربة اللي على حرف الغيط، وخلي القبر بتاعي باصص ناحية شجرة التوت اللي نايمة تحتها زينب.. وخد عكازي اللي كنت بتسند عليه وأنا رايحلها كل فجرية، ادفنه جنبها.. خلي ريحتي تفضل معاها لحد ما نتقابل.”
إبراهيم عمل زي ما أبوه وصاه بالحرف. يوم الدفنة، بعد ما الناس مشيت والترب اتقفلت، إبراهيم خد العكاز بتاع أبوه وراح بيه لحد شجرة التوت. قعد في الأرض وطبطب على التراب كأنه بيطبطب على زينب، ودفن العكاز جنب جذع الشجرة، ودموعه نازلة على خده وهو بيتمتم: “أبويا جالك يا زينب.. ما بقيتيش لوحدك.”
السنين لفت ومرت، والمزرعة فضل إبراهيم محافظ عليها عشانه وعشان ريحة أبوه.
كبر إبراهيم وبقى ياخد حفيده الصغير من إيده كل يوم جمعة، يمشوا في نفس الممرات القديمة، لحد ما يوصلوا لشجرة التوت اللي كبرت وفروعها ضللت على المكان كله، وبقت تطرح توت مسكر كل أهل البلد بياكلوا منه ويدعوا لصاحب الأرض.
وفي يوم الواد الصغير سأله: “يا جدي، إنت ليه بتحب تقعد تحت الشجرة دي بالذات كتير؟”
ابتسم إبراهيم وهو بيبص للشجرة، وخد نفس طويل مليان ذكريات وقال له: “هنا يا بني مدفون أجدع قلبين عرفتهم في حياتي.. قلب راجل ما عرفش يخون العشرة، وقلب فرسة كانت أوفى من بني آدمين كتير. هنا مدفونة حكاية جدك الكبير عبد الرحمن وزينب.. حكاية بتقول إن الحب والوفاء مش بس كلام بنقوله، دي روح بتفضل عايشة حتى بعد ما التراب يغطينا.”
الناس في البلد لحد النهاردة لما بيعدوا من جنب المزرعة وقت العصرية ويلمحوا شجرة التوت، بيقروا الفاتحة للحاج عبد الرحمن، ويحكوا لعيالهم عن الراجل اللي حب فرسته لدرجة إنه مرضيش يفارقها حتى في الموت.
عشان الأصل الطيب ما بيموتش، والجدعنة بتفضل سيرتها عايشة تلف الدنيا وتعلم الناس إن الروح بتحس بالروح، وإن اللي بيزرع محبة، بتفضل تطرح وتضلل عليه دنيا وآخرة.
#حكايات_شروق_خالد
ورغم إن الأيام فاتت والنسل كبر، إلا إن سر الغيط وشجرة التوت فضل يحيى في القلوب ويكبر مع كل جيل.
ابن إبراهيم، اللي بقى شاب دلوقتي، كبر وهو بيسمع الحكاية دي من صغره.. ما كانتش بالنسبة له مجرد قصة حدوتة قبل النوم، لا.. دي كانت مبدأ ومدرسة اتعلم منها إزاي يصون النعمة، وإزاي الروح اللي ربنا خلقها — مهما كانت بسيطة — لها حق الحنية والرحمة.
في موسم الحصاد من كل سنة، لما الأرض تصفر والخير يهل، كان بيت جمع العيلة كله يتلم تحت شجرة التوت. يفرشوا الحصيرة، ويوزعوا على الفقراء والمساكين من خير المزرعة بنية الفاتحة والرحمة على روح الحاج عبد الرحمن وروح الفرسة زينب.. بقت عادة أهل البلد كلهم عارفينها وبيستنوها من السنة للسنة، ويسموها “جمعة الوفا”.
والغريب إن المكان حوالين شجرة التوت بالذات، كان دايماً فيه طراوة ونسيم هادي حتى في أحر أيام الصيف.. الخيل اللي في المزرعة الجديدة كانت لما تهرب من المرابط، تروح تقف تحت نفس الشجرة بالظبط، تحط رؤوسها على التراب وتهدى، كأنها حاسة بأمان المكان وريحة العشرة الطيبين اللي نايمين تحته.
وفضل الحفيد يفكر كلام جده لما كان بيقوله: “اللي يرحم يِرحَم يا بني.. والجدعنة مع روح مالهاش لسان تشتكي بيه، باب مفتوح للجنة.”
عشان كده، الحكاية ما انتهتش عند حد الموت ولا عند حدود الترب.. الحكاية فضلت عايشة في كل شبر في الأرض، وفي كل شجرة توت بتضلل على غريب، وفي كل قلب بيعرف يعني إيه “عشرة” ويعني إيه “وفاء” ما بيموتش بمرور الزمن.
#حكايات_شروق_خالد



