
“دا جسمه ضخم أوي… مش هيأذيني؟” أتاوهت العروسة اللي جاية من سفر بعيد — “هكون هادي وبالمعروف”، وعدها الصعيدي الجسور.
الجزء الأول — مشيت مئات الكيلومترات عشان تتجوز واحد متعرفوش… وبعدين “الأرمل العجوز” نزل من على حصان أدهم.
زينب قطعت السكة كلها من آخر الدلتا لحد قلب الصعيد وهي فاكرة إنها متجوزة راجل كبير في السن والزمن هد حيله. كانت مهيأة نفسها تشوف شعر أبيض، وعيون تعبانة، وتعيش في بيت طين بسيط، وربما تقضي عمرها كله في وحدة هادية. بس اللي ماكانتش معمل حسابة خالص هو الشاب الضخم ده اللي كان واقف مستنيها جنب حصان أدهم أول ما عربية الأقاليم وقفت في موقف البلد. ولما الشارع كله سكت فجأة أول ما بدأ يقرب منها، زينب فهمت إن الغريب اللي كان بيكاتبها مخبي عليها حاجة كبيرة أوي.
على مدار ست شهور، كان بيوقع كل جواب باسم واحد بس: “حمزة”. كلامه كان موزون، وعاقل، ودمه خفيف في أوقات مش متوقعة، والأهم من ده كله إنه كان حنين. زينب ردت عليه لأن حياتها في طنطا ماكانش فيها أي أمل—لا جهاز يذكر، ولا مستقبل، وذكريات كتيرة مع أب عصبي علمها إن الجواز ممكن يبقى اسم تاني للسجن. حمزة وعدها بحاجة واحدة بس: الصدق، والأمان، وبيت ميهينش فيه حد. وده كان كفاية أوي يخليها تسافر أخر الدنيا.
بس الراجل اللي كان ماشي ناحيتها ده ماكانش شبه اللي في خيالها خالص. حمزة كان شاب، عنده يجي ثلاثين سنة، بعرض وعرض وله هيبة تهز، لابس جلابية صعيدي غامقة مدياله وقار، وكان فيه هدوء غريب بيخليه مسيطر على الشارع من غير ما ينطق كلمة. حتى كبارات البلد اللي مبيخافوش من حد كانوا بيعدلوا طاقيتهم ويسلموا عليه باحترام وهو معدي، ورجالة عيلته بيبصوله بنظرة تقدير كبيرة. زينب فهمت فجأة الجوابات كان قصدها إيه لما كتب إنه شايل هم ناسة وبلده.
وقف قدامها ومسك إيديها بالحنية. كفوفه الكبيرة كانت هتبلع إيديها، بس أول ما حس إنها اتخضت ونشفت في مكانها، ساب إيديها على طول. قالها بصلوت هادي: “خايفة ليه؟” زينب رفعت رأسها وقالت إن سفر ثلاث أيام في المواصلات يخلي أي حد يخاف. ولأول مرة، الغريب اللي يخوف ده ابتسم.
والابتسامة دي بالذات كانت هتضيع ثباتها خالص.
بعدها قرب راجل كبير في السن. حمزة فهمها بعدين إن اسمه “الشيخ عبد الجواد”، وده كان كبير المستشارين لأبوه زمان ودلوقتي ليه هو. الشيخ عبد الجواد بصلها بصه خليتها تحس إنه بيوزنها وشايف إنها مش قد المقام. كان شاكك إن واحدة ميعادها بين البندر والمحلات تقدر تفهم يعني إيه تقف جنب كبير العيلة.
حمزة قالها: “هو عنده حق يقلق.”
زينب بصتله وضيقت عينيها.
“بس هو غلطان فيكي أنتِ.”
هم الاتنين ماكانوش كملوا ساعة مع بعض وش لوش.
بس حمزة فكرها إنهم عارفين بعض من الجوابات بقالهم ست شهور.
وقالها: “الساعة دي مجرد شوية تفاصيل جديدة عن وشك مش أكتر.”
زينب مالقتش كلمة ترد بيها.
كتبوا الكتاب بعد الظهر. الشربات اتوزع، والمأذون خلص الإجراءات، وناس زينب عمرها ما شافتها كانوا بيزوقوا المضيفة وكأن وصولها ده عيد عندهم. صوت زينب كان بيرتعش وهي بتقول “قبلت”، بس صوت حمزة كان ثابت زي الجبل.
وبعدين لبسها دبلة فضة سادة.
وصباعه لمس إيديها.
اللمسة أخدت ثانية واحدة بس.
بس زينب فضلت تفكر فيها بالساعات.
بيت حمزة كان عند أطراف الجبل الغربي، نص ساعة بالحصان. زينب كانت متوقعة بيت مهجور ولا بيت طين، بس لقته بيت واسع ومبني بالحجر، مليان كتب، وسجاد يدوي، وشبابيك كبيرة، وحاجات قديمة غريبة حمزة جمعها على مدار السنين. حتى كان فيه ساعة حائط كبيرة ببنادول زي اللي كانت عند جدها.
سألته: “أنت بتجمع الساعات؟”
رد حمزة: “بجمع الحاجات اللي بتقيس اللي مفيش فيه فصال. الوقت. الجو. والحقيقة لما بلاقيها.”
زينب ضحكت غصب عنها.
ودي كانت أول لحظة خطر.
علشان الخوف كان سهل.
بس إنها تبدأ تعجب بيه… دي كانت الحسبة المعقدة.
في آخر الطرقة، حمزة فتح باب أوضة النوم. شنطة زينب كانت جوه بالفعل، وفي نص الطاولة كان فيه طبق فاكهة وورد بلدي.
وبعدين حمزة قال كلمة ماكانتش متوقعة خالص.
“الأوضة دي بتاعتك.”
زينب لفت بصلته.
فهمها إن أوضته هي في الناحية التانية خالص من البيت.
وقال: “مفيش أي حاجة هتحصل… غير لما أنتِ تعوزي وبإرادتك.”
زينب لسانها اتلجم.
كل التحذيرات اللي سمعتها قبل ما تسيب طنطا كانت بتقول عكس كده تماماً. الستات كانوا بيتهامسوا إن العروسة بتستحمل وخلاص، وأمها زمان قالت لها إن واجبات الجواز دي حاجة الست بتعديها وهي ساكتة وخلاص.
بس جوزها الجديد كان واقف على بعد خطوات ورافض يفرض عليها أي حاجة.
قال حمزة: “أنتِ قطعتي مصر من شمالها لجنوبها عشان تتجوزي واحد عمرك ما شفتيه. مش هطلب منك تشاركيني السرير لمجرد إن المأذون كتب كتبنا. لما أكون مش غريب بالنسبة لكِ، نبقى نتكلم في الموضوع ده.”
في الليلة دي، كان المفروض زينب تنام مرتاحة.
بس بدل ده، فضلت باصة للسقف.
علشان الراجل اللي قاعد في آخر الطرقة ده بدأ يشغل تفكيرها لسبب تاني خالص.
الأيام عدت وراها أسابيع. حمزة كان بينزل من الصبح بدري يحل مشاكل الناس، ويقعد مع كبار العائلات، ويشيل همود القعدة والعمودية. وفي كل مسا كان بيرجع ويسأل زينب أسئلة بجد—مش طبختي إيه أو نظفتي البيت ولا لأ، كان بيسألها بتفكري في إيه؟ خايفة من إيه؟ وكان نفسك تبقي إيه؟
وكان بيسمعها بجد.



