روايات وقصص

17 مكالمة في العناية#حكايات_شروق_خالد

وبعدين تسجيل أخير.
صوتي المرتعش ملا الممر الهادي بتاع المستشفى:
“الدكتور بيقول إنني محتاجة جراحة فوراً… بس أمك مصرة إنها كلمت المستشفى خلاص، وبتقولي أستنى لما ترجع…”
التسجيل اتقطع.
الممرضة قربت منه وهي شايالة تليفوني جوه كيس أدلة مقفول.
“مدام حضرتك كانت عاوزاك تشوف آخر رسالة جاتلها.”
سيف فتح الشاشة.
صورة كبرت بعرض الشاشة كلها.
الدكتور شريف كان واقف بره سور الفيلا وشايل شنطته الطبية.
وتحتها، أمه كانت كاتبة جملة واحدة بس:
ماترجعش البيت دلوقتي.
هي أخيراً جاهزة تعترف  وكل حاجة.
#حكايات_شروق_خالدسيف واقف في الممر، الشاشة في إيده وشه اتغير 180 درجة. العروق في رقبته اتشدت، وعينيه بقت حمرا زي الدم. الصورة اللي أمه بعتاها كانت متصورة بزاوية

أوي، مبينة الدكتور شريف وهو داخل الفيلا، وتحتها الكلام اللي  أي راجل.. بس الصوت اللي سيف لسه سامعه في التسجيل، مع منظر االلي مالى أرضية الفيلا، كان الكرباج اللي صحّاه من الغفلة.
في اللحظة دي، باب الأسانسير اتفتح، وخرجت منه “حكمت” أم سيف. كانت داخلة وباصة في الأرض، ومصنعة الوش المحزون.
“سيف! يا حبيبي حمد الله على السلامة.. إيه اللي حصل؟ الخدامة كلمتني وقالتلي إنك جيت ولقيت…”
سيف ما استناش تعوض الكلام.
في ثانية واحدة، كان قاطع المسافة بينه وبينها، ومسك تليفونه وحطه في وشها بالضبط، والصورة والتسجيل شغالين على أعلى صوت.
حكمت اتسمرت مكانها، واللون هرب من وشها تماماً.
سيف قال بصوت واطي بس يرعب، نبرة يتهز ليها العرش: “كنتِ عايزاني أرجع ؟ كنتِ بتجهزيلي المشهد عشان أذبح مراتي وابني بإيدي وأعيش باقي عمري في ؟”
حكمت لجلجت، وحاولت تتمسكن: “يا سيف يا بني افهمني.. أنا شفت الراجل دا داخل الفيلا وأنت مش موجود، خفت عليك وعلى شرفك! أنا…”
“أنتي كدابة!” سيف  فيهاجدران المستشفى، والحراس والدكاترة كلهم جمدوا في أماكنهم.
“الدكتور اتصل بيكي وقالِك إنت ومحتاجة جراحة فوراً.. وأنتي قفلتي في وشه، وقلتيلي أنا إنها متلقحة مع راجل جوه! أنتي مش أم.. أنتي !”
سيف التفت للدمنهوري، كبير الحراسة، وقال بنبرة قاطعة مفيهاش نقطة رحمة: “الست دي ما تحطش رجلها في أي بيت من بيوت الألفي تاني. تتسحب منها كل كروت البنوك، والعربيات، والسواقين. وتتقفل عليها في فيلا العجمي القديمة، ومحدش يدخلها ولا يخرجها من غير إذني.. ولو سمعت إنها اتصلت بحد، أنت اللي هتحصلها.”
حكمت صخت: “سيف! أنا أمك! بتعمل فيا كده عشان واحدة…”
سيف مبصلهاش حتى، وحراسة البرج مسكوها من دراعاتها وسحبوها بره الممر وهي بتصرخ وتولول، والصوت بدأ يبعد لحد ما اتقفل باب الأسانسير.
في نفس اللحظة، لمبةضة العمليات طفت.
الدكتور خرج وهو بينهج، وواخلع الكمامة من على وشه.
سيف جري عليه وشده من البالطو بلهفة ورب: “قولي يا دكتور.. قل لي إنهم بخير، وحياة أبوه قولي!”
الدكتور ابتسم ابتسامة تعب وطمنه: “الحمد لله يا سيف بيه.. لحقناها في أخر لحظة. ام ينزل كان بسبب انفصال جزئي في المشيمة، وقدرنا نوقف النزيف وننقذ الأم والجنين. البنت بخير، والمدام نقلناها أوضة عادية، بس محتاجة راحة تامة.”
سيف نزل على ركبته في نص الممر، وحط إيده على وشه وشهق بالدموع لأول مرة في حياته.. دموع راحة وندم على كل لحظة شك فيها أو سابها لوحدها.
بعد ساعتين..
سيف دخل الأوضة بالراحة. كانت الأوضة هادية، وصوت الأجهزة شغالة بصوت منتظم. أنا فتحت عيني بالعافية، ولقيته قاعد على الكرسي جنب السرير، ماسك إيدي ومحني رراسه عليها.
“سيف…” همست بصوت رايح.
رفع رأسه بسرعة، وعينيه كانت مليانة دموع ورجاء: “سامحيني يا نور.. وحياة أغلى حاجة عندك سامحيني. أنا كنت أعنى، وسبتك في أكتر وقت كنتِ محتاجاني فيه.”
أنا بصيت له بضعف، بس شفت في عينيه راجل تاني.. الراجل اللي طرد الوجود كله عشان يختارني.
حطيت إيدي التانية على بطني بالراحة: “البنت…”
سيف ابتسم ودموعه نازلة، وحط إيده فوق إيدي على بطني: “البنت بخير يا قلب سيف.. البنت عايشة، وأمها هتعيش، وأنا مش هسيبكم تاني لو على رقبتي.”
ومرت الأيام، والفيلا اتنضفت من كل أثر لحكمت وللسم اللي كان عايش فيها. وسيف بقى يتابع كل نفس أتنفسه بنفسه، والطفلة اتولدت وسُميت “أمل”.. لأنها كانت الأمل اللي نضّف بيت الألفي من الجحيم، ورجّع الحق لأصحابه.
#حكايات_شروق_خالدعدت سنتين على اليوم الصعب دا..
في نفس الفيلا، بس المرة دي كانت الأنوار كلها قايدة، وشجر الجردينة ملفوف بأبسط وأحلى زينة بمناسبة عيد ميلاد “أمل” الثاني.
المكان اللي كان زمان كئيب وفيه شك وسم، بقى بيضحك ومفروش بالدفء والأمان.
سيف كان شال أمل على كتفه، وعمال يجري بيها في الجردينة وهي بتضحك بصوت عالي ومسكاه من شعره. وسيف — الراجل اللي كان هز السوق ويهدد أعتى حيتان البيزنس — بقى أب حنين جداً، ما بيفوتش لحظة واحدة مع بنته ومراته.
أنا كنت واقفة في التراس ببتسم وببص عليهم، ولابسة فستان أبيض بسيط، ومسكة كاس العصير في إيدي، وحاسة براحة بال عمري ما عشتها زمان.
سيف طلعلي التراس ونزّل أمل تلعب مع الدبدوب بتاعها على السجادة، وقرب مني وحضنني من ضهري بالراحة، وحط دقنه على كتفي.
“سرحانة في إيه يا نور؟”
التفت له وابتسمت: “كنت بفتكر… بفتكر اليوم اللي كنت فاكرة فيه إن دي النهاية، وإن حياتي وحياة بنتي ضاعت.”
سيف بصلي بعيون مليانة حب وندم وصادقة، وباس جبيني: “دا مكنش النهاية يا نور.. دا كان اليوم اللي ربنا طهّر فيه بيتي، ورجّعني فيه لنفسي ولحقي. أنا كل يوم بحمد ربنا إنه لحقك، وإنه إداني فرصة تانية أكون الراجل والأب اللي تستاهلوه.”
في اللحظة دي، تليفون سيف رن. كان الدمنهوري، كبير الحراسة.
سيف رد بهدوء: “إيه الأخبار يا دمنهوري؟”
الدمنهوري قال بصوت واطي: “سيف بيه، حكمت هانم في فيلا العجمي بعتت مع المحامي تطلب تشوف حضرتك وتشوف البنت ولو لخمس دقايق.. بتقول إنها مريضة وتعابنة أوي.”
سيف بص لأمل وهي بتلعب بتلقائية، وبصلي أنا في عيني، وبنبرة هادية وبدون أي غل ولا حقد، بس بثبات يقطع أي طمع، قال:
“قول للمحامي إن مصاريف علاجها واحتياجاتها كلها بتتدفع كاملة.. بس رجليها مش هتخطي بيت فيه نوري وأمل، ولا أمل هتشوف الوش اللي كان عايز يها قبل ما تتولد. الصفحة دي اتفلت للأبد يا دمنهوري.”
قفل سيف التليفون، وحطه على الترابيزة، وما أدّاش للموضوع أكتر من حجمه.
مسك إيدي، ونزلنا سوى للجردينة عشان نقطع تورته عيد الميلاد مع بنتنا.
وانتهت حكاية الظلم والشك، وتبدلت ببيت مقفول بالحب والعدل والنظافة.. وأثبتت الأيام إن اللي بيختار يدافع عن الحق ويكون راجل وسند لمراته، ربنا بيبارك له في بيته وبنته وعمره.

17 مكالمة في العناية

#حكايات_شروق_خالد

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى