روايات وقصص

حماية فوق السحاب ج2 . #حكايات_شروق_خالد

مرت ست شهور على اليوم ده في المطار.

الشغل والمأموريات خدتني في زحمة الحياة، بس صورة يوسف ومريم وهما واقفين خايفين في صالة المغادرة ما فارقتش بالي لحظة. الحلاوة الصغيرة اللي يوسف ادهالي فضلت شايلها في مكتبي، كل ما أبصلها أفتكر إن فيه قرارات بسيطة بناخدها في ثواني بتغير حياة ناس كاملة.

في يوم، كنت قاعد في مكتبي والمشاغل مغرقاني، أحمد دخل عليا وابتسامة واسعة على وشه.

— سيادة العقيد.. فيه ضيوف بره معندهمش ميعاد بس مصرين يقابلوا حضرتك.

بصيتله باستغراب:

— مين يا أحمد؟

أحمد فتح الباب، ودخل طارق، وعن يمينه وشماله يوسف ومريم.

العيال اتغيروا تمامًا! وشوشهم ردت فيها الروح، لبسهم نضيف ومترتب، والضحكة اللي كانت غايبة عنهم بقت مالية المكان. أول ما شافوني، سابوا إيد عمهم وجريوا عليا.

— عمو ناصر!

نزلت على ركبتي وفتحت إيدي، حضنوني هما الاتنين بقوة. يوسف كان شايل دبدوبه القديم بس المرة دي كان متصلح ومتنضف، ومريم كانت شايلة شهادة تقدير في إيدها.

طارق وقف وقالي وهو مبتسم ودموعه في عينيه:

— يا سيادة العقيد، ما حبناش نسيب المناسبة دي تعدي من غير ما نيجي نشكرك. القضية خلصت، والست أخدت حكم مشدد بالحبس، وحق الولاد ورثهم من أبوهم رجعلهم بالكامل. أنا نقلتهم مدرستهم جنبي، ومريم طلعت الأولى على فصلها الترم ده.

مريم رفعت شهادة التقدير وادتهالي بكل فخر:

— دي عشانك يا عمو.. أنا وعدت نفسي أطلع الأولى عشان أوريهالك.

مسكت الشهادة، وأحساس جميل بالفخر والرضا ملاني من جوه. بصيت لطارق وقلتله:

— أنت راجل جدع يا طارق، صنت أمانة أخوك وده أصلك الطيب.

طارق رد بصوت مليان امتنان:

— ربنا يخليك لينا يا فندم.. أنت ما أنقذتش العيال بس، أنت أنقذت عيلة كاملة من الضياع.

قعدنا مع بعض، يوسف ومريم بقوا بيتكلموا ويضحكوا من غير خوف، نسوا السكوت والمرار اللي عاشوه، ورجعتلهم طفولتهم اللي كانت هتضيع على يد ست ما عندهاش رحمة.

ولما جُم يمشوا، يوسف بصلي وقالي بكل براءة:

— عمو ناصر.. لما أكبر عاوز أكون عقيد في الجيش زيك عشان أحمي الأطفال اللي زينا.

ابتسمت وطبطبت على كتفه:

— هتطلع أحسن مني كمان يا يوسف.

وقفنا أنا وأحمد في الشباك بنتفرج عليهم وهما طالعين من المبنى، ماسكين في إيد عمهم وبيضحكوا.

أحمد بصلي وقال:

— أحسن مأمورية عملناها في حياتنا يا سيادة العقيد.

هزيت رأسي وأنا مطمئن وقلت:

— فعلًا يا أحمد.. الخدمة في الجيش مش بس سلاح وحدود، الخدمة إنك تكون حماية لكل ضعيف مالوش حد.

عدت السنين، ويوسف ومريم كبروا قدام عيني.

كنت دايماً على تواصل مع عمهم طارق، أتابع أخبارهم في الدراسة وفرحتهم بلمة العيلة اللي اتحرموا منها زمان. الحلاوة الصغيرة وشهادة مريم الأولى فضلوا محطوطين في مكتبي، تفكير دائم بأن كل خطوة خير بنعملها بتفضل عايشة وبتكبر مع الأيام.

وبعد سنين طويلة من الخدمة في القوات المسلحة، جه اليوم اللي حانت فيه لحظة تقاعدي.

في الحفلة الرسمية لتكريمي وخروجي على المعاش، المكان كان مليان بالضباط والقيادات وأصحابي. كنت واقف بتفرج على مسيرتي وأنا حاسس بالرضا، وفجأة أحمد جالي وهو بيضحك وقالي:

— فيه مأمورية أخيرة لازم تخلصها يا سيادة العقيد قبل ما تسلم الشغل.

بصيتله باستغراب، ولقيته بيشاورلي على باب القاعة.

دخل شاب طول بعرض، يرتدي بدلته العسكرية برتبة ملازم أول في الجيش، وجنبه بنوتة زي القمر لابسة فستان رقيق وطالعة الأولى على كليتها.

كانوا يوسف ومريم.

يوسف كبر وحقق حلمه، ودخل الكلية الحربية وبقى ضابط في الجيش المصري. ومريم اتخرجت بتفوق من كلية الطب.

يوسف قرب مني بثبات، ضربلي تعظيم سلام عسكري هز القاعة، وبعدها حضنني بقوة وقال بصوت متهدج:

— تمت المهمة بنجاح يا سيادة العقيد.. الولد اللي سيبته زمان في المطار بقا ضابط ومستعد يحمي البلد والناس زي ما حمتنا بالظبط.

ومريم قربت ومسكت إيدي وقالت:

— حضرتك ما غيرتش حياتنا بس.. حضرتك اديتنا عمر جديد وأمل كملنا بيه.

في اللحظة دي، حسيت إن مشواري في الخدمة انتهى بأجمل طريقة ممكنة. بصيت للبدلة العسكرية وللشباب اللي واقفين قدامي، وعرفت إن الأثر الطيب ما بيموتش، وإن “لا أحد يُترك خلفنا” مش مجرد كلمة، دي أسلوب حياة بيرفض يضيع.

حماية فوق السحاب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى