
اللكمة جت بسرعة لدرجة إني ما لحقتش حتى أشوف ديريك لوسون وهو بيتحرك.
في ثانية كنت واقفة جنب الترابيزة رقم ستة، ماسكة إبريق قهوة زجاج، وفي الثانية اللي بعدها الدنيا قدامي انفجرت باللون الأبيض، وجسمي خبط في أرضية المطعم، وفوق صوت الدوشة اللي كانت بتدوّي في دماغي، سمعت الراجل اللي لسه ضاربني وهو بيضحك.
— حد تاني عايز يقولي أعمل إيه؟
صوته كان جاي لي من بعيد، وسط الدوشة اللي كانت بتملأ وداني.
سمعت صوت كراسي وهي بتتحرك بعنف، وحد بيصرخ، وإبريق القهوة بيتكسر جنبي، والسائل السخن بينتشر فوق أرضية المطعم المربعات الأبيض والأسود.
لكن ديريك ما كانش يعرف إن عربية سوداء كانت لسه واقفة قدام مطعم كالدر.
وما كانش يعرف إن الراجل صاحب الشعر الفضي اللي دخل من الباب كان هو مالك المكان من سبعة وعشرين سنة، وإنه كان مسيطر على جزء كبير من منطقة الميناء في بروكلين بعد حلول الظلام.
وكان عنده قانون واحد محدش يجرؤ يخالفه:
ممنوع العنف داخل مطعم فينسنت كالدر.
رن الجرس النحاسي المعلق فوق الباب، وفجأة المطعم كله سكت.
كنت شبه فاقدة الوعي، لما صوت فينسنت قطع الهدوء.
— هي بتتنفس؟
كانت أنجيلا بروكس، أقدم نادلة في المطعم، راكعة جنبي وحاطة فوطة على جبهتي.
— أيوه، بس مش بتفوق.
فينسنت خلع معطفه الرمادي الغامق وحطه برفق فوق جسمي، وبعدين لف ناحية ديريك.
— إنت ضربتها؟
ديريك حاول يتكلم بثقة.
— هي اللي قلّت أدبها.
— ده مش سؤالي.
حتى وأنا وسط الضباب اللي في دماغي، حسيت إن الجو كله اتغير.
ديريك أخيرًا لاحظ الراجلين اللي دخلوا مع فينسنت.
واحد وقف عند باب المطعم، والتاني وقف بهدوء بالقرب من باب المطبخ.
اختفت ضحكة ديريك تمامًا.
قال بصوت منخفض:
— أنا ما كنتش أعرف إنها شغالة عندك.
فينسنت قرب منه خطوة.
— اسم كالدر مكتوب على الشباك، وعلى المنيو، وعلى المريلة اللي لابساها.
— أنا قصدي إني ما كنتش أعرف إنها مهمة.
فضل المكان ساكت لثواني.
وبعدين رد فينسنت بصوت هادي بشكل أخافني أكتر من أي صراخ:
— هي كانت مهمة قبل ما أنا حتى أدخل من الباب.
رفع ديريك إيديه.
— يا راجل، دي مجرد لكمة واحدة.
ما لحقش يكمل.
فينسنت اتحرك بسرعة لدرجة إني سمعت صوت الخبطة قبل ما أفهم حصل إيه.
مسك إيد ديريك، لفها تحت دراعه، ووقع الراجل الضخم بوشه على ترابيزة، لدرجة إن الأطباق نطت والملاعق والشوك وقعت في كل اتجاه.
تلات ثواني.
بس.
ده كل الوقت اللي أخده فينسنت.
ركب ديريك خبطت في الأرض.
— أرجوك.
قال فينسنت:
— من دقيقة كنت بتضحك.
— دراعي…
— كنت بتضحك؟
— أيوه. أيوه، كنت بضحك!
ساب فينسنت إيده، لكن ديريك فضل راكع على الأرض.
قال فينسنت:
— بول.
رد واحد من رجاله:
— أيوه يا باشا.
— خدّه المكتب. ما تأذيشه، وممنوع يمسك تليفون.
رفع ديريك عينه له.
— إنت هتسيبني عايش؟
بص فينسنت ناحيتي.
— لسه ما قررتش نوع الحياة اللي هتعيشها.
وأثناء ما كانوا بيسحبوا ديريك ناحية الممر الخلفي، ركع فينسنت على مسافة قريبة مني وبدأ يسأل عن اللي حصل.
أنجيلا شرحت له إن ديريك مسك إيدي، وأنا طلبت منه يسيبني، وبعدها بهدوء طلبت منه يدفع تمن القهوة ويمشي.
قال واحد من الزباين الكبار في السن، واسمه فرانك ديلاني:
— أنا شفت كل حاجة. هي ما لمستوش حتى. هو ضربها عشان أحرجته قدام الناس.
الزبائن التانيين بدأوا يأكدوا كلامه.
— هي ما عليتش صوتها.
— كانت حاطة إيديها قدامها طول الوقت.
فينسنت هز رأسه مرة واحدة.
— اتصلوا بالإسعاف.
واحد من رجاله اقترح يجيب دكتوره الخاص.
لكن فينسنت رد فورًا:
— الاتنين. تروح في أي مكان دكتور الطوارئ يقول إنها محتاجة تروحه.
وبدأ الصوت يرجع لي بالتدريج.
صوت أنجيلا وهي بتبعد شعري عن وشي.
صوت فينسنت الواطي.
صوت لمبات النيون وهي بتزن فوق رأسي.
لكن فجأة، ما بقيتش في مطعم كالدر.
رجعت لشقة ضيقة في ألباني.
كنت واقفة قدام دولاب مطبخ مكسور، ورامي فليتشر واقف قدامي وسادد عليا الطريق.
— إنتِ بتخليني أعصب عشان عمرك ما بتسمعي الكلام.
حسيت بألم في ضلوعي، ألم قديم ما كانش ليه علاقة باللي حصل النهارده.
همست:
— رامي…
أنجيلا اتجمدت مكانها.
وفينسنت كمان.
سألتني أنجيلا بصوت حنون:
— مين رامي يا حبيبتي؟
فتحت عيني بصعوبة.
وأول وش شوفته كان وش فينسنت كالدر.
وفي اللحظة اللي سمع فيها الاسم، اتغيرت ملامحه تمامًا.
لأن بطريقة ما…
فينسنت كان عارف بالضبط مين هو رامي فليتشر.
حكايات شروق خالد
فينسنت ما قالش حاجة لثواني.
بس نظرته اتغيرت.
بص لأنجيلا وقال بهدوء:
— خلي كل الناس تخرج.
أنجيلا فهمت فورًا.
— يا جماعة، المطعم هيقفل دلوقتي. اتفضلوا.
الزبائن بدأوا يخرجوا، لكني كنت مركزة مع فينسنت.
سألته بصوت ضعيف:
— إنت تعرف رامي؟
ما ردش.
قرب مني، لكنه وقف على مسافة محترمة.
— من إمتى وإنتِ في بروكلين؟
— حوالي سنتين.
— ورامي؟
جسمي اتشد.
— من زمان.
سكت لحظة.
— كان جوزي.
فينسنت ثبت عينه عليا.
— كان؟
هزيت رأسي.
— هربت منه من سنتين.
أنجيلا حطت إيدها على كتفي.
— إنتِ مش مضطرة تتكلمي دلوقتي.
لكن فينسنت قال:
— لأ. لازم نعرف.
بصيت له.
— ليه؟




