روايات وقصص

اتجوزت الراجل الجبلي عشان تنقذ بناته… حكايات شروق خالد

“كانت بتترجى تشتغل وهي لابسة هدوم بالية… لكن الراجل الجبلي الغني سألها: هتكوني الأم اللي بناتي محتاجينها؟” كانت سلمى جابر اترفضت مرات كتير لدرجة إنها، لما وصلت لفندق النيل الكبير، ما بقتش بتدور على كرامة ولا فرصة مناسبة. كانت بتدور على لقمة عيش. فستانها كان مرقع لدرجة إن شكله بقى صعب يتعرف. جزمتها كانت متهالكة، وعدّى عليها تلات أيام عايشة على تفاح واقع من الشجر وشوية مية، وكل خطوة في شوارع وادي النخيل كانت أتقل من اللي قبلها.

 

ومع ذلك، دخلت الفندق وطلبت تشتغل في المغسلة.

مدير الفندق بص لها من فوق لتحت ببطء.

مش لإيديها.

ولا لقوة كتافها.

ولا لليأس اللي كانت بتحاول تخبيه بكل قوتها.

بص لجسمها.

وقال بسخرية:

“إنتِ؟ هتقعي من طولك قبل ما تشيلي سلة ملايات مبلولة.”

سلمى خرجت من غير ما تجادله.

كانت اتعلمت إن فيه ناس بتستمتع بالقسوة لدرجة إن مفيش كلام ممكن يغيرهم.

بره، الجوع كان بيقبض على معدتها.

وفجأة…

طفلة صرخت.

سلمى لفت بسرعة.

طفلتين لابسين فساتين غالية كانوا محشورين جنب مجموعة براميل أعلاف، قدامهم كلب هائج شبه ميت من الجوع بيزمجر ومستعد يهجم عليهم.

المربية كانت واقفة بعيد، بتصرخ وبتطلب حد يساعدها.

سلمى ما فكرتش.

خطفت مكنسة وجريت.

“ارجعوا لورا!”

الكلب اندفع ناحيتها.

سنانه شقت طرف فستان سلمى المتهالك وخدشت رجلها.

لكنها ما رجعتش.

بالعكس، وقفت بجسمها الكبير بين الحيوان والبنتين، وضربت المكنسة في الأرض بكل قوتها.

“امشِ!”

الكلب تراجع أخيرًا وهرب.

الطفلة الأصغر رمت نفسها في حضن سلمى فورًا.

وأختها الكبيرة لحقت بيها.

سلمى حضنت الاتنين لصدرها، وفضلت تطمنهم إنهم بقوا في أمان.

لكن المربية جريت عليهم وهي بتصرخ:

“ابعدي عنهم! مين عارف الست دي ناقلة أمراض إيه؟ دي متسولة!”

وقبل ما سلمى ترد، جه صوت رجولي عميق قطع الشارع:

“إنتِ كنتِ المربية بتاعتهم.”

الكل التفت.

كان واقف قدامهم سليم المنصوري.

أغنى راجل في المنطقة.

صاحب مناجم، وأراضي، وشركات أخشاب، وقصر ضخم على أطراف الجبل.

والأهم…

أبو الطفلتين اللي كانوا متعلقين بسلمى بكل قوتهم.

سليم كان شايف كل حاجة من الناحية التانية من الشارع.

قال للمربية ببرود:

“إنتِ وقفتي تتفرجي وتصرخي، والست دي حمت بناتي.”

وش المربية اصفر.

“إنتِ مرفودة.”

وبعدين نزل سليم على ركبته جنب بنتيه.

ملك ونور ما كانوش بيتكلموا بقالهم أربعة عشر شهر.

من يوم وفاة أمهم.

لكن دلوقتي، الاتنين رفضوا يسيبوا سلمى.

سليم بص للست المرهقة اللي كانت شايلة بنتيه، وهي بتكافح عشان ما تنهارش.

سلمى بلعت كبرياءها وقالت:

“أنا محتاجة شغل يا بيه.”

صوتها اتكسر.

“أطبخ، أنضف، أشيل مية، أعمل أي شغل بالحلال. الناس فاكرين إني عشان تخينة يبقى أنا كسولة، بس أنا قوية وهشتغل مقابل الأكل ومكان أنام فيه.”

سليم فضل باصص لها.

وبعدين مد إيده.

“قومي يا آنسة سلمى.”

مسكت إيده وقامت.

قال:

“العربية مستنياني.”

سلمى رمشت باستغراب.

“بس يا بيه… أنا طلبت شغل.”

سليم ما غيرش تعبير وشه.

“أنا مش محتاج خدامة جديدة.”

بص لبناته.

وبعدين رجع بص لها.

“أنا محتاج زوجة.”

بعد ساعات، كانت سلمى قاعدة جوه قصر عمرها ما كانت تتخيل إنها تدخله.

سليم حكى لها كل حاجة.

عيلة مراته الراحلة كانت عايزة تاخد حضانة ملك ونور.

وخالهما جمال الشناوي كان بيحاول يثبت إن سليم أب غير صالح، راجل قاسي ومشغول طول الوقت بشغله وأراضيه.

ولو سليم فضل أعزب، المحكمة ممكن تاخد منه بناته.

قال لها:

“أنا محتاج حد يحميهم.”

وبص في عينيها.

“إنتِ عملتي ده النهارده من غير حتى ما تعرفي أسماءهم.”

سلمى فضلت ساكتة.

“إنت عايزني أمثل دور أمهم؟”

سليم هز راسه.

“لا.”

صوته هدي.

“أنا بسألك… تقدري تكوني الأم اللي هما محتاجينها؟”

كان المفروض يكون جواز مصلحة.

بيت وأكل وأمان لسلمى.

وحماية وشكل اجتماعي مناسب لسليم.

ولا حاجة أكتر.

لكن قصر المنصوري كان أبرد مما تخيلت سلمى.

مديرة البيت كانت بتسخر منها.

الخدم بيتجاهلوها.

حتى الخياطة أهانت شكل جسمها، لحد ما دخل سليم فجأة وقال بصوت حاسم:

“أي حد يهين مراتي، هيتحاسب.”

لكن سليم ما كانش الشخص اللي غير حياة سلمى فعلًا.

كانت البنتين.

لما طباخة البيت رفضت تساعدها، سلمى ربطت المريلة حوالين وسطها وبدأت تعمل عيش بالقرفة على طريقة جدتها.

ريحة القرفة والخميرة الدافية انتشرت في القصر.

ملك ونور ظهروا بهدوء عند باب المطبخ.

سلمى حطت العجين قدامهم.

وقالت بابتسامة:

“لما الدنيا تبقى تقيلة أوي… ساعات الواحد بيحتاج يضرب حاجة مش هتزعل منه.”

نور لمست العجين.

وملك قربت منها.

وبعد دقائق…

حصل شيء ما حصلش من أكتر من سنة.

البنتين ضحكوا.

ومن اليوم ده، بقوا يمشوا ورا سلمى في كل مكان.

يناموا جنبها لما الكوابيس تيجي.

يقعدوا في حضنها وهي بتقرأ لهم.

ويساعدوها في المطبخ.

ببطء، قصر المنصوري بطل يبقى مجرد قصر فخم وبارد.

وبدأ يتحول لبيت.

لكن بعد كده، سلمى لقت الجوابات.

كانت مخبية في قاع سري داخل صندوق ملابس حماتها الراحلة.

جوابات بتكشف إن زوجة سليم الراحلة كانت مخططة تسرق فلوسه وتهرب، وتسيب بناتها.

والأخطر…

إن أخوها جمال كان شريكها في الخطة.

قبل ما سلمى تلحق تقرر تعمل إيه، وصل جمال للقصر ومعاه أمين الشرطة.

وفي إيده قرار مؤقت بحضانة الطفلتين.

قال:

“أنا جاي آخد بنات أختي.”

سلمى نزلت على السلم.

وقالت:

“لا.”

جمال ضحك باستهزاء.

“إنتِ فاكرة إن حد هيسمح لواحدة تخينة ومتسولة توقفني؟”

أشار لأمين الشرطة يتقدم.

سلمى فتحت دراعها على السلم.

والبنتين كانوا وراها.

مرعوبين.

وفجأة…

جمال مد إيده ناحية سلمى.

أبواب القصر اتفتحت بعنف.

سليم كان واقف تحت المطر، وفي إيده بندقية.

قال بصوت مرعب:

“المس مراتي… وشوف أنا ممكن أعمل فيك إيه.”

لكن سلمى ما كانتش محتاجة حد ينقذها.

مدت إيدها في جيبها.

وطلعت الجوابات.

وبدأت تقرأ.

ومع أول كام سطر، وش جمال بدأ يبيض.

لأن الجوابات دي مش بس هتضيع قضية الحضانة.

دي كانت ممكن تدمر مستقبله كله.

وفجأة…

جاء صوت صغير من ورا سلمى.

صوت محدش سمعه من أربعة عشر شهر.

“ما تخلوهوش ياخدنا…”

الكل اتجمد مكانه.

نور كانت بتتكلم.

وبعدين قالت جملة خلت سليم المنصوري يقع على ركبته من الصدمة…

يتبع…

لو عايزة تعرفي نور قالت إيه، وإيه اللي كانت الجوابات مخبياه عن جمال، وهل سلمى هتفضل مجرد زوجة على الورق ولا هتبقى فعلًا جزء من عيلة سليم…

حكايات شروق خالد

نور كانت واقفة خلف سلمى، إيديها الصغيرة متشبثة بطرف فستانها.

وبصوت مرتعش، قالت:

“إحنا مش عايزين نروح معاه… هو اللي خلّى ماما تموت.”

الصمت وقع على القصر كأنه صدمة.

سليم رفع عينيه ناحية ابنته.

“نور…”

البنت بدأت تبكي.

“ماما كانت بتعيط قبل ما تموت. قالت لخالو جمال إنه مش هياخد فلوس بابا… وهو قال لها لو ما عملتش اللي هو عايزه، هيخلّيها تختفي.”

جمال اتراجع خطوة.

“كلام عيال! البنت مش فاهمة حاجة.”

لكن ملك تقدمت فجأة.

كانت أختها الأكبر، والأهدأ عادة.

قالت بصوت خافت:

“أنا فاهمة.”

سليم وقف ببطء.

“ملك… إنتِ سمعتي إيه؟”

ملك بصت لسلمى، وكأنها بتطلب منها الأمان قبل ما تتكلم.

سلمى نزلت على ركبتها وفتحت دراعها.

ملك جريت عليها.

“احكي يا حبيبتي.”

ملك دفنت وشها في كتف سلمى وقالت:

“قبل ما ماما تموت بيوم، خالو جمال دخل عليها. كان بيتخانق معاها. وقال لها: يا إما توقعي الورق، يا إما البنات هيختفوا.”

سليم اتجمد.

“أي ورق؟”

سلمى بصت للجوابات اللي في إيدها.

فتحت واحدة تانية.

وفي آخر الصفحة كان فيه توقيع واضح باسم زوجة سليم.

لكن التوقيع ما كانش موافقة على سرقة أموال.

كان اعترافًا.

اعترافًا بأنها اكتشفت إن جمال كان بيزوّر مستندات باسم سليم، وبيحوّل جزءًا من أموال المناجم لحسابات سرية.

والأخطر من كده…

إنها كانت ناوية تفضحه.

عشان كده ماتت قبل ما توصل بالحقيقة للشرطة.

أمين الشرطة أخذ الجوابات من إيد سلمى، وبدأ يقرأ بسرعة.

جمال حاول يخطفها منه.

لكن سليم وقف بينهما.

“جرب.”

جمال بص له.

“إنت هتصدق ورق واحدة ميتة؟”

سليم رد بهدوء مخيف:

“مش محتاج أصدقه.”

وأشار إلى أمين الشرطة.

“لأنك من دلوقتي هتفسر له ليه كل التحويلات دي راحت لحسابات باسم شركات وهمية.”

وش جمال انهار.

ولأول مرة، ما لاقاش رد.

بعد دقائق، خرج جمال من القصر مكبل اليدين.

وقبل ما يركب العربية، بص لسلمى بغضب.

“إنتِ فاكرة إنك كسبتي؟”

سلمى ردت بثبات:

“أنا ما كنتش بحاربك عشان أكسب.”

وضمت ملك ونور إليها.

“كنت بحارب عشان ما تخسرش طفلتين أبوهم.”

العربية تحركت.

والقصر أخيرًا سكت.

لكن سليم ما اتحركش.

فضل واقف قدام سلمى.

وبص للبنتين.

ثم قال:

“أنا مدين لك.”

سلمى ابتسمت ابتسامة صغيرة.

“إحنا خلاص خلصنا الاتفاق، يا بيه.”

سليم عقد حاجبيه.

“اتفاق؟”

“أيوه.”

تنفست بعمق.

“أنا دخلت هنا عشان أكون أم مؤقتة لبناتك. ودلوقتي هما رجعوا لأبوهم، والخطر راح.”

سليم سكت.

“يعني هتمشي؟”

سلمى حاولت تخفي وجعها.

“أيوه.”

نور شهقت.

“لا!”

وجريت تمسك إيد سلمى.

ملك لحقت بها.

“إنتِ وعدتينا إنك مش هتسيبينا.”

سلمى دموعها نزلت.

“أنا…”

سليم قاطعها:

“وعدتيهم؟”

هزت رأسها.

“أيوه.”

سليم بص لبناته، ثم لها.

وقال:

“يبقى ما ينفعش تمشي.”

سلمى رفعت عينيها.

“ليه؟”

اتقدم خطوة.

“لأنك من أول يوم دخلتي فيه القصر ده، البنات رجعوا يعيشوا.”

سكت لحظة.

ثم قال:

“وأنا كمان.”

قلب سلمى دق بسرعة.

“سليم…”

“أنا في الأول كنت بدور على زوجة تحميني من المحكمة.”

ابتسم بحزن.

“لكن دلوقتي أنا مش عايز زوجة للورق.”

رفع عينيه لها مباشرة.

“أنا عايز الست اللي دخلت القصر وهي مش معاها تمن رغيف، وخرجت منه وهي مستعدة تحارب الدنيا كلها عشان بنتين مش بناتها.”

سلمى ما قدرتش تمنع دموعها.

“يعني إيه؟”

مد سليم إيده لها.

“يعني لو وافقتِ… الجواز ده يبدأ من النهارده.”

نظرت إلى يده.

ثم إلى ملك ونور.

البنتان كانتا تبتسمان لأول مرة منذ سنوات.

سلمى مسكت إيده.

“موافقة.”

نور صرخت من الفرحة، وملك احتضنت سلمى.

وسليم ضحك لأول مرة أمامهم.

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى