روايات وقصص

حماية فوق السحاب ج1 #حكايات_شروق_خالد

شفت ست ماشية وسايبة طفلين توأم عندهم خمس سنين في مطار القاهرة، من غير حتى ما تبص وراها بصلة واحدة. ولا حضن، ولا كلمة وداع. ما كانتش تعرف إن فيه عقيد في الجيش واقف وبيراقب، واخد قراره خلاص.

الحكاية بدأت بعد ما رجعت من مأمورية شغل رسمية. كنت ماشي مع الرائد أحمد في الصالة ورايحين ناحية استراحة كبار الزوار، وفجأة ست لابسة بالطو بيج عدت من جنبنا وهي بتجر شنطة ماركة.

وراها كان فيه طفلين صغيرين بيلحقوا بالعافية عشان يمشوا وراها. ولد وبنت، شعرهم أصفر وعينيهم زرقا وصافية. كان باين عليهم التعب جدًا، بس ولا واحد فيهم اتكلم أو اشتكى.

أنا وقفت مكاني.

أحمد قالي: “يا سيادة العقيد، العربية مستنانا بره.”

ما سمعتوش تقريبًا.

الست وصلت عند صالة المغادرة وتشاور بإيدها على كراسي سودا. العيال قعدوا فورًا من غير تفكير، كأنهم متعودين ما يسألوش. الولد كان ماسك دبدوب قديم ومجهد بين إيديه، والبنت مدت إيدها ومسكت إيد أخوها بجامد.

مرات أوبهم حتى ما توطتش عليهم.

ما حضنتهمش، ما باستش راسهم، ولا قالتلهم هي رايحة فين أو راجعة امتى.

لفت ضهرها بكل بساطة، جرت شنطتها ودخلت الممر بتاع الطيارة واختفت.

ولا حتى بصلة واحدة وراها.

المطار كان زحمة والناس رايحة وجاية. مسافرين بيجروا بقهوتهم وشنطهم وكروت الطيارة، والإذاعة عمالة تذيع أرقام الرحلات، والعائلات بتتخانق على الكراسي والأكل.

محدش وقف ولا خد باله.

بس أنا وقفت.

الولد كان دايس على الدبدوب لدرجة إن صوابعه ابيضت، والبنت عينها على الباب المقفول وذقنها بتترعش.

ولا واحد فيهم عيط.

العيال اللي بيبقوا مستنيين حد يرجع بيبكوا، لكن العيال اللي بيعرفوا إنهم اترقوا واتسابوا بيميلوا للسكوت.

السكوت ده وجعني أكتر من أي صريخ ممكن أسمعه.

قربت منهم. أحمد كان جاي ورايا، بس رفعت إيدي عشان أخليه يستنى، وكملت لوحدي.

نزلت على ركبتي عشان ما أكونش أطول منهم وأخوفهم.

البنت بصلتلي في عيني عدل. كانت خايفة بس ما بعدتش.

قلتلها بشويش: “فين ماما؟”

الولد نزل راسه وقال: “دي مش مامتنا.”

“اسمكم إيه؟”

البنت قالت: “مريم.”

والولد كمل: “وأنا يوسف.. إحنا توأم.”

“عندكم كام سنة؟”

“خمسة.”

قعدت جنبهم على الكرسي بدل ما أكون واقف فوقيهم.

“فيه حد جاي ياخدكم؟”

مريم هزت راسها بـ “لا”.

الهزة الصغيرة دي نزل عليا زي الصدمة.

أنا قضيت خمسة وعشرين سنة في الجيش، متدرب إني أكون هادي تحت أي ضغط، أخد قرارات بسرعة، وما أخليش مشاعري تتدخل في الشغل.

بس العيال دول كانوا خلاص اتعلموا يصغروا ونفسهم يختفي عشان ما حدش من الكبار يقول عليهم معفرتين أو بيعملوا مشاكل.

سألتهم: “وفين باباكم؟”

شفايف يوسف بدأت تترعش، ومريم ضغطت على إيده أكتر.

وهست: “بابا مات.. وهي قالت إننا بقينا وجع دماغ ومشاكل.”

وراعيا، سمعت أحمد بيتنهد بصوت واطي.

بصيت ناحية الباب اللي الست بالبالطو البيج اختفت منه.

كانت فاكرة إنها خلاص خلصت منهم وبقت حرة.

ما كانتش تعرف إنها سابت العيال دول قدام الراجل الغلط.

قمت وقفت ولفت لأحمد.

“يا رائد أحمد.”

“تمام يا فندم.”

“كلم أمن المطار فورًا. يوقفوا الطيارة دي قبل ما تطلع. جيبوا الست اللي بالبالطو البيج، وبلغ شرطة المطار وهيئة الدفاع الاجتماعي.”

أحمد كان بيطلع تليفونه فورًا.

بصيت لمريم ويوسف وقلت:

“ما فيش عيل بيتساب ولا بيترمى وأنا واقف.”

وفي لحظتها، أول نداء طلع في اللاسلكي.. وفجأة كل الناس في الصالة بدأت تتحرك.

في لحظة واحدة، الهدوء اللي كان في المكان اتقلب. الضباط وأفراد أمن المطار بدأوا يجروا ناحية صالة المغادرة، وصوت الجهاز اللاسلكي مع أحمد مش بيسكت: “افصلوا الممر.. الطيارة ممنوع تتحرك!”

يوسف ومريم كانوا خايفين من حركة الناس والصرخة اللي في المكان، ضمتهم ليا وقلتلهم: “ما تخافوش، محدش يقدر يلمسكم ولا يضايقكم طول ما أنا هنا.”

الطيارة كانت خلاص بدأت تستعد عشان تطلع على الممر، بس تعليمات أمن المطار نزلت فورًا بوقف الرحلة. الممر المقفول اتفتح تاني، وضباط الشرطة دخلوا للطيارة جوة.

بعد أقل من عشر دقائق، كانت الست ذات البالطو البيج نازلة ومتقيدة بالكلابشات، ووراها شنطتها الماركة. وشها كان أصفر وزي الليمونة من الصدمة، وما كانتش فاهمة إيه اللي بيحصل أو مين اللي وقف الرحلة كلها عشانها.

أول ما شافتنا واقفين وجنبنا يوسف ومريم، بصتلي بغضب وقالت: “أنت مين أصلاً؟ وأنت مالك بينا؟ دول مش ولادي، وأنا مش ملزمة أصرف على عيال جوزي بعد ما مات! ماليش دعوة بيهم!”

قربت منها بكل هدوء، وبصيت في عينها وقلت بصوت واطي بس يرعب: “أنا العقيد ناصر.. وأنتِ دلوقتي مقبوض عليكِ بتهمة تعريض حياة طفلين للخطر وإلقاء قصر في مكان عام. القانون هيعرفك كويس أنتِ ملزمة بإيه، واللي عملتيه ده مش هيمر بالساهل.”

الست بدأت تترعش وتحاول تبرر لضباط الشرطة، بس محدش أداها فرصة، وأخدوها فورًا على قسم شرطة المطار لفتح تحقيق عاجل وتسليمها للنيابة.

لفت ليوسف ومريم، ونزلت لمستواهم تاني. يوسف بصلي بعينيه الصغيرين وسألني: “إحنا هنروح فين دلوقتي؟”

ابتسمتله وطمنته: “هتروحوا معايا في مكان أمان لحد ما نجيب حقكم ونطمن إن محدش يقدر يؤذيكم تاني.”

أحمد بصلي وابتسم، وقال: “تمام يا سيادة العقيد، العربية جاهزة بره.”

شلت يوسف على إيدي ومسكت إيد مريم، وخرجنا من المطار. الرحلة كانت انتهت بالنسبة للست دي، بس بالنسبة ليوسف ومريم.. كان فيه بداية جديدة خالص بتتبني في اللحظة دي.

ركبنا العربية ومشينا من المطار. يوسف كان ماسك الدبدوب بتاعه بقوة وكأنه خايف يطير منه، ومريم كانت باصة من شباك العربية وساكتة خالص، بس الفضول والخوف باينين في عينها.

أحمد بصلي من الكرسي اللي جنب السواق وقال بصوت واطي: “يا سيادة العقيد، النيابة وهيئة الدفاع الاجتماعي مستنيين في القسم، وإحنا محتاجين نعمل تقرير باللي حصل، وعمهم اتوصلوا لركمه وبيكلموه دلوقتي.”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى