روايات وقصص

شبح الخوف ج3

— منور يا ياسين.. أخيرًا جيت لشقة طفولتك.

ياسين اتجمد مكانه أول ما شافني متكتفة، وعينيه تقابلت مع عينيا. شفت في عينيه كمية خوف وندم ووجع لا تُوصف، بس أول ما بص لصلاح، ملامحه تحولت لصخر.

— سيبها يا صلاح.. حسابك معايا أنا.

صلاح ضحك ضحكة شريرة:

— حسابي معاك؟ إنت فاكر نفسك إيه؟ إنت مجرد عيل أبوك كسر عينك وخلاك تخاف من ظلك طول عمرك! أنا اللي بنيت إمبراطورية أبوه، وأنا اللي أخدت كل حاجة واستحقتها!

محمود دخل ورا ياسين وقال بغضب:

— إنت خاين! أبويا كان مأمنك على كل حاجة!

— أبوكم كان جشع ومريض بالخوف! صرخ صلاح وهو بيرفع الأداة ناحية ياسين: أبوكم كان مستعد يضحي بابنه ياسين ويقنعه إنه مجرم وشيطان بس عشان توفيق ما يفضحش سر التزوير! إنتو كلكم ضحايا الخوف بتاع أبوكم.. بس أنا مش هسيبكم تهدوا اللي بنيته في عشرين سنة.

ياسين أخد نفس عميق، وقرب خطوة بالراحة.. من غير ما يخاف، ومن غير ما يتردد. صلاح ثبت الأداة على صدر ياسين:

— خطوة كمان وهأذيك يا ياسين!

ياسين بص للأداة، وبعدين بص لصلاح وقاله بصوت واطي وثابت زي الجبل:

— أنا قضيت عشرين سنة فاكر إن جوايا شيطان وبخاف من نفسي.. بس النهاردة بس عرفت إن الخوف الحقيقي هو اللي في عينيك إنت يا صلاح.

وفي لحظة خاطفة مش متوقعة.. ياسين اندفع لقدام بكل قوته وبسرعة يرعب، وضرب إيد صلاح اللي ماسكة الأداة! الصوت طلع في الهوا، والأداة اتطوحت على الأرض. محمود اتدخل بسرعة وزق صلاح لورا، وياسين هجم عليه ومسكه من ياقته وثبته في الحيطة بكل قوته، وعينيه كانت بتطلع شرار بس كان متحكم في نفسه تمامًا.

صلاح كان بيتنفس بالعافية ومصدوم من قوة ياسين:

— سيبني… سيبني يا ياسين!

ياسين قرب من وشه وقال بنبرة حسمت كل حاجة:

— أنا مش هأذيك.. مش لأنك ما تستاهلش، بس لأن أنا مش الشخص اللي إنت وأبويا حاولتم تقنعوني إني هو.

ياسين حدفه على الأرض لمحمود اللي مسكه وقيد حركة إيديه. ياسين جرى عليا بسرعة، وجمس على ركبه قدامي.. إيديه كانت بترتعش وهو بيفك الرباط عن بوقي ويقطع الحبال اللي على إيدي.

أول ما الحبل اتفك، رميت نفسي في حضنه وبكيت بكل طاعتي. مسك وشي بإيديه الاثنين وهو بيتنفس بصعوبة وبيتحقق إني كويسة:

— إنتِ كويسة؟ أذاكي؟ عملك حاجة؟

هزيت راسي وأنا بمسح دموعي وابتسمت وسط البكاء:

— أنا كويسة.. أنا كويسة طول ما إنت هنا.

ياسين ضم رأسي لصدره، وأنا سمعت دقات قلبه اللي كانت متسارعة، بس المرة دي ما كانش فيها خوف.. كان فيها راحة.

بعد ساعات..

البوليس جه وأخد صلاح بعد ما محمود قدم الأوراق والتسجيلات القديمة، وتوفيق جه وشهد بكل حاجة في النيابة عشان يرتاح هو كمان من ذنب الماضي.

الليل نزل تاني.. بس المرة دي الشارع كان هادي، والنور كان منور الشقة.

كنا قاعدين أنا وياسين في الصالة بعد ما كل حاجة هديت. كنت ماسكة كوباية شاي دافية، وياسين قاعد جنبي، حاطط إيده في إيدي وصوابعنا متشبكة.

بصلي وقال بصوت هادي أوي:

— النهارده.. لأول مرة في حياتي، أحس إني حر.

ابتسمت وقربت منه:

— وأنا لأول مرة أحس إن المستقبل ملكنا فعلًا.

ياسين بص للباب اللي اتصلح، وبعدين بصلي وقال بابتسامة خفيفة فيها أمل:

— تفتكري المكرونة اللي هعملها هتعجبك ولا أطلب دليفري؟

ضحكت بصوت عالي ورميت رأسي على كتافه:

— اعمل المكرونة يا ياسين.. الليلة دي، أنا متأكدة إن أي حاجة منك هتبقى حلوة.

وضمني ليه.. والمرة دي، ما كانش في أي خوف أو سر بينّا.. كانت دي بداية ليلتنا الحقيقية.

الضوء الذهبي كان بيملا البلكونة بالتدريج، والهوا الساقع بدأ يدفى مع شروق الشمس.

ياسين بصلي ابتسامة خفيفة، وبعدين سحب نفس طويل وعميق كأنه بيملا صدره بهوا جديد كليًا، هوا خالي من الشكوك والتقايل اللي كانت كاتمة على نفسه طول العشرين سنة اللي فاتوا.

— تعرفي يا ندى؟

— إيه يا ياسين؟

— أنا عمري ما شفت الشروق شكله حلو كده.. كنت دايمًا بحس إن كل يوم جديد مجرد حمل تاني مستنيني.

مسكت إيده بحنية وقلتله:

— عشان النهار ده طالع وإنت عارف حقيقتك.. مش الحقيقة اللي حاولوا يلبسوهالك.

سكت شوية، وبعدين طلع موبايله من جيبه. بص للشاشة لحظة، والمرة دي ملامحه ما اتغيرتش برعب أو قلق، كانت هادية ومتزنة.

— بتعمل إيه؟ سألته.

— ببعت رسالة لمحمود.. بصلي وابتسم: أظن جه الوقت إننا نبدأ نسامح.. مش عشانهم، عشان إحنا نستاهل نعيش مرتاحين.

كتب الرسالة وبعتها، وبعدين طفى الشاشة وحط الموبايل على الترابيزة. قرب مني، ومسك إيدي الاثنين ورَفَعهم لبوقه وباسهم ببطء.

— الليلة دي كانت أطول ليلة في حياتي.. بس أوعدك، من النهاردة مفيش أسرار، مفيش خوف، ومفيش هروب. لو في يوم حسيت بأي حاجة تعباني، هجيلك إنتِ أول واحدة.

— وأنا هكون مستنياك دايمًا.

قمنا وقفلنا باب البلكونة، والدنيا بره بدأت تصحي وتتحرك. المكان جوه الشقة كان دافي والهادي.. ولأول مرة من وقت طويل، ياسين مشي ناحية الأوضة وهو حاسس إن خطواته خفيفة، كأنه اتخلص من جبل كان شايله على كتفه.

وقفت عند الباب وبصلته بابتسامة:

— يلا بقى عشان ننام.. أظن إننا نستاهل ساعتين نوم بعد كل الفيلم الأكشن ده.

ضحك ضحكة صافية طالعة من قلبه، وقال وهو بيفتح دراعاته:

— ساعتين بس؟ أنا متهألي هنام يومين متواصلين يا ندى.. ولأول مرة، هنام وأنا مش خايف من ألم الكوابيس.

وقفت جنبه، وحسيت إن الهدوء اللي غمرنا ده مش مجرد لحظة عابرة.. ده كان إعلان حقيقي لإننا كتبنا نهاية الخوف، وبدأنا سوا أول حكاية حقيقية لينا.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى