
ركبت التاكسي وراجعة الشقة. طول الطريق ماكانش في دماغي غير صورة واحدة: وشه وهو بيقولي “وطي صوتك”. كان خايف من الفضيحة، وماكانش خايف من إنه .أول ما فتحت باب ، الريحة اللي كنت بشوفها “دفء البيت” بقت غريبة عني. العمر اللي شقينا عشان نجيبها ونفرشها حتة حتة. ودلوقتي اكتشفت إن دي بالنسبة له كانت مجرد محطة، أو يمكن المكان اللي بييجي يمثل فيه دور “الزوج المخلص” عشان يغطي على أسراره بره.
دخلت الأوضة، طلعت شنطة سفر كبيرة من فوق الدولاب. ما عيطتش، الغضب كان أقوى من أي دمعة. بدأت ألم هدومه… هدوم الدكتور المحترم. بدأت أفتش في جيوب البدلات، وفي درج المكاتب اللي كان دايماً مقفول بمفتاح وقولت لنفسي وقتها: “خصوصية شغله.”
فتحت الدرج بالمفك.
واللي لقيته جوا الدرج كان أكبر بكتير من اللي تخيلته.
دفتر شيكات باسمه وباسم “ريتشيل”، وعقود شقة جديدة متأجرة باسمهم في حي راقي، وكارت ميموري صغير.
حطيت الكارت في اللابتوب وأنا إيدي ثابتة. كان عليه تسجيلات وصور. صور ليهم في خطوبتهم، وصور وهو قاعد مع أهلها بيقرا الفاتحة، والأصعب… تسجيلات بصوته وهو بيكلمها ويحكيلها عن “مراته الراحلة”.
كان بيألف قصة كاملة!
كان بيقولها إن “كلير” ماتت وهي بتصارع المرض، وإن آخر أمنية ليها كانت إن دانيال يكمل حياته وما يعيشش لوحده!
استغل اسمي وقصة وفاتي المختلقة عشان يبان قدامهم شخص مخلص وحزين بيحاول يبدأ من جديد!
فجأة، الباب اتفتح.
دخل دانيال. وشه كان شاحب، هدومه مبهدلة، وداخل بسرعة وهو فاكر إنه هيلاقيني منهارة وبحاول أفهم منه اللي حصل.
لكن لما شافني واقفة جنب الدرج المفتوح واللابتوب قدامي، خطواته بطأت.
“كلير…” قالها بصوت متوتر وهو بيقفل الباب وراه. “أنا عارف إنك مصدومة… بس أرجوكي اديني فرصة أشرحلك. والله العظيم أنا بحبك أنتِ، اللي حصل ده كان غلطة… دوامة ودخلت فيها ومش عارف أخرج منها!”
بصيتله بمنتهى البرود، وقفت وربعت إيدي.
“غلطة؟ الغلطة دي إنك تشتري حاجة غلط، إنما تبني حياة كاملة على قصة عن موتي، وتقرا الفاتحة مع أهل ست تانية، وتدفع مقدم شقة جديدة من فلوس حسابنا المشترك… دي مش غلطة يا دانيال. ده ترتيب طويل ومدروس.”
قرب مني وهو بيحاول يمسك إيدي.
“أنا هنهي كل حاجة مع ريتشيل! هقولها إني مش قادر أكمل، وهختفي من حياتها، والفلوس هترجع… والله العظيم هترجع! بس بلاش تهدي بيتنا يا كلير، إحنا بقالنا حداشر سنة مع بعض!”
ضحكت.
ضحكة عالية ومريرة رنت في الصالة.
“بيتنا؟ أنت هديت البيت ده من ست شهور لما قريت الفاتحة بره. وبعدين تنهي إيه؟ أنتم متجوزين رسمي ولا في ارتباط موثق؟ الشيكات دي بتقول إنك عامل ترتيبات كاملة معاها!”
سكت.
وشه اتغير وما ردش.
“يعني أنت دخلت نفسك في مشاكل قانونية كبيرة بسبب اللي عملته.”
كملت وأنا ببص له بثبات:
“عارف ده معناه إيه؟ معناه إن الموضوع مش مجرد خلاف بين زوجين. فيه مستندات وحسابات وتسجيلات، وكل ده لازم يتراجع بالقانون.”
دانيال ملامح وشه اتغيرت تماماً في ثانية.
الرجاء اختفى، وظهر مكانه توتر واضح.
قرب مني بخطوات سريعة وقال:
“أنتِ فاكرة نفسك مين؟! فاكرة إنك هتقدري تقفي قدامي؟ الفلوس اللي في الحساب أنا اللي عاملها بشغلي، والاسم اللي بره ده اسمي أنا! لو فتحتي الموضوع، هخليكي تندمي إنك دخلتي في الحكاية دي!”
مسكني من دراعي بقوة.
“الورق ده واللابتوب ده مش هيخرجوا من هنا. وأنتِ هتقعدي هنا لحد ما أهدا وأعرف هتصرف معاكي إزاي.”
في اللحظة دي، دانيال نسي حاجة مهمة أوي.
نسي إن الست اللي حست إنها اتمسحت من الدنيا، ما بقاش عندها نفس الخوف القديم.
بصيت لإيده اللي ماسكة دراعي، وبعدين بصيت في عينيه وقلتله بكل ثبات:
“أنت فاكر إنني جيت الشقة هنا لوحدي؟”
بصلي باستغراب وهو مش فاهم.
صوت سرينة شرطة بدأ يعلى في الشارع تحت العمارة، وتوقفت العربية بالظبط قدام مدخل العمارة بتاعنا.
دانيال اتجمد مكانه، وعينيه اتسعت من الصدمة.
مسكته لدراعي خفت بالتدريج لحد ما سابني خالص.
“أنتِ… أنتِ عملتي إيه؟”
قالها وصوته طالع بالعافية.
“أنا أطول حاجة عملتها في التاكسي وأنا راجعة، كانت مكالمة لخالي.”
قلت وأنا بلم اللابتوب وبحطه في شنطتي بمنتهى الهدوء.
“خالي المستشار… فاكره؟ اللي أنت كنت دايماً بتقول عليه مثلك الأعلى؟ كلمته وحكيتله كل حاجة، وبعتله صور العقود والتسجيلات من الموبايل قبل ما أوصل هنا بمسافة. وهو بنفسه بلغ الجهات المختصة عن المستندات والمخالفات اللي اكتشفتها.”
خبطتين تقال، ورن جرس الباب بقوة هزت المكان.
دانيال رجع لورا خطوتين.
“كلير… بلاش! دي فضيحة! هتفضحي جوزك؟ هتضيعي مستقبلي عشان نزوة؟!”
“نزوة؟!”
صرخت فيها لأول مرة من ساعتها، لكن بصوت مكتوم مليان وجع:
“أنت بنيت حياة كاملة على قصة مش حقيقية عني، وخبيت عني تفاصيل كبيرة، وتقول لي نزوة؟ أنت اللي حطيت نفسك في الموقف ده يا دانيال… وأنا بس هسيب القانون ياخد مجراه.”
مشيت ناحية الباب وفتحته.
كان واقف ضابط ومعه اثنين من أفراد الشرطة، وخالي واقف وراهم، وملامحه كانت واضحة عليها الصدمة من اللي سمعه.
الضابط بصلي:
“حضرتك الأستاذة كلير؟”
“أيوه يا فندم.”
“دكتور دانيال موجود جوه؟”
شاور بيا على الصالة ورايا.
الضابط دخل، ودانيال كان واقف مش قادر يتحرك من مكانه.
الضابط قرب منه بهدوء:
“دكتور دانيال، مطلوب حضورك للتحقيق في بلاغ متعلق بمستندات ومعاملات مالية محل شك. اتفضل معانا بهدوء.”
“أنا… أنا دكتور جامعي! فيه غلط! المحامي بتاعي…”
دانيال كان بيتلعثم، بينما طلب منه رجال الشرطة أن يرافقهم.
وقبل ما يخرجوه من الباب، اتلفتلي.
كانت عينيه مليانة التماس ورجاء أخير.
لكن أنا بصيتله بهدوء.
“الشنطة اللي جبتها لك في عيد ميلادك…”
قلت وأنا بشاور على شنطة سفره المقفولة على الأرض.
“خدها معاك. أصلك بتحب تاخدها معاك في السفريات اللي مابترجعش منها.”
أخدوه ونزلوا، وصوت خطواتهم على السلم كان بيعلن نهاية حداشر سنة من وهم كبير كنت عايشة فيه.
بعد ست شهور…
القصة كانت قفلت فصولها تماماً.
دانيال خضع للتحقيق والمحاكمة في القضايا المتعلقة بالمستندات والمعاملات المالية، وانتهت الإجراءات القانونية وفق ما قررته المحكمة.
ريتشيل لجأت للقانون لإنهاء الارتباط الذي دخلت فيه بناءً على معلومات غير صحيحة، وأهلها وقفوا جنبها.
أما أنا…
فاسترديت حقوقي المالية، وحافظت على شقتي، ورفعت قضية طلاق للضرر، وأخدت حريتي.
في يوم، وأنا قاعدة في كافيه هادي على النيل بشرب قهوتي، لقيت واحدة بتقرب من طاولتي.
كانت ريتشيل.
وشها كان هادي، بس عينيها فيها نفس الندبة اللي في عينيا.
قعدت قدامي من غير ما تتكلم، وحطت كارت صغير على الطاولة.
“أنا مسافرة بره مصر بكرة،”
ريتشيل قالتها بصوت هادي أوي.
“بس ماكنتش أقدر أمشي من غير ما أقولك شكرًا… إنك صحيتيني قبل ما أكمل في طريق كان ممكن يغير حياتي كلها.”
بصيت للكارت، وبصيتلها وابتسمت.
ابتسامة خفيفة، لكنها كانت حقيقية لأول مرة من شهور.
“إحنا الاتنين عرفنا الحقيقة في الوقت المناسب يا ريتشيل.”
قلت لها:
“عشان نبدأ من جديد، ونختار حياتنا بإرادتنا.”
شربت قهوتي، وبصيت للنيل.
وكانت دي أول مرة من حداشر سنة أحس فيها إني بتنفس هواء نقي، هواء مفيش فيه ولا كذبة واحدة.
رجعت من الموت.
لكن الحقيقة إنني ما متّش أصلًا.
أنا بس رجعت أعيش من جديد.
#حكايات_شروق_خالد




