
حمزة ابتسم ابتسامة واطية خالص، ابتسامة ما وصلتش لعينيه الباردة، ورفع إيده التانية بالراحة يمسك طرف الهدوم الواسعة اللي كانت مدفونة جواه. صوابعه القوية ضغطت بخفة على القماش التقيل عند وسطها، وقرّبها منه خطوة كمان لحد ما بقت حاسة ببحارة جسمه والبرفان اللي بيخنق أنفاسها.
— «حمزة العطار ما بيغلطش في أسامي ولا في ديون يا مريم..» صوته كان هادي ورخيم بشكل يرعب: «أبوكي الله يرحمه دخل في لعبة أكبر منه مع نَاس ما بترحمش.. ولما الغرق جه لحد عنده، العيلة بتاعتي هي اللي شالت الشيلة، وهو اللي وقع الإقرار ده بخط إيده.. إقرار إن كل قرش هيترد، ولو هو مش موجود.. بنته المحاسبة الشاطرة هي اللي هتسدد.»
مريم بلعت ريقها بالعافية، وحست بركبتها بتسيب تحتها: «أنا.. أنا معاييش المبالغ دي! أنا مجرد مراجعة حسابات بغزل يومي بطلوع الروح! هجيبلك ملايين منين؟»
حمزة نزل بعينيه على وشها كله، بيتأمل كل تفصيلة صغيرة هي كانت فاكرة إنها مخفياها تحت الهودي والزعبوط: خدودها المحمرة من الخوف، عيونها العسلي الواسعة، وشعرها البني الناعم اللي نازل على كتافها.
— «مين قال إن الدفع هيبقي كاش؟»
الكلمة نزل عليها زي المية الساقعة في عز الثلج.
— «أنت.. أنت قصدك إيه؟»
— «قردك إنك من اللحظة دي شغلانتك الأساسية كشفت..» حمزة شال إيده من على دقنها ولف ضهره بالراحة بيمشي في الأوضة بخطوات واثقة، وعينيه بتتفرج على الشاشات والملفات: «الشركة اللي إنتي شغال فيها دي بتغسل أموالي، والمدير بتاعك ‘جمال’ كان ناوي يلبسك القضية زي ما أبوكي أتدبس زمان.. لو سبتك هنا، بكره الصبح هتكوني في النيابة أو مرمية في حتة مفيهاش صرصار أذن.»
لف لها تاني وبص لها بتملك حاد: «أنما معايا.. هتمسكي حسابات إمبراطورية العطار كلها. عينك هتبقى على كل مليم يدخل وكل مليم يخرج. وفي نفس الوقت.. هتكوني تحت عيني، في بيتي، وفي حمايتي.»
مريم صرخت بصوت مكتوم من الصدمة: «في بيتك؟! أنت أجننت؟ أنا عمر ما هروح معاك في حتة! خد الفلاشة دي وأمشي من هنا وسيبني في حالي!»
سحبت الفلاشة من جهاز الكمبيوتر بسرعة وحاولت تجري ناحية الباب، بس في ثانية واحدة كانت حركة حمزة أسرع من الخيال. سد الطريق قدامها بجسمه الرياضي الطويل، وإيده اتمدت بحركة خاطفة مسكت وسطها من فوق الهودي الواسع، ورفعها عن الأرض سنة وقربها منه تماماً.
— «أنا ما بطلبش إذنك يا مريم..» همس قدام وشها مباشرة، ونفسه الساخن ضرب في خدها: «أنا بعرفك القواعد الجديدة. يا إما تخرجي معايا دلوقتي بكرامتك وعلى رجليكي، يا إما هخلي رجالتي يشيلوكي زي ما إنتي كدة بالهدوم الواسعة دي وينزلوكي العربية.. اختاري بسرعة عشان وقتي بفلوس.»
مريم كانت بتتنفس بصعوبة، عينيها جت في عينيه الثلجية ولقيت فيهم إصرار رهيب، عرفت إن الراجل ده ما بيهزرش، وإن كلامه سيف على رقبتها.
سكتت لحظة، ودمعة واحدة نزلت من عينها العسلي، ومسكت في قماش الهودي بتاعها بإيدين بترتعش.
حمزة شاف الدمعة دي، وإبهامه أتحرك بتلقائية ومسحها من على خدها بالراحة، في حركة حنينة صدمتها وصدمته هو شخصياً، قبل ما يرجع لبروده ورسميته تاني.
— «شاطرة.. بتعرفي تفكري صح.»
مسك إيدها الناعمة جوة إيده القوية المتغطية بالقفاز الجلد، وشدها وراه بخفة وهو طالع من الباب المكسور بتاع الشركة، ورجالته الأثنين نازلين وراهم بجمود.
أول ما نزلوا الشارع في حر ليلة يوليو ورطوبة شارع المعز، كانت العربية المصفحة السوداء الواقفة مستنياهم. حارس فتح الباب الخلفي، وحمزة زقها بالراحة جوة، وقعد جنبه وقفل الباب.
العربية أتحركت في شوارع القاهرة الساكتة، ومريم كانت قاعدة متكومة جنب الشباك، ضامة ركبتها لصدرها ومغطية نفسها بالهودي الرجالي الكبير، خايفة وتبص له.
حمزة كان قاعد جنبها بيبص لها من القماش التقيل اللي هي مستخبية جواه، وقال بصوت هادي كسر السكوت:
— «قلعي الزعبوط ده من على راسك.. إنتي معايا دلوقتي، ومفيش مخلوق في البلد دي يقدر يبصلك بقلة أدب ولا يتريق عليكي وأنا موجود.»
مريم بصت له باستغراب وذهول، وما عرفتش هي ليه حست بأول لمحة أمان غريبة في حياتها بعد الكلمة دي.
حكايات شروق خالد




