
الكلام نزل عليا زي المة. “أقف جنبك؟ أنت مدرك أنت بتطلب إيه يا مراد؟ الناس دي كلها عارفة أنت مين، وأنا بالنسبة لهم ولا حاجة.. مجرد واحدة كنت بتخدم في مطعم من يومين!”
مراد خطى خطوة كمان، والمسافة بيننا بقت معدومة. بص في عيني بنظرة حادة زي السيف، بس جواها دفء غريب: “الناس دي تسوى عندي قشرة بصلة يا مريم. محدش يقدر يبص لك نص نظرة وأنا واقف جنبك. الحفلة دي مش عزومة.. الحفلة دي رسالة. رسالة لكل حوت في البلد دي إنك خط أحمر، وإن اللي يفكر يمسك بحرف.. حسابه معايا أنا.”
سكت شوية، ورجع لورا سنة، صوته هدي تاني: “مش هجبرك. لو مش عايزة تيجي، هسيبك هنا وأنا اللي هروح أخلص الشغل ده بنفسي. بس وجودك جنبي الليلة دي هيوفر عليا معارك كتير قوي.”
لقيت نفسي محتارة بين قلبي اللي بدأ يطمن لوجوده، وبين عقلي اللي بيصرخ وبيقولي إن الشارع ده خطر عليا. بس نظرة التحدي اللي في عينيه خلتني أرفع رأسي وأقوله: “أنا مش خايفة منهم.. بس بشرط واحد.”
ابتسم ابتسامة خفيفة ورفع حاجبه: “شرط إيه؟”
“أختي هند تبقي معايا أو أطمن عليها بنفسي قبل ما نتحرك.”
طلّع تليفونه فوراً وداس على رقم، وبعد ثواني أداهولي: “كلميها.”
أول ما سمعت صوت هند وهي فرحانة ومبهورة بالشقة الجديدة وبالمكان، حسيت جبل انشال من على صدري. قفلت معاها وبصيت لمراد: “أنا جاهزة.”
الساعة تمانية بالليل، الباب خبط. أمينة دخلت ومعاها فستان أسود بسيط جداً بس راقي لأقصى درجة، وميك أب خفيف. لما لبسته وبصيت في المراية، مكنتش مصدقة إن دي أنا.. مريم اللي كانت بتجري في المطبخ بين ريحة الزيت والصحون المكسورة.
نزلت الدور اللي تحت، لقيت مراد واقف عند الأسانسير. كان لابس بدلة سودة سموكنج، شعره متسرح بظبطة حادة، وباعث منه هيبة ترعب. أول ما شافني طالعة، عينيه وسعت وسكت ثواني.. كأن الكلام هرب منه.
قرب مني ومسك إيدي بالراحة، وحطها على ذراعه: “جهزي نفسك.. من اللحظة دي، مفيش حد يقدر يوطي عينيكي.”
وصلنا الفندق الفخم في جاردن سيتي.
أول ما أبواب القاعة الرئيسية اتفتحت ودخلنا، الصوت في القاعة كلها اتعلم عليه “ميوت”.
الكل سكت. الكاميرات وبصات رجال الأعمال، الشخصيات المهمة، والستات اللي لابسين ألماسات بالشيء الفلاني.. كلها اتوجهت ناحيتنا. الهمسات بدأت تنشر في القاعة زي النار في القش: “مين دي؟” “دي الست اللي مراد الراوي جاي معاها؟”
مراد كان ماشي بثبات رهيب، وايده قابضة على إيدي بأمان.
وفجأة، راجل كبير في السن، شعره أبيض وعينيه حادة زي الصقر، اعترض طريقنا. كان حاطط إيده في جيبه، وحواليه أربعة حراس.
مراد وقّف، وجسمه كله اتشد.
الراجل العجوز بص لي من فوق لتحت بنظرة تقليل واستخفاف، وبعدين بص لمراد وابتسم ابتسامة صفرا: “أهلاً مراد باشا.. كبرت وبقيت بتجيب معاك هدايا ناعمة الحفلات الرسمية؟ بس يا ترى.. الهدايا دي يستحملوا السخونية اللي جاية؟”
إيدي اترعشت على ذراع مراد، بس مراد ما تحركش شعرة واحدة.
مال على الراجل العجوز، وقال بصوت واطي جداً بس كل اللي واقفين سمعوه: “الهدايا دي يا سليم باشا.. هي اللي هتفرمت إمبراطوريتك لو فكرت بس تهف عليك نفسك وتلعب معايا بأسلوبك القديم.”
سليم ابتسامته اختفت تماماً، ووشه اتغير للون الأصفر.
وفجأة، الجرسون معدي بكاسات عصاير، ومراد مسك كاس ومدّهولي، وقالي وهو باصص في عين سليم باشا مباشرة: “اشربي يا مريم.. الحفلة يلا بدأت.”
سليم باشا سكت تماماً، وعينيه بقت بتطلع شرار، بس ما قدرش ينطق بكلمة واحدة. خطى لورا بخطوات بطيئة وهو بيبص لمراد بنظرة تهديد صريحة، وبعدين اختفى في وسط الزحمة هو والحراس بتوعه.
أنا مسكت كاس العصير وإيدي لسه بعش، وبصيت لمراد بصوت واطي جداً: “مين ده يا مراد؟ وليه بيبص لي بالطريقة دي؟”
مراد ميل عليا، وإيده التانية اتفتحت بالراحة ولمست ظهري بأمان، وقالي بنبرة هادية تماماً: “ده سليم الخولي.. رأس الأفعى في السوق ده كله، والراجل اللي كان فاكر إن مصر ملكه لحد ما أنا ظهرت. ومسيرته هتنتهي قريب جداً.”
“هو كان بيقصد إيه بكلمة ‘السخونية اللي جاية’؟”
ابتسم مراد ابتسامة خفيفة وحادة، وفي عينيه لمعة تحدي مة: “كان بيحاول يخوفك.. بس هو نسى إنك مش لوحدك.”
طول الحفلة، مراد ما سابش إيدي دقيقة واحدة. كل رجل أعمال كبير، كل شخصية لها وزن في البلد، كان بيجي لحد عندنا يسلم على مراد، ومراد كان بيعرفني عليهم بكلمة واحدة قاطعة: “مريم.. خطيبتي.”
كل كلمة “خطيبتي” كانت بتنزل عليا زي الة، بس مكنتش بقدر أعترض أو أتكلم قدام الناس. البصات اللي كانت موجهة لي اتغيرت من نظرات استخفاف لنظرات احترام وخوف.. الكل كان فاهم إن أي كلمة أو حركة غلط معايا معناها نهاية شغلهم مع إمبراطورية مراد الراوي.
على الساعة واحدة بالليل، الحفلة بدأت تفضى.
مراد أخدني وطلعنا على العربية. طول الطريق للبيت، السكوت كان سيد الموقف. أنا كنت بصة من الشباك على شوارع القاهرة الفاضية، ودماغي بتلف في ألف فكرة.
أول ما وصلنا العمارة في جاردن سيتي وطلعنا الدور السابع قدام باب شي، وقفت وبصيت له: “خطيبتك يا مراد؟ إنت أعلنت ده قدام مصر كلها من غير ما تسألني حتى؟”
مراد سَنَد إيده على الحيطة جنب الباب، وبص لي بعيون دافية ومفهومة: “سليم الخولي كان ناوي يضربك عشان يكسرني يا مريم. الإعلان ده هو درعك الوحيد دلوقتي. محدش في البلد دي يجرؤ يمس شعر من خطيبة مراد الراوي.. حتى لو كان سليم نفسه.”
قرب مني خطوة، وصوته نزل لدرجة الهمس: “أنا مش بجبرك على حاجة.. لو اللعبة دي تخلص والشر ده ينتهي، وطلبتي مني أمشي أو نلغي كل ده.. هعمل كده. بس لحد اللحظة دي، إنتي أمانك عندي فوق أي حاجة.”
كنت حاسة بإخلاصه، حاسة إن الراجل ده مستعد يضحّي بأي حاجة عشان يضمن إن ما حدش يمسني بسوء.
فتحت باب الشقة، وقبل ما أدخل، التفت له وقلت بصوت واطي: “شكراً يا مراد.. عشان حميتني النهاردة.”
ابتسم ابتسامة حقيقية، لأول مرة ألمحها على وشّه من غير أي جمود: “تصبحي على خير يا مريم.”
دخلت وقغلت الباب، وقعدت وراه وأنا بحط إيدي على قلبي اللي كان بيلف وبيدق بسرعة.
وفجأة.. تليفوني يرن.
رقم غريب ومش معروف.
ترددت ثواني، وبعدين رديت بصوت خايف: “ألّو؟”
جالي صوت راجل عجوز، نبرته خبيثة وباردة زي التلج.. صوت سليم الخولي:
“مساء الخير يا عروسة.. فاكرة إن مراد يقدر يحميكي مني؟ ياريت تبصي من شباك البلكونة اللي بصص على النيل دلوقتي.. عشان تشوفيني وأنا ببعتلك أول هدية مني.”
جريت على البلكونة برعب، وبصيت تحت على النيل.. لقيت عربية مراد السودة واقفة تحت العمارة، وفةأأ، وصوت الاجار هز جاردن سيتي كلها!
#حكايات_شروق_خالدالنار كانت بتعلى والسحاب الأسود غطى على نور النيل كله، وصوت الانر هز أركان العمارة لدرجة إن الزجاج بتاع الشباك اتشرخ قدامي.
صرخت بأعلى صوت عندي: “مراااااد!”
رميت التليفون من إيدي وجريت على الباب زي المجنونة. فتحت الباب وطلعت أجري على السلم، مش مستنية حتى الأسانسير، دموعي مغرقة وشي وقلبي كان هيقف من الب.. الفكرة بس إن مراد ممكن يكون كان جوة العربية أو قرايب منها كانت كفيلة إنها تموتني في مكاني.
نزلت الست دورات جري، وأول ما فتحت باب العمارة الرئيسي وطلعت على الشارع، لقيت الناس بتجري والنار مسكة في العربية الفخمة بشكل يرعب.
“مراد! مراد أنت فين؟!” بقيت أصرح في وسط الناس والزحمة وأنا بدور عليه زي الضايعة.
وفجأة، إيد قوية ودافية مسكت معصمي وشدتني لورا بعنف وحضنتني.
سحبت نفسي بذهول وبصيت.. كان مراد!
بدلته السموكنج كانت متوسخة براب وفيه جرح صغير بيجيب دم عند حاجبة، بس كان واقف على رجليه، وعينيه السودة كانت بتلمع بغضب وجنون ما شفتهمش قبل كده في حياتي.
“أنا هنا يا مريم.. أنا بخير،” قالها وهو بيشدني لحأكتر وإيده بتترعش على ظهري، “ما تخافيش.. أنا برة العربية.”
انهارت في العياط ومسكت في جاكيتته بكل قوتي: “أنا افتكرتك جراك حاجة.. سليم الخولي كلمني! قال لي بصي من الشباك!”
أول ما نطقت اسم سليم الخولي، جسم مراد اتخشب كأنه تحول لحديد. مسك وشي بإيديه الاتنين وبص في عيني بصرامة ي أي حد: “قال لك إيه تاني؟ اتكلمي يا مريم!”
“قال لي إنك مش هتقدر تحميني.. وإن دي أول هدية منه!”
مراد بلع ريقه بغل، ولفت وشّه للراجلين بتوعه اللي جم يجروا عليه وهم مرعوبين ومطاطين رؤوسهم.
“حسن!” زعق مراد بصوت هز الشارع كله، “هات العربية التانية فوراً. سليم الخولي فتح أبواب جهنم على نفسه النهاردة، واللعب على الهادي خلاص انتهى.”
حسن جاب عربية دفع رباعي مصفحة في أقل من دقيقة. مراد فتح الباب وركبني جوة، وقفل الباب وقعد جنبي وهو بيطلع تليفون تاني من جيبه وبيدوس على أرقام بسرعة.
“تجمع لي كل الرجالة في جاردن سيتي والمعادي،” قال مراد في التليفون بنبرة أبرد من التلج وأشد من السيف، “ومقر شركات سليم الخولي في التجمع.. يتشمع من بكرة الصبح. أي بضاعة طالعة باسمه على الميناء تقف. والولاد بتوعه اللي في السوق.. يتلموا كلهم الليلة دي.”
قفلت السكة وبص لي. كنت قاعدة بستفرغ من كتر الخوف والرعب، مسك إيدي المربوطة بالشاش وحطها بين إيديه الاتنين بالراحة.
“آسف يا مريم.. آسف إنك شفتي اللقطة دي،” قالها بصوت وطي قوي، مليان ندن ووجع.
“إحنا رايحين فين يا مراد؟ الشقة دي خلاص مش أمان!”
ابتسم ابتسامة حادة وشرسة: “إحنا مش رايحين الشقة.. إحنا رايحين المكان الوحيد في مصر اللي محدش يجرؤ يوصل له.. العزبة القبلية بتاعة عيلة الراوي.”
العربية مشيت بسرعة جنونية في شوارع القاهرة الضلمة، وحوالينا أربع عربيات حراسة قافلين علينا الطريق من كل جهة.
وبعد ساعة ونص، وصلنا لمنطقة صحراوية على أطراف الجيزة، قدام بوابات حديد ضخمة ومحاطة بأسوار عالية وعليها أبراج حراسة ورجالة شايلين سلاح.
البوابات اتفتحت، ودخلنا القصر القديم بتاع عيلة الراوي.
مراد نزل وفتح لي الباب، ومسك إيدي ونزلنا. أول ما دخلنا الصالة الرئيسية، لقيت أختي هند طالعة تجري عليا وهي بتبكي وحضي: “مريم! إنتي كويسة؟ الرجالة جابوني هنا من ساعتين وقالوا لي إن فيهطر!”
حضنت هند وأنا بطمنها، ومراد كان واقف ورايا بيبص لنا بهدوء.
لفت وشي له وقلت له: “وبعدين يا مراد؟ هيفضل يتتبعنا ونفضل نجروا ونستخبوا في حصون؟”
قرب مني ووقف قدامي مباشرة، وحط إيده على باب القصر، وقال بصوت حاسم قاطع:



