منوعات

خطيبي النصاب#حكايات_شروق_خالد

آخر حاجة قالها خطيبي قبل ما يقفل عليا الباب برة في التلج والدنيا بتُمطر تلج ودرجة الحرارة تحت الصفر كانت: “يمكن لما تتكتكي من البرد شوية تعقلي وتربي نفسك.”
بعدها مسك مج الشاي بتاعه، وابتسم ببرود من ورا الإزاز، وطفى نور المطبخ.
لقدم كام ثانية، وقفت على السلم الحديد بتاع المنور في الدور الثالث لشقتنا في المعادي وأنا هتموت وأصدق إنه هيرجع يفتح.
كان لازم يرجع.
الناس بتتخانق وتقول كلام يدبح. الناس بتهبد الأبواب وتنام على الكنب.
بس محدش بيسيب خطيبته وبنت ناس بالليل حافية في الثلج، ببنطلون بيجامة قطن وتيشرت رمادي خفيف، في جو الهواء فيه بينفخ وبيصرخ والحديد بتاع السلم بيتهز من شدته.
“حسام!”
خبطت على الإزاز بكفوف إيدي الاتنين.
صوابعي كانت خلاص بدأت تتجمد وتوجعني.
من جوة، المطبخ كان دافي والأنوار هادية. عشاء الفالنتين بتاعنا محطوط زي ما هو على الرخامة. قطعتين ستيك. بطاطس محمرة. وحتة التورتة الشوكولاتة الصغيرة اللي اشتريتها وأنا راجعة عشان حسام اشتكى إن المخبز اللي جنب شركته مبيعملش أي حاجة “تستاهل اللخبطة في الدايت.”
تليفوني رن في جيبي.
طلعته بصوابع مش حاسة بيها.
حسام كان باعتلي رسالة.
فكري في الكلام اللي قلتهولك. مش طلب تعجيزي يعني إنك تنزلي 10 كيلو قبل الفرح.
بصيت للرسالة وأنا مش مصدقة العبط.
وبعدها وصلت رسالة تانية.
أنتِ عايزة تثبتي إنك مش محتاجة حد يقولك إيه الصح والمفيد ليكي؟ اعتبري القعدة برة دي تشجيع ودافع.
في حاجة جوايا اتكسرت فاتفشخت قبل ما البرد يلحق يكسر عظمي.
من ثلاث سنين، حسام عبد الرحمن قال لي إنه بيموت في ضحكتي عشان بتملى الشارع حيوية.
من سنتين، قال إنه بيحب إني بآكل براحتي ومش زي البنات اللي بيلقطوا خس وزبادي في الخروجات.
من سنة، وبعد ما أخد ترقية في شركة الشحن والملاحة اللي شغال فيها، بدأ يتنطط ويعدل الطريقة اللي بطلب بيها الأكل.
وبعدين بقى يتأمر على اللبس.
وبعدين الصور.
وبعدين جسمي وشكلي.
اشترالي مشاية في عيد ميلادي.
غير صور الخطوبة اللي كنت بحبها عشان -على حد كلامه- وشي كان طالع فيها “مكلبظ زيادة عن اللزوم.”
وفي مرة مد إيده على الترابيزة في المطعم وشال طبق العيش من قدامي قدام اتنين من صحابه في الشغل وشكسني بكلام يكسف.
وبطريقة ما، زي أي واحدة بتتعود على العتمة بالتدريج، كنت برقع وألاقي مبررات.
مضغوط في الشغل.
توتر الفرح والمصاريف.
خايف عليا.
بيحبني بس حمار مبيعرفش يعبر.
في الليلة دي، لما قلتله إني مش هقضي الأربع شهور الجايين عايشة على مية وبروتين عشان صحابه بتوع النادي يعجبهم شكل الصور، ضحك بتريقة.
قلتله إني تعبت وخلاص مش هسمحلك تهينني تاني.
وشه اتغير وجاب أخرة.
فتح باب المنور.
افتكرته رايح يشم هوا ولا يهدى.
لكنه زقني برة في البرد وقفل التكالون بالترباس.
والتلج والجو كان بيسوأ أكتر وأكتر.
“حسام!” صرخت بعلو صوتي.
في خيال عدى من قدام الشباك.
لثانية جالي أمل وافتكرت إن ضميره صحي وهيرجع يفتح.
بس لقيتها رفع تليفونه.
فلاش الكاميرا ضرب في وشي.
كان بياخدلي صورة.
فضيحتي.
كسرتي.
سناني بدأت تخبط في بعضها من الثلج لدرجة إن فكي كان هيتخلع.
طلبت النجدة.
الشبكة كانت شرطة واحدة.
وبعدين طارت خالص.
حاولت تاني.
“تمت إخفاق المكالمة”.
بصيت تحت من الدور الثالث.
الشارع الجانبي كان نفق أبيض وميت. صناديق الزبالة متغطية بالثلج. ونور اللمبة بتاعة السور بيلف مع الهواء.
وعلى جنب الشارع، مستخبية نص استخباء جنب مخزن قديم ومقفل، كانت فيه عربية سوداء فارهة ومفيمة محركها شغال داير.
أنوارها كانت مطفية خالص.
فاكرة إني استغربت جداً.
في حد جوة العربية.
قاعد بيراقب.
في الوقت ده، مكنتش فاهمة إن الراجل اللي قاعد في العربية ده كان واقف بيراقب العمارة بتاعتنا بقاله يجي أربع ساعات.
ومكنش جاي عشاني أنا خالص.
هو كان جاي عشان حسام.
حكايات شروق خالد
أنا اسمي شروق. كان عندي ثلاثين سنة في الشتاء ده، وشغالة محاسبة قانونية وجنائية في مكتب استشارات في وسط البلد، ولحد الليلة دي كنت فاكرة إن أكبر مصيبة عملتها في حياتي هي إني اخترت راجل غاوي يكسر نفسي ويخليني أكسف من جسمي.
بس طلعت عبيطة.
حسام عمل بلاوي أوسخ بكتير من مجرد كلام وقاحة.
استغلني.
استغل اسمي.
كمبيوتري وشغلي.
وبياناتي والختم بتاعي.
وأنا قاعدة بتجمد بالبطيء على السلم ده، كان بيجهز خطة عشان يستغل موتي أنا كمان.
الوجع اللي في صوابعي اختفى فجأة.
الموضوع ده رعبني أكتر من الوجع نفسه.
أمي الله يرحمها كانت من الصعيد وبتحذرني دايماً من البرد القارص.
لما التنميل يروح وييجي مكانه مفيش.. تعرف إنك دخلت في المزيقة.
ولما جسمك يبطل يرعش.. اعرف إن السر الإلهي بيطلع.
أنا الرعشة كانت بتبطأ عندي فعلاً.
اتسحبت ونزلت بجسمي لحد ما قعدت على حديد السلم.
“أوعي تنامي يا شروق، خليكي صاحية،” قلت لنفسي بصوت واطي.
التلج بدأ يتجمع على شعري ورموشي.
حاولت أفكر في أي حاجة دافية.
مطبخ بيت أبيا في المقطم.
كوباية الشاي بالنعناع.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى