
داغر بدأ يفوق من البنج ببطء. فتح عينيه، وأول حاجة دور عليها في الأوضة كانت أنا.
قربت من السرير ببطء، وفي إيدي الظرف البني والعينة الطبية المقفولة اللي سحبتها من الخزنة. حطيتهم على الترابيزة جنبه، وقلت بصوت واطي وناعم:
“الشرطة والمباحث برة يا داغر.. التقرير ده والعينة هيثبتوا رسمياً إن المرشدي هو اللي ورا قتل مرتك وتسميمها، وقضيتك اتقفلت للأبد.. أنت بقيت حر، وأنا أديت الأمانة اللي كانت في رقبتي.”
داغر رفع إيده السليمة بالراحة، ومسك صوابعي وضمها بقوة ودفء، وقال بصوت مبحوح ودافي هز كياني:
“القضية اتقفلت يا فريدة.. بس حكايتنا إحنا يلا بدأت. أنتِ فاكرة بعد كل اللي عشناها ده هسمح لك ترجعي تلبسي البالطو الأخضر وتختفي تاني؟”
بصيت في عينيه بثبات وابتسمت وسط دموعي:
“وأنت فاكر إن المعلم داغر النصّار يقدر يستغنى عن العيون اللي بتحمي ضهره؟”
داغر شد إيدي عليه وابتسم ابتسامة هادية ومظلمة مليانة حب وقوة:
“ولا ثانية واحدة يا دكتورة.. ولا ثانية واحدة.”
مرت ستة أشهر على الليلة دي..
شوارع القاهرة كانت أهدى بكثير، واسم “المرشدي” اتمسح تماماً من السوق بعد ما النيابة أفرزت التقرير والعينات الطبية، وإمبراطورية “داغر النصّار” بقت في أوج قوتها، بس المرة دي.. القوة دي كان ليها وجه ثاني خالص.
في الدور الـ 47 في برج النصّار، كانت الشمس بتبدأ تغيب على نيل القاهرة، والمكان اللي كان زمان ساحة حرب ومكان بارد ومليان شك، بقى دافي وهادي.
كنت واقفة قدام الشباك الزجاجي الكبير، لابسة فستان أبيض بسيط، ومفيش في إيدي بالطو تمريض ولا ساعة بنبضات مرتجفة.. كان فيه خاتم ماسي بسيط بيلمع في إيدي الشمال.
داغر مشي بخطواته الهادية والموثوقة من ورايا، ولف إيديه حوالين وسطي وثبت دقنه بالراحة على كتفي. أنفاسه الدافية لمست رقبتي وقال بنبرة مليانة حنية ورقة عمر محدش في السوق يصدق إنها تطلع من “المعلم داغر”:
“سرحانة في إيه يا دكتورة؟”
لفت وابتسمت وأنا ببص في عينيه المظلمة اللي بقت مليانة أمان ورومانسية:
“بفكر في السنتين اللي قضيتهم في العيادة تحت.. لو حد كان قال لي إن الفستان الأحمر اللي اشتريته عشان أستخبى بيه، هو اللي هيخليني ملكة المكان ده كله، ما كنتش هصدق.”
داغر ابتسم ابتسامة هادية ورفيعة، وأطراف صوابعه مسحت شعري ببطء:
“أنتِ ما استخبيتيش يا فريدة.. أنتِ جيتي في الوقت اللي كنت فيه غرقان في الضلمة والشك، وكنتِ الوحيدة اللي شايفاني على حقيقتي. أنتِ مش بس حليتي لغز قتلت مراتي ونقذتي حياتي.. أنتِ رجعتيلي نفسي.”
قرب مني أكتر، وهمس بصوت واطي ودافئ هز كل كياني:
“من النهاردة.. مفيش مستشفى، مفيش خيانة، ومفيش حد يقدر يمس منك شعرة. أنتِ بقيتي شريكتي في كل حاجة.. في الاسم، وفي الملك، وفي القلب.”
مسكت في جاكيت بدلته وابتسمت بصدق:
“وأنت بقيت أملاكي يا داغر.. وحمايتي اللي مش هفرط فيها أبداً.”
وداغر ميل ودمج نظراته بنظراتي، في لحظة أعلنت النهاية الحقيقية للحرب.. وبداية حكاية جديدة مليانة حب وأمان في قلب القاهرة.
النهاية 🌹




