روايات وقصص

سِرٌّ في الشُّرْفَة .ج1 . حكايات_شروق_خالد

أرجوك متصدقش الست دي،” همست البنت الصغيرة—عُمر زعيم العائلة بص لخطيبته بالراحة وببطء. البنت الصغيرة شدت كم عُمر مرتين قبل ما ياخد باله منها. ولما وطي لها في الآخر، أمارة قربت بقها من ودنه وهمست بمنتهى الجدية والخوف اللي مش ممكن يطلعوا غير من طفلة عندها ثلاث سنين بتقول جملة هي تقريباً مش فاهماها:”أرجوك متصدقش الست دي.”في الناحية الثانية من القاعة، خطيبة عُمر رفعت كاس العصير وابتسمت له.

هو مابتسمش. لثانية واحدة، الستين ضيف اللي كانوا في حفلة خطوبته اختفوا تماماً. صوت الكمانجة اللي جنب الفراندة بقى مجرد دوشة بعيدة. ريحة الورد البلدي وهواء النيل خفوا من حواليه. حتى وزن خاتم العيلة الفضة في إيده اليمين بقى تقيل وفجأة حاسس بيه قوي. عُمر بص لأمارة.”أني ست؟”البنت شاورت بإيدها.

في وشهم على طول. على فريدة. صدر عُمر اتخنق والأنفاس وقفت. فريدة كانت واقفة جنب الشباك الكبير لابسة فستان حرير أوف وايت، حاطة إيدها على وسطها برقة. كانت بتسمع لراجل وست كبار في السن بيتكلموا، وقفتها كانت هادية وابتسامتها دافية بنفس البساطة اللي عُمر حبها فيها على مدار الستة عشر شهر اللي فاتوا. عينيها جات في عينيه.

ابتسامتها وسعت. عُمر فضّل باصص لها وقت أطول من العادي بكتير. بعدين اتلفت للبنت تاني.”أمارة.”كانت ماسكة لعبة خروف صغير من ودنه.”نعم؟””ليه قلتي كده؟”وشها بقى جاد جداً.”أنا سمعتها.””سمعتيها بتعمل إيه؟””التليفون.”عُمر لمح طرف القاعة. كانت أم أمارة، فاطمة، بتلم الكبابي الفاضية من على ترابيزة جنبية.

كانت شغالة في السرايا بقالها سبعة أشهر، وقضت الليلة كلها بتحاول بكل الطرق تبعد بنتها عن الضيوف من غير ما تحسس الطفلة إنها عاملة حاجة غلط لمجرد إنها موجودة. فاطمة لمحت عُمر وهو بيتكلم مع أمارة. القلق ظهر على وشها. عُمر رفع إيده بحركة خفيفة. مش دلوقتي. أخد أمارة وطلعوا على التراس المفتوح حيث صوت المزيكا والدوشة يداري كلامهم. هواء الجو في أواخر الصيف فوق النيل كان دافي ورطب.

وتحت الجنينة، المية كانت بتتحرك في الضلمة بتلمع تحت أنوار السرايا. عُمر وطي على ركبه.”ماشي.””فريدة قالت إيه؟”أمارة بصت ناحية القاعة كأنها بتتأكد إذا كانت الست تقدر تسمعها ولا لأ. وبعدين همست:”قالت لما الجواز يحصل، كل حاجة هتتغير.”عُمر حس بقشعريرة باردة نازلة في ظهره.”وقالت إيه تاني؟””قالت…”البنت ركزت، وحواجبها اتعقدت.”هو مش هيشوفها.””مش هيشوف إيه؟

“”مش عارفة.””قالت اسمي؟”أمارة هزت رأسها.”عُمر.”اسم طالع منها مقطع ومتلخبط.”كانت بتتكلم مع مين؟””عمو في التليفون.”رغم كل حاجة، عُمر كان هيجيب ابتسامة.”تعرفي اسم العم ده؟””لأ.”أمارة حضنت اللعبة.”كانت زعلانة ومغلولة.””عرفتي منين؟””وشها.””وشها كان عامل إزاي؟”أمارة قلبت وشها عشان توريه.

عينيها ضاقت. وبقها اتشد. وفجأة غيرت التعبير لابتسامة كبيرة.”بعدين شافتني.”حاجة جوة عُمر اتشدت.”ابتسمت لك؟”أمارة هزت رأسها.”مزيفة.”الكلمة دي وقفته. العيال الصغيرة بتقلد الكبار. وبيرددوا الكلام غلط. وبيخلطوا بين إمبارح والنهارده. هو عارف كده كويس. والأهم من ده، كان عارف إيه اللي بيحصل لما رجالة تقال يقرروا إن الشك هو الحقيقة لمجرد إن الشك بيخوفهم.

أبوه بنى نص هيبة العيلة بالطريقة دي. وعُمر قضى ست سنين بيحاول ميكررش الطريقة دي.”هي فريدة قالت لك متقوليش حاجة؟”أمارة هزت رأسها.”لأ.””حد قالك تعالي قولي لي؟””لأ.””أمك؟””لأ.”هز رأسه.”تمام.”فاطمة قربت منهم.”يا عُمر بيه؟”صوتها كان مهزوز وحذر.”في حاجة حصلت؟””لأ.”عُمر وقف.

فاطمة بصت لأمارة.”عملتي إيه؟””معملتش.”عُمر رد قبل ما البنت تتكلم. عينين فاطمة اترفعوا له.”يا بيه؟””هي معملتش أي حاجة غلط.”أمارة اتسندت على جيبة أمها. عُمر بص تاني من ورا الزجاج. فريدة كانت بتضحك دلوقتي. مبسوطة ومرتاحة تماماً. على طبيعتها تماماً. أو يمكن ممثلة شاطرة ومتقنة دورها تماماً. وكره الفكرة دي أول ما جائت في باله.

حكايات_شروق_خالدمشى عُمر ناحية التراس وهو بيعدل أزرار أكمامه، وعينيه مثبتة على فريدة من وراء الزجاج. كانت واقفة بتتكلم مع الحاج توفيق، واحد من كبار التجار في السوق واللي كان له دايماً حسابات مع أبوه الله يرحمه. فريدة كانت بتومئ برأسها باهتمام، وابتسامتها مرسومة بدقة متناهية، وكأنها مرسومة بريشة فنان مش ممكن يغلط. دخل القاعة تاني. المزيكا المصرية الراقية كانت مالية المكان، وصوت الضحكات والكاسات بيخبط في بعضه.

كل الناس هنا شايفين عُمر باشا ومبروك عليه العروسة زينة البنات. بس بالنسبة لعُمر، الصوت كله بقى طنين مش مفهوم. قرب منها بالراحة. لما حسّت بيه، اتلفتت له وعينيها لمعت بشغف غريب:”كنت فين يا عُمر؟ الحاج توفيق كان بيسال عليك.”عُمر بصلها بتركيز، يحاول يقرا أي حاجة في ملامحها، أي خيط يثبت أو ينفي كلام أمارة.”كنت بره في التراس، الجو كان خنقة جوة.

“سألها بصوت هادي وهو بيمد إيده يمسك إيدها:”تليفونك فين يا فريدة؟”فريدة برشت بعينيها لثانية—ثانية واحدة بس، لكن بالنسبة لراجل اتربى في وسط السوق وحسابات العائلات الكبيرة، الثابت فيها أطول من السنين—وبعدين ابتسمت بإنكار لطيف:”تليفوني؟ في شنطتي مع الصالون جوة.. ليه؟ مستني مكالمة مهمة ولا إيه؟””لأ، مجرد سؤال.” قالها عُمر وهو بيسيب إيدها ببطء. في اللحظة دي، دخل إبراهيم، دراعه اليمين والرجل اللي بيعتمد عليه في كل صغيرة وكبيرة

إبراهيم قرب من عُمر ومال على ودنه بصوت واطي جداً:”يا باشا.. العربيات اللي جاية من بورسعيد بضاعتها اتفتشت في السكة، وفي كلام مش مظبوط طالع من الجماعة هناك.”عُمر مغيرش ملامح وشه، بس قلبه دق بسرعة. الشحنة دي محدش كان يعلم بميعادها ولا خط سيرها غير ثلاثة بس: هو، وإبراهيم… وفريدة، لما طلب منها تبص على أوراق التخليص الجمركي الأسبوع اللي فات بصفتها محامية العيلة الجديدة.

تذكر كلام الطفلة فوراً: “قالت لما الجواز يحصل، كل حاجة هتتغير.. هو مش هيشوفها.”بص لفريدة، كانت لسه واقفة بتشرب العصير وبتبص له بنظرات كلها حنية واهتمام. قرب منها عُمر تاني، ونزل لمستواها وواجهها بنبرة هادية بس تقيلة:”فريدة.. هو ميعاد الفرح بتاعنا إمتى بالضبط؟”ضحكت بصوت واطي وقالت:”إيه يا عُمر، نسيت؟ بعد شهرين زي ما اتفقنا.

“عُمر هز رأسه، وابتسم ابتسامة صلبة خالية من أي دفء، وقال بصوت واطي يوصل لها هي بس:”شهرين كتير قوي يا فريدة.. خصوصاً إن فيه حاجات كتير ممكن تتغير قبل الشهرين دول ما يخلصوا.”اختفت الابتسامة من على وش فريدة للمرة الأولى طول الليلة، وعينيها ضاقت في نفس اللقطة اللي قلّدتها أمارة على التراس.

#حكايات_شروق_خالدلمدة ثانية واحدة، النظرة اللي على وش فريدة كانت هي نفس النظرة اللي أمارة قلدتها بالضبط. عينيها ضاقت، وبقها اتشد، وظهرت في عينيها حدة غريبة مش بتاعة واحدة واقفة في حفلة خطوبتها. لكن قبل ما عُمر حتى يلحق يرمش، النظرة دي اختفت تماماً ورجعت مكانها الابتسامة الرقيقة الناعمة اللي عُمر عاش معتقد إنها حقيقية لستة عشر شهر.

مدت إيدها ولمست كُم جاكيتته بالراحة، وقالت بصوت هادي كأنه همس:”يقصد إيه الكلام ده يا عُمر؟ فيه حاجة شغلاك؟”عُمر ماردش فوراً. فضّل باصص في عينيها وهو بيفتكر كلام أمارة: “قالت لما الجواز يحصل، كل حاجة هتتغير.. وهو مش هيشوفها.”اتلفت لإبراهيم اللي كان واقف مستني الأوامر، وقال بصوت حاسم ومفهوش أي تردد:”إبراهيم.. موضوع شحنة بورسعيد يتحل فوراً.

كلم الناس هناك وقولهم السضاعة تحت مسؤوليتي أنا، وأي حد يفتح بقه يكلمني شخصياً. وبعد ما تخلص.. تعالالي المكتب فوق.”إبراهيم هز رأسه وأومأ بصرامة:”أمرك يا باشا.”اتلفت عُمر لفريدة وابتدى يتكلم بنبرة هادية بس تقيلة:”فريدة، معلش.. هسيبك مع الضيوف خمس دقائق هطلع فوق أظبط شوية ورق للموضوع ده وراجعلك فوراً.”فريدة بصت له بشك خفيف، بس هزت رأسها بابتسامة:”ولا يهمك يا حبيبي.. شغل العيلة الأول طبعاً.

“عُمر سابها ومشي، بس وهو طالع على السلم الرخام بتاع السرايا، لمح فاطمة الخادمة واقفة جنب الحيطة ومتمسكة بإيد بنتها أمارة. أمارة كانت لسه ضامة الخروف الصغير لحضنها وبتبص لعُمر بعينين واسعتين وخايفة. عُمر وقف على السلم، ونزل خطوتين لورا وقرب من فاطمة.”فاطمة.”فاطمة اتخضت وقالت بسرور وخوف:”نعم يا عُمر بيه؟ أمارة ضايقتك تاني؟ والله العظيم أنا…””أمارة مضايقتنيش خالص،” عُمر قاطعها بصوت واطي ومريح.

“فاطمة.. البنت دي ملهاش ذنب في حاجة. أنا عايزك تاخديها وتطلعي على جناح الضيوف فوق، وتقفلي على نفسكوا من جوة بالمفتاح. محدش يقرب منكم، ولا تطلعي غير لما أنا أقولك.”فاطمة بلعت ريقها والقلق زاد في عينيها:”هو فيه حاجة يا بيه؟””مفيش حاجة تقلقك، بس اسنعي الكلام.” بص لأمارة ووّطي مستواها، وقالها بنبرة دافية: “شكراً يا أمارة.”البت ابتسمت ابتسامة صغنونة وهزت رأسها.

عُمر طلع على مكتبه في الدور الثاني، وقفل الباب وراه. أول ما قفل الباب، راح على طول على الخزنة المصفحة اللي ورا اللوحة الزيت الكبيرة، فتحها بسرعة وطلع منها تليفون صغير مش متسجل باسمه، وسحب ملف خاص بجميع الاستثمارات والعقود اللي فريدة كانت راجعتها الشهرين اللي فاتوا بصفاتها محامية العيلة. فتح الملف وبدأ يراجع الأوراق بعناية.. ورقة ورقة.

وفي وسط الأوراق، طاحت عينيه على بند صغير في عقد تأسيس الشركة الجديدة اللي كانوا هيسجلوها باسمهم هما الاثنين بعد الجواز.. بند لو قرأه أي محامي عادي مش هيلاحظ فيه حاجة، بس بالنسبة لواحد زي عُمر فاهم لغة السوق والثغرات القانونية، البند ده كان معناه حاجة واحدة بس:بمجرد ما الجواز يترسم رسمياً، كل أملاك عائلته وأسهم الشركات هتتنقل تلقائياً لنظام إدارة مشتركة بتدي فريدة الحق في التوقيع الفردي وإلغاء صلاحياته هو في حالة “عدم أهليته” أو غيابه!

عُمر حط الورقة على المكتب، وإيده الثابتة دايماً ابتدت ترتعش خفيف من الصدمة. البنت الصغير مكنتش بتهزر.. ولا كانت بتألف. في اللحظة دي، خبط الباب بالراحة. عُمر قفل الملف فوراً وحطه تحت الأوراق، وقال بصوت هادي:”ادخل يا إبراهيم.”الباب اتفتح.. بس اللي دخلت مكنتش إبراهيم. كانت فريدة. قفلت الباب وراها بالراحة، ومسكت مقبض الباب ولفت المفتاح في القفل.

. وابتسامتها المرة دي مكنتش الابتسامة الرقيقة اللي بيشوفها الضيوف تحت. كانت ابتسامة ثانية خالص.”كنت عارفة إنك هترجع الأوراق يا عُمر،” فريدة قالتها وهي بتقرب من المكتب ببطء، وعينيها مثبتة عليه. “بس كنت فاكرة إنك أذكى من إنك تصدق كلام طفلة عندها ثلاث سنين.”#حكايات_شروق_خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى