
أما ميا.. فكبرت وبقت الأولى على مدرستها كل سنة. كان عندها شغف مش طبيعي بالقراءة والبحث، وكأن الساعات اللي قضتها وهي صغيرة قدام رفوف المكتبة الخشب سابت جوة روحها علامة ما بتمحيش.
في يوم حفل تخرجها من مرحلة الثانوية العامة بتفوق ممتاز، كنا قاعدين كلنا في الصالون الكبير نحتفل بيها: عمي فاروق، ونعمة، وليلي كبرت وبقت صبية شقية.
ميا وقفت وسحبت من شنطتها ملف أوراق قديم متغلف بدقة، وحطته قدامي على الترابيزة.
بصيت لها باستغراب: “إيه ده يا ميا؟”
ميا ابتسمت بذكاء وقالت: “دي استمارة رغبات الجامعة يا سيادة الباشا.. أنا اخترت أدخل كلية الحقوق.”
عمي فاروق ضحك بصوت دافي وقال: “حقوق؟ عاوزة تطلعي محامية يا ميا؟”
ميا بصت لي بثبات وعينيها بتلمع بفخر حقيقي:
“أنا اتعلمت من صغري إن الصوت الصغير ممكن ينقذ مظلوم ويدور على الحقيقة.. والبيت ده علمني إن الشجاعة مش في القوة ولا السلطة، الشجاعة في إنك تقف مع الحق مهما كان التمن. أنا عاوزة أكون محامية عشان أدافع عن كل مظلوم مش قادر يوصل صوته.”
دمعة هربت من عين نعمة وهي بتبص لبنتها بفخر، وأنا حطيت إيدي على كتف ميا وابتسمت من قلبي:
“وأنا متأكد إنك هتبقي أشطر وأشرف محامية في مصر يا ميا.. لأنك من وأنتِ عندك 6 سنين، كنتِ أشجع وأعقل من رجال كبار.”
ومن اليوم ده، بقى اسم “ميا” مش بس رمز للطفلة اللي أنقذت مظلوم، بقى رمز للنور اللي بدد الضلمة، واليد الصغيرة اللي غيرت مصير عيلة كاملة وجابت الحق لأصحابه.
شجاعة طفلة:




