
أنا لسه يبصلي بالنظرة دي، وعينيه الرصاصي مغيمة من الوجع وتقل الدم المفقود. الشديد الأناقة كان مرمي جنب رجلي، وجنبه الصورة… صورتي وأنا في ثانوي، لابسة المريلة الكحلي وضفايري نازلة على كتفي، متصورة قدام باب بيتنا القديم في السيدة زينب. صورة المفروض محدش في الدنيا يملكها غير أمي الله يرحمها.
“سليم بيه… الصورة دي بتعمل إيه هنا؟” صوتي طلع مبحوح ومتردد.
ما ردش عليا على طول. أخد نفس طويل وصدره اترفع بصعوبة، وصوت أنينه المحبوس وجع قلبي قبل ما يخوفني.
“قربي يا ندى… وسيبي الشنطة.”
قربت بخطوات بطيئة، حطيت شنطة الإسعافات على الكمودينو وقعدت على ركبتي جنبه. إيدي كانت بتترعش وأنا بفتح الشاش القديم المغرق دم. الجرح كان أعمق مما تخيلت، رصاصة طايشة قاشطة جنبه ومخلية اللحم مكشوف.
“الدكتور كان هيعمل لك خياطة…” همست وأنا بطلع المطهر والقطن.
مسك إيدي تاني، نفس المسكة اللي مسكها لي الصبح لما كنت هأكب القهوة، بس المرة دي ما كانتش عشان يلحق الفنجان… كانت عشان يوقف إيدي اللي بتترعش.
“الدكتور كان هيبلغ مراد… ومراد مش المفروض يعرف إن الرصاصة دي جاية من جوه القصر.”
قلبي وقع في رجلي. “من جوه القصر؟! يعني فيه حد من رجالتك…”
“سيبك من الرجالة دلوقتي،” سليم قاطعني بصوت واطي ومجهد، وعينيه ننزلت على الصورة المرمية على الأرض. “أنتي فاكرة إنك جيتي تشتغلي هنا بالصدفة؟ فاكرة إن سعاد هي اللي جابتك بالبركة؟”
بصيت له بالذهول: “أومال إيه؟ أنا مقدمة على الشغل من ست شهور ورسيت عليا!”
ابتسم ابتسامة باهتة مليانة وجع: “أنا اللي خليت سعاد تختارك… أنا اللي متابعك من خمس سنين يا ندى. من يوم ما أبوكي مات في الحادثة
اللي الكل فاكرها قضاء وقدر.”
الهوا طار من صدري. أبويا الله يرحمه كان سواق نقل بسيط، مات في حادثة طريق صحراوي من خمس سنين، ومن يومها وحياتنا اتغيرت.
“أبوكي ما ماتش حادثة،” سليم قالها وهو بيغمض عينيه ويكتم وجع الجرح. “أبوكي مات عشان كان شايل سر يخص عائلة الهواري… سر يخصني أنا بالذات. والناس اللي أبوكي، هما نفسهم اللي حاولوا يخلصوا مني النهاردة.”
إيدي اتجمدت بالمطهر فوق جرحه. الرؤية بضت قدامي، والأسئلة بدأت تتزاحم في دماغي زي السيل.
“أبويا؟ سر إيه اللي جاب سواق غلبان لإمبراطورية زي دي؟ وأنت… أنت مين بالنسبة لي يا سليم بيه؟”
فتح عينيه بالراحة، وبص لي بنظرة عمري ما شفتها في وش الراجل المرعب ده قبل كده… كانت نظرة حماية، ونظرة حد شايل ذنب تقيل
أوي.
“أنا المشكلة… بس أنا برضه الشخص الوحيد اللي يقدر يحميكي من اللي جاي. ودلوقتي، طالما كشفتيني… اللعبة ابتدت بجد.”
وقبل ما ألحق أسأله عن قصده، سمعنا صوت خطوات تقيلة ومسارعة بره الأوضة، واكرة الباب بدأت تتلف بعنف!
لو عاوزين تعرفوا السر اللي كان مخبيه أبو ندى وشو هيعمل مراد لما يدخل، قولولي أكمل!
#حكايات_شروق_خالدالمقبض عمال يتقلب بعنف، وصوت “مراد” بره طالع مكتوم ومشتت: “سليم بيه! أنت كويس؟ النور قطع في الممر والرجالة قلقانة!”
سليم بصلي بحدة، الوجع اختفى لحظياً من عينيه وحل مكانه الشراسة اللي كل الناس بترتعب منها. أشار لي بإيده على الصورة : “شيلي دول بسرعة.. حطيهم تحت المفرش!”
جسمي تحرك بسرعة ما كنتش أعرف إنها عندي. لقطت الثقيل والصورة اللي عليها وشي وأنا صغيرة، وحطيتهم تحت مفرش السرير الفرو. في نفس اللحظة، سليم أخد نفس عميق، وعدّل قعدته كأنه مش ينزف ولا بيصارع الموت، وقال بصوت جهوري وهادي يربك أي حد:
“ادخل يا مراد.”
الباب اتفتح، ومراد دخل في إيده، وعينيه بتتفحص الأوضة كالقرش. بص لسليم، وبعدين بصلي وأنا ماسكة القطن والمطهر وإيدي غرقانة دم.
“إيه ده؟” مراد سأل بنبرة شَكّ وواضحة، “الدكتور بره بيقول إنك طردته يا باشا.. وهي بتعمل إيه هنا؟”
سليم بصلة بنظرة ثلجية خلّت مراد ينزل تلقائياً. “الدكتور بتاعك إيده
بتترعش وكان هيضيع وقتي في خياطة ملهاش لازمة. ندى إيدها خفيفة ونضفت الجرح. طهّر المكان بره يا مراد، ومش عاوز دبانة تخش الممر ده لغاية الصبح.”
مراد فضل واقف ثواني، نظراته بيني وبين سليم كانت مليانة أسئلة خبيثة. حسيت بقلبي بيدق في زوري. لكنه في الآخر هز رأسه وقال: “أوامرك يا باشا.. بس السيارات السودا اللي هجمت علينا، لوحاتها طلعت مزورة. اللي ضرب النار كان عارف خط سيرك بالثانية.”
“عارف…” سليم رد ببرود مرعب، “وجسّ النبض ده حسابه جاي. اطلع بره واقفل الباب.”
أول ما مراد خرج والباب اتقفل، سليم غمض عينيه وسند رأسه على الحيطة، ونفسه بدأ يتقل تاني. الجرح كان محتاج تنظيف سريع وتطهير قبل ما يتلوث.
قربت منه ونضفت الجرح وأنا بحاول أتمالك نفسي. “مراد بيشك فيا.. وأنت كده حطيتني في وش المدفع.”
سليم فتح عين واحدة وبصلي: “مراد بيشك في خياله، بس مشكلتك مش مع مراد يا ندى.. مشكلتك مع الشخص اللي أدى لمراد أمر الحركة النهاردة من غير ما يرجعلي.”
إيدي اتجمدت فوق الشاش. “أنت قصدك إن مراد هو الخاين؟”
“مراد أداة..” سليم قالها بصوت مبحوح وهو بيتأوه، “اللي حرك مراد هو نفسه اللي دفع لأبوكي عشان ينقل شحنة الأوراق الخشبية من خمس
سنين.. الشحنة اللي كان جواها الملفات اللي تهد إمبراطوريات في البلد دي. أبوكي اكتشف اللي جوة الصناديق، وعشان كده عربيته اتقلبت.”
دموعي نزلت غصب عني. طول السنين دي فاكرة إن أبويا مات في حادثة قضاء وقدر، وطلعت موته ملعوبة عشان أسرار ناس حيتان.
“والملفات دي فين دلوقتي؟” سألت وأنا بربط الضمادة بقوة على جنبه.
سليم اتأوه بصوت واطي ومسك إيدي، وعينيه الرصاصي بقت قريبة جداً من عينيا: “الملفات دي… أبوكي مخبيها في مكان محدش يعرفه غيرك أنتِ. المكان اللي كتبه في ظهر الصورة اللي تحت المفرش.”
شهقت وبصيت لسريره..
فجأة، النور أظلم في القصر كله تاني! والصمت بقى مرعب، لحد ما سمعنا صوت فرقعة رصاصة مكتومة الصوت طالعة من الممر اللي برة الأوضة مباشرة، ووراها صرخة “مراد” وهيا بتختفي!
سليم شدني من إيدي ونزلني جنبه على الأرض في الضلمة، وهمس
في ودني وهو بيسحب من تحت المفرش:
“اتنفسي بالراحة.. اللي قتلوا أبوكي جم يكملوا بقية الشغل.”



