
مراتي هزت راسها.
“ماما كانت هنا.”
فجأة سمعنا صوت باب بيتقفل.
جرينا ناحية الممر.
الباب الرئيسي كان اتقفل.
والدكتور سامح قال:
“إحنا اتقفل علينا.”
وبعدها سمعنا صوت راجل من السماعة القديمة في الحائط.
“كنت مستنيكم.”
مراتي صرخت:
“فين ابني؟”
الصوت ضحك.
“لو عايزة تشوفيه، اطلعي للدور التاني.”
طلعنا السلم بسرعة.
وصلنا لباب في آخر الممر.
فتحناه.
كانت الأوضة فاضية.
إلا من كرسي صغير.
وفوق الكرسي صورة جديدة.
صورة لآدم.
مراتي مسكت الصورة وبدأت تعيط.
“هو كان هنا.”
بصيت حوالينا.
لقيت باب صغير في الحيطة.
فتحته.
كان فيه ممر سري.
دخلنا.
الممر نزل بينا للدور الأرضي تحت المبنى.
وفجأة سمعنا صوت طفل.
“ماما؟”
مراتي جريت.
“آدم!”
فتحنا باب حديد.
وكان هناك طفل صغير قاعد على سرير.
أول ما شاف مراتي، جري عليها.
“ماما!”
حضنته.
مراتي كانت بتعيط وبتضحك في نفس الوقت.
“حبيبي… أنا آسفة.”
آدم بص لها.
“أنا كنت مستنيكي.”
أنا قربت منه.
نزلت على ركبتي.
“آدم.”
بصلي.
“إنت بابا؟”
ما قدرتش أتكلم.
هزيت راسي.
“أيوه.”
قرب مني بحذر.
حطيته في حضني.
وفي اللحظة دي حسيت إن السنتين اللي فاتوا كانوا مجرد كابوس.
لكن الدكتور سامح كان واقف عند الباب وباصص وراه.
قال:
“لازم نمشي.”
بصيت له.
“ليه؟”
قال:
“لأن آدم مش الطفل الوحيد هنا.”
سكتنا.
وأشار لصف من الأبواب الحديد.
على كل باب رقم.
واحد.
اتنين.
تلاتة.
أربعة.
خمسة.
ستة.
وبعدهم…
سبعة.
فتحت الباب رقم سبعة.
لقيت سرير فاضي.
وفوقه ورقة.
مسكتها.
كان مكتوب:
“الطفل رقم ٧ خرج قبل وصولكم بساعتين.”
وتحتها اسم الشخص اللي استلمه.
قرأت الاسم.
ووشي اتغير.
لأن الاسم كان:
“أحمد المنصوري.”
مراتي بصتلي.
“إيه؟”
قلت:
“الطفل رقم ٧ اتسلّم باسمي.”
والدكتور سامح قرب.
“يعني حد استخدم اسمك.”
والدي بص للورقة.
وفجأة قال:
“مش حد.”
بصيت له.
“إنت عارف مين؟”
وشه كان مليان رعب.
وقال:
“أنا عارف الشخص الوحيد اللي كان يقدر يستخدم اسمك من غير ما حد يشك.”
“مين؟”
والدي رفع عيني ناحية مراتي.
وقال:
“أمها.”
مراتي اتجمدت.
“بس أمي ماتت من سنين.”
والدي رد:
“لا.”
سكت لحظة.
“أمك عايشة.”
وفجأة…
سمعنا صوت خطوات فوقينا.
خطوة…
خطوة…
خطوة…
وبعدين صوت امرأة من آخر الممر:
“وأخيرًا وصلتوا.”
مراتي رفعت رأسها.
وصوتها خرج مرتعش:
“ماما؟”
الصوت رد من آخر الممر:
“أيوه يا نادية… أنا أمك.”
مراتي اتسمّرت مكانها.
الدكتور سامح قرب مني وقال بصوت واطي:
“خليك وراها.”
ظهرت ست كبيرة من الضلمة.
كانت لابسة عباية غامقة، وشعرها فيه خصلات بيضا، لكن ملامحها كانت ثابتة بشكل غريب.
مراتي بصتلها ودموعها بتنزل.
“إنتي عايشة؟”
ابتسمت.
“وأهو قدامك.”
“إنتي خدتي ابني؟”
“أنا أنقذته.”
مراتي صرخت:
“أنقذتيه؟! إنتي حرمتيني منه سنتين!”
الست ردت بهدوء:
“لو كان فضل معاكي، كان اتأذى.”
سألتها:
“مين كان عايز يأذيه؟”
بصتلي.
“أبوك.”
والدي تقدم خطوة.
“كفاية كذب.”
ضحكت.
“إنت لسه هتتكلم؟”
وبعدين بصتلي.
“إنت ما تعرفش أبوك عمل إيه.”
قلت:
“أنا عايز أعرف الحقيقة.”
قالت:
“الحقيقة إن أبوك هو اللي بدأ تغيير الهويات.”
اتجمدت.
والدي ما ردش.
بصيت له.
“قول إنها كدابة.”
سكت.
صرخت:
“قول!”
والدي أخد نفس طويل.
“أنا كنت جزء من الموضوع في البداية.”
مراتي بصت له بصدمة.
“ليه؟”
قال:
“كنت مديون، وكانت الشبكة ماسكة عليا حاجات كتير.”
“والأطفال؟”
“في البداية كنت فاكر إن الموضوع مجرد تزوير أوراق.”
صوت الست خرج ببرود:
“وبعدين اكتشفت إن الموضوع أكبر.”
والدي قال:
“واكتشفت إن فيه أطفال بيختفوا.”
سكت.
“ساعتها حاولت أخرج.”
الست ضحكت.
“بس ما خرجتش.”
الدكتور سامح قال:
“هو ساعدني أخرج بعض الملفات.”
الست بصت له.
“وأنا خليتك تختفي.”
الدكتور سامح رد:
“بس ما قدرتيش تخبي الحقيقة.”
في اللحظة دي، آدم شد إيد أمه.
“ماما… هي اللي كانت بتيجيلي.”
مراتي بصت له.
“كانت بتعملك إيه؟”
آدم قال:
“كانت بتقوللي إنك هتيجي تاخديني.”
ثم سكت.
“وكان معاها ولد تاني.”
قلبي دق.
“ولد تاني؟”
آدم هز راسه.
“أكبر مني شوية.”
سألته:
“كان اسمه إيه؟”
آدم قال:
“يوسف.”
الست الكبيرة فجأة اتغير وشها.
والدي بص لها.
“يوسف…”
قلت:
“مين يوسف؟”
مراتي قالت:
“مش عارفة.”
والدي قال:
“يوسف كان الطفل رقم سبعة.”
بصيت للست.
“فينه؟”
قالت:
“مش هنا.”
“فين؟”
ابتسمت.
“مع الشخص اللي أخد الملف.”
“مين؟”
الست قربت خطوة.
“الشخص اللي كنتوا فاكرينه مات من عشر سنين.”
قلبي وقف.
بصيت لوالدي.
هو فهم قبلي.
“مستحيل…”
الست قالت:
“أبوك ما كانش الوحيد اللي زيّف غيابه.”
ثم بصتلي مباشرة.
“عمّك عايش.”
اتجمدت.
“عمي؟”
والدي قال:
“أخويا مات.”
الست هزت راسها.
“إنت اللي صدقت إنه مات.”
فجأة سمعنا صوت عربية بتتحرك برا.
الدكتور سامح جري ناحية الشباك.
“حد بيهرب!”
الست ابتسمت.
“متأخرين.”
بصيت لها.
“مين كان في العربية؟”
ردت:
“يوسف.”
مراتي صرخت:
“ابني!”
جريت ناحية الباب، لكن الست وقفت قدامنا.
“لو عايزين يوسف يرجع…”
قالت:
“هاتولي الملف الأصلي.”
قلت:
“فينه؟”
ابتسمت.
“مع عمك.”
وفي اللحظة دي، وصلني إشعار على موبايلي.
فتحت الرسالة.
كانت صورة لراجل واقف جنب يوسف.
الراجل كان أكبر سنًا، وشعره أبيض.
لكن ملامحه كانت واضحة.
بصيت لوالدي.
والدي أول ما شاف الصورة…
وقع على الكرسي.
وقال:
“أخويا.”
ثم وصلت رسالة تانية:
“تعالى لوحدك يا أحمد.”
وتحتها عنوان.
“البيت القديم.”
مراتي مسكت إيدي.
“متروحش لوحدك.”
بصيت لآدم.
ثم لمريم وليان اللي كانوا مستنيين بره.
وقلت:
“المرة دي… مش هروح لوحدي.”
لكن قبل ما نتحرك، الست الكبيرة قالت:
“لو أخدت معاك حد…”
سكتت.
وبعدين ابتسمت:
“يوسف هيتأذى.”
سكت المكان كله.
وأنا لأول مرة فهمت إن اللي قدامنا مش مجرد كشف حقيقة قديمة.
دي كانت معركة على حياة طفل…
وعلى سر ممكن يغيّر كل اللي كنا فاكرينه عن عيلتنا.


