روايات وقصص

رجعتلي مراتي بعد سنتين موت ج1 حكايات شروق خالد

وصلت بدري علشان آخد بنتي ليان، اللي عندها تمان سنين، من واحدة من أرقى المدارس الخاصة في القاهرة، وكنت متوقع ألاقي ليان مستنياني ورا البوابة مع باقي الأطفال. لكن بدل كده، لقيتها قاعدة على الرصيف جنب بنت مراهقة مشردة، وبتتعلم منها الرياضيات باستخدام عصاية، وبعدها ضحكت ليان من قلبها لدرجة إني أمرت السواق يوقف، لأني ما سمعتش الضحكة دي من بنتي بقالها شهور.

اسمي أحمد المنصوري، والناس عادةً بتوصفني إني رجل أعمال ومستثمر ناجح قبل ما يقولوا إني أب.

من بعد ما فقدت مراتي من سنتين، بقيت مهووس بالمواعيد والجداول. الاجتماعات، ومواعيد الأكل، ومواعيد المدرسة، وحتى أيام الإجازات، كل حاجة بقى ليها ميعاد محدد، لأن التحكم في كل دقيقة من حياتي كان أسهل بكتير من إني أعترف لنفسي قد إيه كنت عاجز قدام فقدان مراتي.

في اليوم ده، عربيتي السودا وصلت قدام مدرسة ليان قبل ميعادها المعتاد.

بصيت في ساعتي، وبعدها بصيت من إزاز العربية الغامق على الأهالي اللي بدأوا يتجمعوا قدام المدرسة. ناس واقفة بتتكلم مع بعض، وناس تانية ماسكة موبايلاتها ومستنية السواقين.

وبعدين شفت ليان.

كانت قاعدة على الرصيف.

وما كانتش لوحدها.

جنبها كانت قاعدة بنت مراهقة، هدومها واسعة وقديمة ومتهالكة. شنطتها القديمة كان أجزاء منها متغطية بشريط لاصق، والكوتشي اللي في رجليها كان أكبر من مقاسها بكذا درجة، والجاكت الخفيف اللي لابساه ما كانش بيحميها تقريبًا من برد الجو.

عرفت العلامات دي فورًا.

البنت كانت مشردة.

أول إحساس جالي كان القلق، وإيدي راحت ناحية باب العربية.

لكن بعدها لاحظت هما بيعملوا إيه.

ليان كانت حاطة كشكول على رجليها، والبنت كانت ماسكة عصاية صغيرة وبتكتب بيها أرقام وأشكال على الرصيف.

هي كانت بتعلّم بنتي الرياضيات.

قربت أكتر من إزاز العربية.

البنت أشارت لرقم على الأرض وقالت:

“بصي، لو حركتي الرقم ده هنا، الإجابة هتتغير. الرياضيات زي حل اللغز، كل اللي عليكي تعمليه إنك تكتشفي النمط.”

ليان فضلت باصة على الأرقام.

وفجأة عينيها لمعت.

وقالت بفرحة:

“آه! علشان كده كنت بحلها غلط كل مرة!”

وضحتك.

ضحكة صافية.

من غير خوف.

من غير حزن.

ضحكة طفلة حقيقية.

حاجة وجعت قلبي من جوايا.

أنا ما سمعتش ليان بتضحك بالشكل ده بقالها شهور.

بقالها شهور وأنا جبت لها مدرسين خصوصيين، وأخصائيين، ومستشارين، وعملت كل حاجة ممكنة علشان أرجّع بنتي زي الأول.

صرفت فلوس كتير جدًا وأنا بحاول أرجّع البنت الصغيرة اللي كانت زمان بتملأ البيت بأسئلتها وضحكتها.

ولا حاجة نفعت.

لكن البنت الغريبة دي، اللي لابسة كوتشي متهالك وماسكة عصاية في إيدها، قدرت تعمل في دقايق حاجة الفلوس كلها ما قدرتش تعملها.

قلت للسواق:

“وقف العربية.”

السواق بصلي من المراية باستغراب.

“يا فندم؟”

بصيت له بحدة.

“دلوقتي.”

العربية وقفت.

نزلت على الرصيف من غير ما أقول حاجة، لكن ولا واحدة فيهم خدت بالها مني.

ليان كانت مندمجة جدًا في الدرس.

البنت المراهقة مسحت رقم بإيدها، وبعدها رسمت مسألة جديدة بالعصاية.

ليان قربت منها بحماس، مستنية تعرف الحل.

وفجأة البنت رفعت عينيها وشافتني.

الابتسامة اختفت من على وشها في لحظة.

قامت بسرعة ومسكت شنطتها القديمة.

ليان لفت وشها.

“بابا؟”

البنت رجعت خطوتين لورا.

قلت لها بهدوء:

“اهدي، أنا بابا ليان.”

الخوف ظهر في عينيها.

وقالت بسرعة:

“أنا ما كنتش بضايقها.”

رديت عليها:

“أنا ما قلتش إنك بتضايقيها.”

بصت ناحية الشارع، وكأنها مستعدة تجري في أي لحظة.

وفجأة ليان مسكت إيدي.

وقالت:

“بابا، استنى… هي ساعدتني في المسألة اللي المدرس بتاعي ما عرفش يشرحها.”

بصيت لبنتي، وبعدها بصيت للبنت.

وسألتها:

“اسمك إيه؟”

البنت سكتت.

ما ردتش.

وبعدين عيني وقعت على حاجة طالعة من الجيب المقطوع في شنطتها.

ورقة متنية.

مديت إيدي ناحية الورقة، لكن البنت حاولت تمنعني.

في أعلى الورقة كان موجود شعار مدرسة ليان الخاصة.

وتحت الشعار كان فيه اسم.

اسم أنا أعرفه كويس جدًا.

أول ما شوفته، حسيت إن الدم اتسحب من وشي.

لأن البنت دي…

ما كانتش قاعدة على الرصيف قدام مدرسة بنتي بالصدفة.

فضلت باصص للاسم المكتوب على الورقة، ومخي مش قادر يستوعب اللي قدامي.

رفعت عيني للبنت.

كانت واقفة قدامي وجسمها كله متشنج، وإيديها ماسكة في شنطتها كأنها خايفة آخدها منها.

قلت بهدوء:

“إنتي اسمك إيه؟”

سكتت.

ليان بصت لها وقالت:

“اسمها مريم يا بابا.”

لفيت بسرعة ناحية بنتي.

“إنتي عرفتي اسمها إزاي؟”

ليان ردت ببساطة:

“هي قالتلي.”

رجعت أبص لمريم.

“مريم إيه؟”

البنت بلعت ريقها، وبصت للأرض.

“مريم حسن.”

الاسم وقع عليا زي الصدمة.

مريم حسن.

بصيت تاني للورقة.

كان اسمها مكتوب كامل.

وتحته ختم قديم للمدرسة.

مديت إيدي بالورقة.

“الورقة دي جت معاكي منين؟”

مريم شدت الشنطة لصدرها.

“ملهاش لازمة.”

“بالنسبة لي ليها لازمة.”

“أرجوك يا أستاذ… سيبني أمشي.”

ليان شدت إيدي.

“بابا، هي مش وحشة.”

نزلت لمستواها.

“أنا عارف يا ليان.”

وبعدين بصيت لمريم.

“أنا مش هأذيكي. بس عايز أعرف إزاي ورقة من مدرسة بنتي وصلت في شنطتك.”

مريم فضلت ساكتة.

وبصت ناحية بوابة المدرسة.

في اللحظة دي لاحظت حاجة غريبة.

كان فيه راجل واقف بعيد عند عربية رمادي، عامل نفسه مشغول في موبايله، لكنه كان باصص علينا.

أول ما عيني جت في عينه، لف وشه بسرعة.

رفعت إيدي للسواق.

“شايف الراجل اللي هناك؟”

السواق بص.

“أيوه يا فندم.”

“خليك مراقبه.”

وبعدين رجعت لمريم.

“إنتي بتخافي من مين؟”

وشها اتغير.

قالت بصوت واطي:

“أنا مش بخاف من حد.”

“يبقى ليه كل شوية تبصي ناحية العربية؟”

سكتت.

ليان قربت منها وقالت:

“مريم، قولي له.”

السابق1 من 5
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى