روايات وقصص

السكوت: عندما تختفي الزوجة بالتوأم قبل الفجر#حكايات_شروق_خالد

“اقفل القاهرة. كل المحطات، المطار، الموقف، والمدقات بتاعة السفر. تفحص لي كاميرات الدائري والمحاور كلها. ارشي أمناء الشرطة في الكمائن. أريد كل كاميرا في المحيط ده تتراجع خطوة بخطوة.”
“نصنع إيه في السكة؟”
“معاها طفلين رضايع. مش هتلقى طيران من غير شهادات ميلاد، ومش هتعرف تسوق مسافة طويلة والعيال دول محتاجين رعاية. هي لسة جوه البلد.”
جابر بص لرجاله: “هاتوا لي مراتي، هاتوا لي عيالي.. واللي ساعدها… هاتوه لي حي، عايز أقطعه حتة حتة بإيدي.”
رجالة الألفي اتتحركوا بسرعة تخوف. على الظهر، كانت رجالة جابر مغرقين شوارع القاهرة.
المرشدين اتعصروا، الموانئ والمطار اتدفع فيها فلوس، وتجار السلاح والشارع اتسحبوا في الخرابات واتضربوا عشان معلومات هما أصلًا مايعرفوهاش.
البلد كلها فهمت إن جابر الألفي بقا زي الديب المجرُوح اللي بياكل في أرضه.#حكايات_شروق_خالد
جابر فضِل في الفيلا، كان محتاج يفهم الست اللي كان متجوزها. 3 سنين مشاركين سرير واحد، وأكل واحد، وحياة هو كان فاكر إنه عارفها.
ولما بدأ يقلب في دولابها، بدأ يفهم قد إيه هو ماكانش يعرف عنها أي حاجة.
فساتينها كانت لسة متعلقة.. الحرير، والكشمير، بس الخزنة الصغيرة المدارية ورا الهدوم كانت مفتوحة على آخرها وفاضية.
وفوق الترابيزة اللي جنب السرير، كانت سيبة له حاجتين اثنين بس: دبلتها الجولد، وكارت عليه عنوان لمكان عمره ما سمِع عنه.
#حكايات_شروق_خالد

مسك جابر الكارت بين صوابعه اللي بترتعش، وعينيه متثبتة على العنوان المكتوب بخط إيدها الأنيق والمضبوط: “قرية الفجالة القديمة – بيت الألفي الأخير”.
الكارت ماكانش عادي، كان ورقة قديمة من بتاعة برديات الترميم اللي نورهان كانت شغالة فيها.
“سيد!”
صوت جابر هزّ أركان الدور الثاني كله. سيد طلع يجرُي، والسلاح في إيده، وعينيه زي الجمر: “أمرك يا جابر بيه! لقينا حاجة؟”
“تعرف مكان بالاسم ده؟” جابر حدف له الكارت.
سيد مسك الكارت وقرا المكتوب، ووشه اتغير تمامًا، حتة الخياطة القديمة اللي في فكه اشدّت: “ده… ده المكان القديم بتاع جُدك يا باشا. المكان اللي العيلة سابته من أربعين سنة بعد الحرب الكبيرة مع عيلة العطار. ده مقطوع عن الخدمة، ومافيش فيه حتى شبكة تليفون! هي عرفت المكان ده منين؟!”
في اللحظة دي، جابر افتكر.. من سنتين، لما كانت نورهان بتنضف مكتبة الفيلا القديمة، ولقيت أوراق ملكية وألبومات صور قديمة للفيلا المهجورة دي في أطراف أطفيح. وقتها سألته بفضول: “هو بيت جدك ده لسة موجود؟”، وهو رد عليها بلامبالاة وسخرية: “بيت مهجور ومقطوع، ماحدش يقدر يعيش فيه يوم واحد”.
هي ماكانتش بتسأل بفضول… كانت بتدرس الخريطة.
“جهّز العربيات.” جابر قالها بصوت هادي ومُرعب، أهدى بكثير من العاصفة اللي جواه. “مش عايز رجالة كتير. أنت وأنا وأربعة من أتقل الرجالة. ومش عايز سلاح يبان. لو حد هناك، أنا اللي هتعامل معاه بنفسي.”
بعد ساعة ونص، كانت العربيات بتشق طريق ترابي ضيق وسط الأراضي الزراعية المهجورة في أطراف الجيزة. الشجر الميت على جانبي الطريق كان عامل زي الأشباح في ضباب العصر.
العربيات وقفت على بعد 200 متر من البيت.
كان بيت قديم مبني بالطوب الأحمر العريان، طابقين، الشبابيك متكسرة ومقفولة بخشب، والباب الرئيسي الخشب العتيق مخلوع ومحطوط بداله باب حديد مصدي.. بس كان فيه دخان أبيض خفيف طالع من مدخنة البيت.
فيه روح جوه. فيه حطب بيتحرق.
جابر نزل من العربية، ورجالته اتوزعوا في صمت مرعب حوالين البيت. سحب مسدسه من جنبه، ومشى بخطوات ثابتة لحد ما وصل للباب الحديد.
زق الباب.. الباب اتفتح بصوت صرير يوجع الضروس.
البيت من جوه ماكانش زي ما جابر متوقع. ماكانش مقبرة مهجورة.
كان فيه دفا. ريحة خشب الزيتون المحروق مالية المكان، وملايات بيضا نظيفة متعلّقة على#حكايات_شروق_خالد شبابيك عشان تمنع الهواء الساقع. وعلى الترابيزة القديمة في النص، كان فيه علب لبن أطفال معقمة، وشاش، وأدوية مطهرة، وسخان مية شغال ببطارية عربية.
ومن الدور الثاني… جه الصوت.
صوت بكاء خفيف.. ناعم.. بتاع طفل يادوب مولود.
جابر حس إن رجيله مش شايلاه. قلبه كان بيلطم في قفصه الصدري. حط المسدسه في جيبه، وطلع السلم الخشب اللي بيزيق تحت جزمته.
وصل للغرفة الوحيدة اللي قايد فيها نور لمبة سهاري صغيرة.
كانت قاعدة على كرسى هزاز قديم، متلففة ببطانية صوف تقيلة. وشرها كان أصفر زي الشمع، وعينيها تحتها سواد كحلي من التعب والنزيف.
وفي حضنها… لفافتين بيض.
نورهان مالمستش ولا كلمة. مااتخضتش لما شافته واقف على الباب. رفعت عينها المجهدة بصت له بمنتهى الهدوء، وكأنها كانت مستنياه يوصل في الدقيقة دي بالظبط.
جابر اتسمر في مكانه، صوته كان طالع بالعافية، مبشوح ومكسور: “نورهان…”
ماقلتش “ليه عملت كده؟”
وماقلتش “أنت كنت فين؟”
بصت له وقالت ببرود أبرد من طقس نوفمبر: “تأخرت يا جابر… الولاد جاعوا وناموا مرتين وأنت لسة بتدور عليا في الشوارع اللي فاكر إنك بتملكها.”
جابر قرب خطوة، ودموعه نزلت لأول مرة في حياته، بص للرضايع اللي في حضنها: “أنا… أنا آسف.. أنا…”
نورهان رفعت إيدها الواهنة وحطت صباعها على شفايفها عشان تسكته:
“أنا ماببكيش على اللي فات يا جابر.. ولا جاية أحاسبك على ريحة الفانيليا اللي في هدومك. أنا جيت هنا عشان أربيهم بعيد عن الدم بتاعك، وعن القرف بتاعك. أنت فاكر إنك لقيتني؟”
ابتسمت ابتسامة خفيفة موجعة، وبصت للباب اللي وراه:
“أنا اللي خليتك تلاقيني… عشان تاخد الدبلة، وتعرف إن اللحظة اللي طفيت فيها تليفونك إمبارح… كانت آخر لحظة ليك كأب وكزوج في حياتنا.”
وفجأة، صوت عربية ثقيلة وقفت بره الفيلا، وصوت حركة رجالة مسلحين مش بتوع جابر خالص بدأوا يحيطوا بالبيت من بره.
نورهان بصت له في عينيه مباشرة وقالت:
“أنت فاكر إن سيد كتم السر عنك؟ سيد هو اللي نقلني هنا يا جابر… أخوك في السلاح هو اللي حماني منك.”

#حكايات_شروق_خالد
جابر اتجمد في مكانه، الدم هرب من وشه، والبيت كله بقى عبارة عن صمت مرعب إلا من صوت بكا الأطفال الخفيف وصوت الخطوات التقيلة اللي بتحاصر المكان من بره.
لف رقبته ببطء وسمع صوت خطوات “سيد” على السلم الخشب.. خطوات واثقة، مافيهاش أي تردد بتاع واحد خايف أو خاين اتكشف.
سيد وقف على باب الأوضة، مسدسه مش مرفوع في وش جابر، بس كان ماسكه بإيده بكل ارتياح. بص لجابر وقال بنبرة هادية مفيهاش ندم:
“متأسف يا جابر بيه.. بس أنت نسيت أصلنا. جُدك الله يرحمه علّمنا إن الحرمة والعيال خط أحمر، وإن الراجل اللي يبيع بيته وعياله عشان نِسوان ورخاص، مابيبقاش كبير.. بيبقى حمل تقيل على الكل.”
جابر اتخنق، صوته خرج كأنه حشرجة من قاع جُبه:
“سيد؟ أنت يا سيد؟ أنا اللي عملتك! أنت تبيعني أنا عشان… عشان ست؟”
“أنا مابعتكش يا جابر.. أنت اللي بعت نفسك من زمان،” سيد رد وهو بيبص لنورهان باحترام، “نورهان هانم لمّا جت لي من شهر وهي بطنها قدامها وقالت لي إنك مابقتش شايف غير قرفك، وإنها خايفة على عيالك من العافية اللي أنت عايش فيها، أنا قريت الفاتحة معاها.. إحنا هنا مش بنخونك، إحنا بننقذ عيلة الألفي من الجنان بتاعك.”
نورهان قامت ببطء شديد، كل حركة كانت بوجع في جسمها اللي لسة بينزف، بس ظهرها كان مفرود زي السيف. شالت اللفافتين في حضنها وقرّبت من جابر.. وقفت قدامه على بعد خطوة واحدة.
ريحة الدم النظيف مع ريحة لبن الأطفال كانت طالعة منها، غطت على أي ريحة ثانية في ذاكرته.
بصت في عينيه وقالت بصوت هادي كأنه همس، بس يرن في الأوضة زي صدى الرعد:
“أنا مش هقتلك يا جابر، ولا هخلي سيد يلمسك. عقابك الحقيقي إنك هتعيش بطولك. الفيلا الكبيرة اللي أنت فرحان بيها هتقعد فيها لوحدك.. الفلوس، والنفوذ، والسلاح، والعربيات.. كل ده هيبقى ملكك، بس مش هتسمع صوت طفل بيقولك ‘يا بابا’.”
جابر حاول يمد إيده، يلمس طرف اللفافة، يلمس صباع عيل من عياله.. بس سيد حرك مسدسه بحركة خفيفة ووقف في النص بينه وبينهم.
“العربيات بره جاهزة يا هانم،” سيد قالها بوقار.
نورهان مشت من جنب جابر، ما بصتلوش تاني.. ولا حتى بؤرة عينها جابت خياله. عدت من جنبه وكأنه هو اللي بقى الأشباح، مش البيت القديم.
جابر وقف في نص الأوضة، رجليه كأنهم متثبتين بمسامير في الخشب القديم. سمع صوت خطواتها وهي نازلة السلم، صوت الباب الحديد وهو بيتقفل، وصوت موتور العربيات وهي بتدور وتبعد في طريق التراب.. لحد ما الصوت اختفى خالص.
البيت رجع ضلمة.. والبرود بتاع نوفمبر دخل من الشباك المكسور ولَفّ حولين رقبة جابر زي المشنقة.
قعد على الكرسي الهزاز اللي كانت قاعدة عليه من شوية.. مسك البطانية الصوف اللي سابتها وراها، وحط وشه فيها ومسكها بقوة.
ولأول مرة من يوم ما اتولد… جابر الألفي قعد في الضلمة، وبكى زي العيال الصغار.

عقاب السكوت: عندما تختفي الزوجة بالتوأم قبل الفجر
#حكايات_شروق_خالد

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى