منوعات

طريق المقطم: كيف أنقذت «هنا» الوحش وعيلتها#حكايات_شروق_خالد

سبع نسوان دخلوا الجناح الخاص بتاع سيف الجابري بعد نص الليل، وكل واحدة فيهم فلما بقيت أنا البنت التامنة اللي تترملُه عشان تواجه “الألفا”، كان فيه اتنين من التمريض واقفين برة ومعاهم —ومحدش كان متوقع إن الليلة تخلص وأنا بصلو وبسأله سؤال محدش فكر يسألهولُه قبل كده.
أنا اسمي هنا، عندي أربعة وعشرين سنة، بنت رجب الزيات، كبير عيلة الزيات في نزلة السمان اللي كانت ظروفها رايحة في داهية. بقالي خمس سنين بلملم الكوارث المالية اللي بيعملها، في الوقت اللي كان كبار البلد بيقولوا عليّ لسه صغيرة وطيبة ومينفعش أمسك شغل العيلة.
لحد ما أبوي لبس في حيطة وخسر حجيجة تلاتة مليون جنيه، كانت مرتبطة بفلوس تطوير شركاء فيها مع مجموعة الجابري.
دين زي ده كان كفيل يمسحنا من على وش الأرض.

#حكايات_شروق_خالد
مئات البيوت كانت هتتخرب، وناس تترمي في الشارع، ووظايف تضيع، وكل ده بسبب طيش راجل واحد. سيف الجابري كان معاه كل الحق القانوني إنه ياخد الجمل بما حمل، بس المستشار بتاعه عرض حل تاني.
بنت من بنات رجب الزيات تقضي ليلة واحدة في بيت سيف، كمرشحة رسمية تسترجل وتقف جنبه.
ولو طلعت عليا الشمس وأنا لسه عايشة ومكملة، الدين كله يتنسي وكأن شيئاً لم يكن.
الكل كان فاهم المعنى إيه.
بنت جديدة رايحة للوحش برجليها.
قبل منتصف الليل بتلت ساعات، كنت بصة من شباك العربية الجيب المغمق والمطر نازل يغرق الشارع وإحنا طالعين على فيلا الجابري فوق المقطم. تلفوني المكسور مكنش بيطلس زن، رسايل ورا رسايل من أختي الصغيرة ياسمين.
أرجوكي ارجعي.
أبوكي ملهوش حق يعمل فيكي كده.
الناس بتقول إنه بيجنن البنات وبيعقدُهم.
وبعدين جت الرسالة اللي قطعت في قلبي:
مش فرض عليكي تفضلي تنقذينا طول عمرك.
بس هي دي كانت المشكلة بالظبط.
إن إنقاذ الكل بقى الحجم الوحيد اللي بعرف أعمله في حياتي.
«لسه في إيديكي ترفضي وتلفي وترجعي»، دا قالها حازم وهو سايق.
حازم ده كان الذراع اليمين لسيف، كتافه عريضة، ووشه مليان ندوب، وباين عليه التعب والهدد بتاع الناس اللي شايلة هم كوارث غيرها طول الوقت.
«وافرض رفضت، إيه اللي يحصل لعيلة الزيات؟»
تردد لحظة..
«على حسب مزاج سيف.»
«يعني أبوي يروح في داهية ويخسر كل حاجة؟»
«غالباً.»
«والغلاية العالية دي كلها تدفع ثمن غلطته؟»
سكت حازم وما نطقش.
«يبقى مش هرفض.»
بعد دقايق ظهرت الفيلا وسط المطرة، مبنية على قمة الجبل بتطل على القاهرة كلها كأنها حصن من حديد وأزاز وإسمنت.
قبل ما أنزل من العربية، حازم مسك إيدي وقال:
«الحكايات اللي بتتقال عن سيف فيها مبالغة.»
«طب كويس، طمنتني.»
«أنا مقلتلكيش إنها كدب.»
ابتسامتي اختفت.
من خمس سنين، سيف كان هيتروح فيها في حادثة مسمومة أثرت على أعصابه وخليته مبيعرفش يسيطر على غضبه ولا على نوبات العنف اللي بتجيله.
حازم كمل كلامه: «البنات كانت بتتكهرب وبتترعب، وخوفهم كان بيجننه زيادة، ورعبه ليهم بيزود الطين بلة.»
«واللي قعدت قبلي صمدت أد إيه؟»
«تلات ساعات.»
شلت شنطتي وقلتله: «أنا بقالي خمس سنين بصحي على تليفونات أبوي الساعة تلاتة الفجر عشان نسي يقبض العمال.. هنشوف مين فيهم يعل أكتر.»
جوة الفيلا، كانت واقفة نجوى، ست شيك ولابسة بدلة أوف وايت وألماظ في ودنها، ونظرة القرف والتقليل مني باينة في عينيها.
قالتلي ببرود: «أختي كانت واحدة من اللي جم هنا لسيف.»
«اللي راحت المستشفى؟»
وشها اتطفي وتصلب.
وقبل ما تنطق بكلمة، زئير وصوت زعيق هز الممر كله.
كل الخدامين اتسمروا في مكانهم.
ومن بين الظلال، خرج سيف الجابري.
طول بعرض.
حافي القدمين.
وعينيه فيها شرار صفار بيحرق.
إيديه كانت بترتعش جامد لدرجة إن العروق كانت مشدودة وطالعة لبرة.
هيبته وضغط حضوره نزلوا عليا زي المكبس، حسيت بصدري اتطبق ونفسي اتقطع.
شاور بإيده على زرار إنذار فضي جنب باب الاوضة:
«دوسي عليه أول ما تحسي إنك مش قادرة تستحملي.»
قلبي كان بيلطش في قفصي الصدري زي الطبلة.
بس بدل ما ألف وأجري، بصيت في عينيه وشوفت كمية التعب والإرهاق اللي مدفونة تحت كل الغضب والعصبية دي.
وبكل هدوء، قربت منه وسألته بصوت واطي:
«أنت مش تعبان؟»
سيف اتسمر في مكانه، ومطقش ولا حركة.

#حكايات_شروق_خالد

الزئير اللي كان ماليك المكان اختفى فجأة، واتقلب لسكون يرعب أكتر من الغضب نفسه.
سيف كان باصصلي وهو مش مصدق إن فيه حد بدل ما يترعب من منظره أو يجري يضغط على زرار الطوارئ، واقف قدامه وبيسأله عن تعبه. العينين الذهبية اللي كانت بتطلع شرار بدأت تهدا شوية بشوية، وكأن السؤال لمس جرح غائر جوه روحه محدش فكر يطببه من سنين.

#حكايات_شروق_خالد

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى