
قبل ما ألحق أفكر، هريدي شدّني وراه بسرعة البرق، ودخلني في الأوضة الجوانية اللي فيها الخزنة والباب السري، وفتح كُوّة صغيرة في الحائط بتطل على الحوش. كان ماسك بندقيته الآلية باحترافية، وعينيه الرمادي بتلمع في الضلمة زي عيون الذيب.
“خليكي هِنا وما تحركيش خيالك خطوة واحدة،” چالها بنبرة صارمة ما فيهاش نقاش، ووشه كان ناشف ومليان غضب أعمى.
“لا يا هريدي، مش هقعد مكتوفة الأيدي وأنت لوحدك برّه!” چلتها وأنا ماسكة في طرف جلابيته بخوف ظهر غصب عني.
بصلي بنظرة سريعة، ولأول مرة حسيت إن قلبه بينبض بخوف عليّ مش على نفسه. مال عليّ وبطريقة سريعة طبع بوسة على جبيني، وقال بصوت خشن: “لو صابني مكروه.. حسان هيخرجك من السرداب ويروح بيكي لبلد خالك. واصل ما تنسيش إنك حرم هريدي العمدة.”
وقبل ما أرد، كان فك الباب ونط برّه الحوش وسط ضرب الرصاص اللي كان عامل زي دندنة المطر القوي.
سمعت صوت حسان بينادي وسط الدخان والهرج: “جناب العمدة! هجموا من ناحية الساقية.. أكتر من عشرين نفر ومعاهم سلاح آلي!”
“وكلاب الهواري فاكرين إن الدوار مأكل مريح!” صوت هريدي طلع هادر ومرعب، وراه دوي رصاص متواصل بيزلزل الأرض.
قعدت وراء الباب السري، قلبي بيدق في ضلوعي زي الطبل، ودموعي نازلة بصمت وأنا سامعة صوت الاشتباك بيقرب أكتر من الجناح الشرقي. كل الكلام البارد اللي قاله يوم الفرح اتمسح من عقلي، وما بقاش قدامي غير صورة عيونه وهي بتترچاني أعيش.
وفجأة.. صوت رصاصة حادة اخترقت الشباك، وجه بعدها صوت صرخة خفيفة من برة.. صوت عيل من الغفر.. وبعدها سكت المكان كله فجأة، وبقى السكوت أخطر وأقسى من صوت الرصاص.
قمت من مكاني مفيش في دماغي خوف، وفتحت الباب السري بالعافية.. ريحة البارود والدْم كانت مالية الجو. مشيت بخطوات مرتعشة لحد ما طلعت على الصالة الكبيرة.
كان النور قاطع، والتريات مهشمة، وفيه اتنين من رجال الهواري واقعين على الأرض. لفّيت بعينيا بسرعة، وشوفت حسان مسند على الحيطة ونازل منه دم، بس هريدي.. هريدي ما كانش ظاهر.
“هريدي!” نطقت بالكلمة بصوت مكسور وواطي.
من ضلمة الطرقة، طلع وهو ماسك جنبه اللي بينزف دم كتير، وجلابيته ممزقة وغرقانة بارود، لكن عيونه كانت بتدور عليّ زي المجنون. أول ما شافني واقفة قدامه، تنفس بصوت عالي وجرى عليّ.
“انتي طلعتي ليه يا مجنونة؟ مش قلتلك تخليكي جَوا؟” چالها وهو بيتنفس بصعوبة.
بصيت على الدم اللي على يده، وحطيت إيدي الاتنين على صدره بلهفة وخوف محرق قلبي: “مش هسيبك.. لا يمكن أسيبك تموت وأنا لسه ما قلتلكش إني.. إني عشقتك.”
ابتسم ابتسامة صغيرة ومتعبة، ووقع على ركبه في الأرض، ومسك إيدي وباسها وهو بيقول بصوت هامس: “عارف يا زينات.. كنت خايف أموت من غير ما تسمعيها مني بجد.. مش كدب.”
#حكايات_شروق_خالدوقفت متسمرة مكاني لما شفت هريدي عيقع على ركبه والدم عينزف من جنبه. قلبي اتخلع، ونزلت حذوه على الأرض بالسرعة، مسكت وشه بيدي الاتنين وأني بنصرخ بصوت خفيض: “هريدي! فتح عينيك يا هريدي.. أمانة عليك ما تسيبنيش لحالي!”
سند راسه على كتفي بالراحة، ونفسه كان حامي ومرتفع. مسكت الجلابية وحدقت على جرحه، كانت الرصاصة شاقّة جنبه وبتحلب دم كتير، بس الحمد لله ما كانتش في قلبه ولا في بطنه.
حسان چِرِي علينا وهو بيكرّ رجله المضروبة، وزعق للغفر اللي فاضلين: “هاتوا الشال بسرعة ونداهوا على الحكيم! بسرعة يا ولد!!”
ربطت الشال حولين وسط هريدي بكل قوتي عشان نوقف النزيف، وهو كان باصص في عيني ومتبسم ابتسامة خفيفة وسط الوجع، وكأنه ما حاسسش بالرصاصة من كتر الفرحة بالكلام اللي وچلتهوله.
رفع يده المليانة بارود ودم، ومسح على خدي بضعف وهو بيچول: “يعني ما عتكرهنيش يا زينات؟ ما عتعاوديش لبلد أبوي وتسيبيني؟”
دموعي نزلت مغرقة وشي وچلتله بنبرة طافحة بالعشق: “نعاود فين يا هريدي؟ أني بيتي هنا.. في حضنك وعينيك. بس خليك معايا وقاوم عشان خاطري!”
“علشان خاطرك أنتِ.. هنعيش ونهد الدنيا فوق رؤوس الهوارة كلهم،” قالها ونفسه بيتقطع، وبعديها غمض عينيه وغاب عن الوعي.
صرخت بصوت هز الدوار كله: “هرررريدي!!”
مرت ساعتين زي السنتين.. الحكيم چاه تحت حراسة الغفر، وطلع الرصاصة وخاط الجرح في الأوضة الكبيرة، وأني ما فارقتش ركبتي من جنب السرير، ماسكة يده وبندعي ربنا يحفظه لي.
أول ما الشمس ششقت ودخل نور النهار من الشباك، حركة صوابعه بدت تبان، وفتح عينيه بالراحة. أول ما عينيه چات في عيني، ضم يدي بقوة وچال بصوت خشن بس مليان هيبة:
“يا حسان!”
دخل حسان بسرعة وهو رابط رجله: “أمرك يا جناب العمدة! حمد الله على سلامتك.”
هريدي بصلي بنظرة كلها تملك وحب، وبعدين لف لحسان وچال بصرامة تهز الجبال: “جمّعلي كل أكابر البلد ورجالة القبلية في المندرة الكبيرة القايلة دي.. قولهم العمدة حَي، وعيعلم الهوارة كيف تكون الحرب بجد، وعيعرّف الكل مين هي الست زينات.. ست الدوار وحرم العمدة الأولي والأخيرة!”
#حكايات_شروق_خالد
عشق العمدة وتار الهوارة
حكايات شروق خالد




