
المطر كان بينزل على شباك السلم ، ونور عمود الإنارة الأصفر اللي في الشارع كان باين مهزوز وسط المية اللي على الإزاز.
ممر الدور الخامس كان ريحته خليط من المحارة ، والكرنب المسلوق، وحرارة الدفاية القديمة.
المية كانت بتنقط من طرف المعطف الأسود اللي لابسه، وتنزل على أرضية السلم اللي لونها بهت من كتر ما ناس كتير مشت عليها سنين طويلة.
الشقة رقم 5B بابها ماكانش مقفول كويس.
ومن الفتحة الصغيرة اللي بين الباب والحلق، كنت شايف تقريبًا كل اللي جوه.
الشقة كانت أصغر من مكتبي.
لمبة واحدة تعبانة متعلقة في السقف.
تلاجة قديمة بتعمل صوت غريب جنب حوض المطبخ، وحوالي البالوعة كان الصدأ مغطي المكان بلون برتقالي.
في ركن الشقة كان فيه سرير واحد، فوقه بطانية قديمة كانت زمان لونها أزرق.
وفوق السرير كانت متعلقة صورة فرح قديمة.
صورة ياسين الجبالي، حارسي الشخصي القديم، واقف جنب مراته كاميلة.
الاتنين كانوا بيضحكوا.
إيد ياسين كانت حوالين وسط مراته بحماية.
كاميلة في الصورة كانت أصغر بكتير من الست اللي دلوقتي بتشتغل في بيتي.
ملامحها كانت أهدى.
كانت لسه عندها أمل.
وكان واضح في عينيها إنها كانت واثقة إن الراجل اللي واقف جنبها هيعيش معاها العمر كله.
لكن ياسين من أربع سنين.
مات بعد ما وقف بيني وبين رصاصتين قدام مطعم في القاهرة.
وآخر كلمة قالها لي قبل ما كانت:
“خلي بالك منهم.”
كنت فاكر إني عملت كده.
وده كان أول كذبة كدبتها على نفسي.
نورا، بنت ياسين، كانت عندها تلات سنين بس.
وقفت على أطراف صوابعها ومدت إيدها ناحية نص رغيف العيش الأسمر اللي كان فوق الترابيزة.
كان فيه سكينة كبيرة جنب الرغيف.
أكبر من إيدها الصغيرة بكتير.
وكل مرة السكينة كانت بتتزحلق من إيدها، جسمي كله كان بيتشد.
كان نفسي أدخل وأاخدها منها.
أنا اللي كنت أقدر راجل لمجرد إنه يهدد حد من رجالي.
ومع ذلك…
فضلت واقف برا الباب.
لسه ما دخلتش.
نورا قطعت الرغيف نصين.
الحتة الأولى كانت أكبر.
لفتها بعناية في ورق، وفضلت تسوّي أطراف الورقة الصغيرة بإيدها، وبعدها حطتها جوه التلاجة الفاضية تقريبًا.
أما الحتة الأصغر، حطتها في طبق متشقق.
وبعدين مسكت زجاجة اللبن.
صبّت اللبن في كوباية لحد ما فاضل في الزجاجة شوية صغيرين.
وبعدها زودت عليها مية.
نص لبن…
ونص مية.
قلبتهم بصباعها الصغير.
ولما نقطة لبن وقعت على إيدها، لحستها.
طلعت فوق الكرسي تاني.
خدت الأرنب اللعبة بتاعها وحطته في .
الأرنب كان قديم.
عين سودا من زرار.
والعين التانية بيضا.
ودانه متخيطة بخيط باين وواضح.
نورا طلعت صورة صغيرة من جيب فستانها.
صورة أبوها ياسين.
الصورة كانت أطرافها متقطعة من كتر ما إيديها الصغيرة مسكت فيها.
حطتها قدام كوباية اللبن.
وبصت للصورة وقالت:
“هاي يا بابا.”
نفسي وقف.
“أنا كنت شاطرة النهارده.”
“قعدت في المطبخ.”
“وما لمستش الحاجات اللامعة.”
كسرت حتة صغيرة من العيش وحطتها في بوقها.
“أنا سيبت الحتة الكبيرة لماما.”
سكتت شوية.
“عشان هي بتقول إنها مش جعانة.”
وبصوت أوطى قالت:
“بس هي بتبقى جعانة لما تفتكر إني نايمة.”
إيدي اتقفلت على إطار الباب.
نورا كملت كلامها مع الصورة.
“ماما عيطت امبارح بالليل.”
“بس بهدوء.”
“أنا ما قلتلهاش إني سمعتها.”
“حطيت الأرنب على وداني عشان هي ما تحسش إني عارفة.”
بصت لصورة أبوها.
#حكايات_شروق_خالد
“أنا بحاول أكبر بسرعة يا بابا.”
“عشان لما أكبر أقدر أشتغل أنا كمان.”
الكلام دخل جوايا زي السكينة.
أنا كان عندي تلات مخازن كبار في القاهرة.
وسبع فنادق.
واتنين من أكبر مخازن الشحن.
وأرض ضخمة في الساحل ما بروحهاش غير نادر.
وفي مكتبي كان فيه خزنة ورا الحيطة، فيها فلوس تكفي إن عيلة كاملة تعيش سنين من غير ما تخاف من الإيجار أو الأكل.
ومع ذلك…
بنت الراجل اللي مات وهو بيحميني كانت بتخفف اللبن بالمية.
وبتقسم رغيف عيش نصين.
وكل ده وهي عايشة تحت ورقة متعلقة على التلاجة.
قدرت أشوف الكلام الأحمر من مكاني عند الباب.
“إنذار نهائي لسداد المبلغ.”
وتحتها ورقة تانية.
عليها ختم مؤسسة عيلة الجبالي الخيرية.
قريتها.
“تم رفض الطلب — المستفيد غير مستحق.”
الختم كان خَتمي.
واسمي كان مكتوب.
وفشلي كان واقف قدامي.
قبل ما أتحرك، سمعت مفتاح بيلف في الباب ورايا.
رجعت بسرعة خطوة، واستخبيت في ضلمة السلم.
الباب اتفتح.
كاميلة دخلت.
هدومها كانت مبلولة من المطر.
ولسه مريلة الشغل.
واضح إنها كانت جاية من شيفت طويل.
أطول بكتير من اللي كان يستحمله.
“نورا؟”
الطفلة قعدت بسرعة.
بسرعة زيادة عن الطبيعي.
“أنا صاحية.”
“ما كنتش نايمة.”
كاميلة بصتلها.
“الساعة عدت عشرة يا حبيبتي.”
“كنت مستنياكي.”
كاميلة حطت شنطتها على الأرض.
ومشت ناحية بنتها.
وأول ما شافت الطبق اللي عليه فتافيت العيش، ملامحها ارتاحت شوية.
“أكلتي؟”
“أيوه.”
“أكلتي كله؟”
“كله.”
كاميلة بصتلها بشك.
“نورا.”
“والله أكلته كله.”
كاميلة نزلت على ركبتها جنب السرير.
وحطت إيدها على خد بنتها.
سكتوا الاتنين شوية.
وبعدين نورا قالت:
“إنتِ تلج يا ماما.”
“مشيتِ؟”
“الأتوبيس اتأخر.”
“في عيش؟”
كاميلة ردت بسرعة:
“أنا أكلت قبل ما أجي.”
نورا بصتلها.
“ماما.”
“أنا مش جعانة.”
“إنتِ دايمًا بتقولي كده.”
كاميلة ما ردتش.
عين نورا اتحركت ناحية التلاجة.
ناحية الحتة الكبيرة من الرغيف.
وبصيت أنا كمان ناحية التلاجة.
في اللحظة دي فهمت.
الكذبة دي ما كانتش جديدة.
الأم والبنت متعودين عليها.
“مش جعانة يعني؟”
نورا سألتها بصوت ضعيف.
كاميلة ابتسمت ابتسامة مكسورة.
“أيوه.”
“بس بطنك بتوجعك لما بتنامي.”
كاميلة سكتت.
قربت منها وشدت البطانية فوق جسمها.
“نامي يا حبيبتي.”
“حاضر.”
“نامي بقى.”
“حاضر يا ماما.”
كاميلة قامت.
مشت ناحية التلاجة.
فتحتها.
وقفت قدامها فترة طويلة.
من غير ما تاخد حاجة.
وبعدين عينها وقعت على الورقة الحمرا.
قرتها.
وبعدين قرتها تاني.
كتافها نزلت.
وكان واضح عليها إنها استقبلت خبر وحش كانت متوقعاه أصلًا.
#حكايات_شروق_خالد
همست:
“مش الليلة.”
وبعدين قفلت التلاجة.
من غير ما تاكل.
طفت النور.
وراحت نامت جنب بنتها على السرير الضيق.
كانت بتحاول ما تصحيهاش.
لكن نورا كانت أصلًا بطلت تمثل إنها نايمة.
اتكور جسمها الصغير جوه حضن أمها.
فضلت واقف برا الباب وقت طويل.
الصورة بتاعة ياسين كانت مستخبية تحت المخدة.
والحتة الكبيرة من الرغيف لسه جوه التلاجة.
محدش لمسها.
محدش فتح التلاجة تاني.
بعد وقت طويل، بعدت عن الباب.
كنت ماسك إطار الباب جامد لدرجة إن جلد إيدي اتفتح.
لكن ما حسيتش بالوجع.
نزلت الخمس أدوار واحدة واحدة.
إيدي كانت بتجر على الحيطة المبلولة.
ولما خرجت الشارع، المطر كان بيزيد.
ركبت عربيتي القديمة.
قفلت الباب.
وحطيت جبهتي على الدركسيون.
وفضلت قاعد كده لحد ما إزاز العربية كله بخار.
الناس في القاهرة كانوا بيسموني “الرجل الرخامي”.
أنا شفت رجالة بتترجاني على حياتها من غير ما رمش حتى.
شفت جثث.
وشفت دم.
ووقعت عقود وأنا واقف قدام رجالة إيديهم لسه عليها دم.
ماكانش عندي قلب.
أو على الأقل…
ده اللي كنت فاكره.
لكن الليلة دي، في شارع محدش يعرف فيه اسمي…
عيطت.
عيطت عشان طفلة عندها تلات سنين كانت بتقسم رغيف عيش عشان أمها.
وعشان بنت الراجل اللي مات وهو بينقذ حياتي كانت بتتعامل مع الفقر كأنه شيء طبيعي.
وأنا؟
كنت فاكر إني بحميهم.
لكن الحقيقة…
إني كنت سايبهم يغرقوا قدامي.
والأغرب من كل ده…
إن اللي شوفته الليلة دي ماكانش غير أول الخيط.
لأن قبلها بأربع شهور…
كنت تقريبًا رفضت إن كاميلة تدخل بوابة قصري أصلًا.
ماكنتش أعرف وقتها إن بنتها الصغيرة نورا هتكون السبب في كشف سر مدفون من سنين.
ولا كنت أعرف إن فيه تسجيل مخفي جوه بيتهم.
ولا إن فيه جنينة مقفولة في قصري من سنين.
ولا إن السر اللي مستخبي ورا بابها…
هيفتح ملف ياسين من جديد.
وحد من أقرب الناس ليا…
كان لسه بيكمل اللي بدأه من أربع سنين.
تاني يوم الصبح، أول حاجة عملتها إني اتصلت بمدير الأمن عندي.
“عايز ملف ياسين الجبالي كامل.”
سكت ثانيتين.
“يا فندم… الملف اتقفل من أربع سنين.”
“أنا ما سألتكش اتقفل ولا لأ.”
صوتي كان هادي.
“أنا بقولك هاته.”
“حاضر.”
قفلت المكالمة.
وبعد أقل من نص ساعة، كنت واقف في مكتبي قدام الشباك الكبير، والمدينة كلها تحت رجلي.
بس لأول مرة من سنين، الفلوس والسلطة والناس اللي بتخاف مني ماكانوش فارقين معايا.
اللي كان قدامي كان صورة نورا.
طفلة صغيرة بتقسم نص رغيف عيش.
دخل مساعدي، حط الملف على المكتب.
“ده كل اللي لقيناه.”
فتحته.
أول ورقة كانت تقرير الحادث.
مكان الحادث: شارع جانبي في وسط القاهرة.
عدد الطلقات: تلاتة.
طلقة في العربية.
طلقتين أصابوا ياسين.
السبب الرسمي للوفاة:
نزيف حاد.
بصيت في الورقة فترة.
وبعدين سألت:
“مين كتب التقرير؟”
“المقدم سامح فؤاد.”
رفعت عيني.
“سامح؟”
“أيوه.”
سامح كان واحد من أكتر الناس اللي بثق فيهم.
وكان موجود يوم الحادث.
قلبت الورقة.
لقيت حاجة غريبة.
توقيع شاهد على الحادث.
اسمه: محمود الشامي.
المشكلة إن محمود الشامي مات بعد الحادث بشهرين.
حادثة عربية.
قفلّت الملف.
“هاتلي كل حاجة عن محمود الشامي.”
مساعدي اتردد.
“كل حاجة؟”
“كل حاجة.”
خرج.
فضلت لوحدي.
بعد دقايق، موبايلي رن.
رقم غريب.
رديت.
“ألو؟”
مافيش رد.
“مين؟”
سمعت نفس طفولي ضعيف.
“عمو؟”
اتجمدت.
“نورا؟”
صمت.
وبعدين سمعت صوت كاميلة بعيد:
“نورا! سيبي التليفون!”
المكالمة اتقفلت.
وقفت مرة واحدة.
إزاي نورا وصلت لموبايلي؟
أنا عمري ما اديت لها رقمي.
اتصلت بكاميلة.
الموبايل كان مقفول.
اتصلت تاني.
مفيش رد.
اتصلت بمدير الأمن.



