
كان الدم بينتشر على الرخام الأبيض تحت وشي، في اللحظة اللي قررت فيها إني ما اتحركش. الوقعة نفسها ما كانتش وجعتني تقريبًا، لكن وأنا شايف خادمتي وهي بتهوي على ركبها جنبي، والست اللي كنت على وش جواز منها واقفة متجمدة فوق السلم، فهمت إن التظاهر بالعجز ممكن يكشف حاجة أخطر بكتير من أي عدو قابلته في حياتي.
“أستاذ ياسين… متتحركش. والنبي.”
سلمى وقعت على الأرض بعنف لدرجة إن ركبها أكيد اتخبطت جامد، لكنها ما اهتمتش. بإيدها حطت فوطة على الجرح اللي فوق حاجبي، وبالإيد التانية طلعت موبايلها بسرعة.
أما فوق السلم، فكانت نادين واقفة مكانها. ساكتة. ولا كأنها شايفة راجل هيتجوزها واقع قدامها والدم مغرق وشه.
بدأت أعد في سري. ثانية. اتنين. تلاتة. أربعة. وبعدها بس صرخت.
“يا نهار أبيض… ياسين!”
نزلت السلم بسرعة، وهي ماسكة الدرابزين بإيد، وحريصة على كعب جزمتها الغالي ما يزحلقهاش.
سلمى ما بصتش ناحيتها حتى. فضلت عينيها عليّ.
“خليك معايا.” قالتها بصوت واطي، وهي بتحاول تمنع دموعها. “قولي النهارده كام؟”
كنت عارف النهارده كام بالظبط. الدم كان حقيقي. لكن العجز… كان تمثيل.
بقالى خمستاشر سنة، كل رجال عالم الجريمة في القاهرة والمناطق اللي حوالينها عارفين اسم ياسين المنشاوي. كنت مسيطر على مخازن، وشركات مقاولات، نوادي خاصة، وشبكة نقل بضائع ممتدة من القاهرة لحد الموانئ. كان عندي رجالة في كل مكان. وأعداء أكتر من اللي أقدر أعدهم.
لكن محدش كان يقدر يلمسني من غير إذني. ومحدش كان يرفع صوته جوه بيتي. ومحدش عمره شافني مرمي على الأرض بالشكل ده.
ومع ذلك… سلمى اتحركت من غير ما تفكر في نفسها. أما نادين… فكرت الأول.
والفرق ده فكرني بجملة أبويا كان دايمًا بيقولها قبل ما رصاصة تنهي حياته. “يا ياسين… إنت عمرك ما هتعرف مين بيحبك وإنت قاعد في بيت كله فخامة.” “هتعرف الحقيقة لما حاجة تتكسر.”
وقتها ما فهمتش قصده. دلوقتي… فهمت.
قبل تلات شهور بس، كان مجرد التفكير في إن نادين ممكن تخدعني شيء مستحيل. كانت ذكية. أنيقة. وعارفة تتعامل مع الرجالة الأقوياء من غير ما تخاف.
اتقابلنا أول مرة في حفلة خيرية في الزمالك من سنتين. كانت قاعدت جنبي، وبصت للحلو وقالت بهمس: “الحلو ده شكله اتخانق مع ليمونة وخسر.”
ضحكت وقتها من قلبي. ضحكة ما طلعتش مني بالشكل ده من شهور. نادين خلت حياتي تحس إنها طبيعية.
وبالنسبة لراجل حياته كلها كانت عبارة عن صفقات، وفلوس بتتنقل في الخفاء، وخلافات، وتهديدات بتتقال بنص كلمة… الحياة الطبيعية كانت إدمان.
لما طلبت إيدها، دموعها نزلت قبل حتى ما أفتح علبة الخاتم. وصدقتها. كنت فاكر إنها بتحب ياسين. مش اسم المنشاوي. مش الفلوس. مش النفوذ. ياسين نفسه.
لحد اليوم اللي اختفى فيه إسوارها الماسي.
سلمى كانت شغالة في البيت بقالها تقريبًا سنتين. بنت عندها تسعة وعشرين سنة، هادية، مؤدبة، شاطرة في شغلها، ودائمًا بتحط حدود بينها وبين كلام أهل البيت. ما كانتش بتتدخل في أي حاجة مالهاش دعوة بيها. وكان عندها بنت صغيرة اسمها ليان، عندها أربع سنين.
مرة في عيد الميلاد، كنت راجع من شغلي ومتضايق، ولقيت سلمى بتحطلي طبق بسكويت على المكتب. عرفت بعدها إنها خدته لبنتها، وليان رسمتلي رسمة بألوان خشب. كنت واقف في الرسمة جنب حاجة شبه عمارة طويلة جدًا… أو تلاجة.
سلمى اعتذرتلي وهي محرجة. “معلش يا أستاذ ياسين… بنتي لسه صغيرة.” ضحكت. وخدت الرسمة. وحطيتها في برواز.
لكن يوم أربعاء… كل حاجة اتغيرت.
نادين كانت عاملة غدا صغير لثلاث ستات من لجنة تجهيز الفرح. سلمى كانت لسه بتلم أطباق الغدا، لما نادين قامت فجأة. بصت لإيدها. وبعدين وشها اتغير. “الإسوار بتاعي.”
الكل سكت. نادين بدأت تبص حوالين المكان. “كان هنا.” عينيها راحت مباشرة لسلمى. “إنتِ حركتيه؟”
سلمى وقفت مكانها. “لا يا مدام.” نادين قربت منها خطوة. “متأكدة؟” سلمى بلعت ريقها. “أيوه، متأكدة.”
نادين ضحكت ضحكة صغيرة. “أنا مش بتهم حد.” لكن كل اللي في المكان كان فاهم إنها بتتهمها.


