
مريم فضلت واقفة مكانها، مش قادرة تستوعب اللي شافته.
«مراتك المستقبلية؟»
خرجت منها الكلمة من غير ما تقصد.
أحمد بص لها.
«أيوه.»
«بس الرسالة بتقول—»
«أنا عارف.»
«وعيلة منصور…»
قاطعها:
«مالهاش علاقة باللي حصل لحد ما نتأكد.»
قرب منها، وصوته بقى أهدى، لكن أخطر.
«من دلوقتي، إنتِ مش هتتحركي لوحدك.»
مريم هزت راسها.
«أنا مش فاهمة أصلًا ليه حد ممكن يهددني.»
«لأنهم فاكرين إنك نقطة ضعفي.»
«وأنا… نقطة ضعفك؟»
سكت.
بص لها ثواني.
«أكتر مما تتخيلي.»
قلبها دق بعنف.
لكنها حاولت تضحك.
«ده مش مطمّن خالص.»
«مش مطلوب منك تطمني.»
أشار للباب.
«مطلوب منك تثقي فيا.»
خرجوا من المكتب.
القاعة كانت لسه مليانة، لكن رجال أحمد كانوا بدأوا يخرجوا الضيوف بهدوء، من غير ما حد يعرف السبب الحقيقي.
مريم لمحت داليا واقفة عند الباب.
كانت بتتكلم في تليفونها.
وأول ما عينيها قابلت عيني مريم، داليا قفلت المكالمة بسرعة.
أحمد لاحظ.
«خليكي هنا.»
«إنت رايح فين؟»
«هسألها سؤال.»
اتجه ناحيتها.
داليا رفعت حاجبها.
«خير يا أحمد؟»
وقف قدامها.
«مين اللي كلمك من شوية؟»
ابتسمت.
«مش من حقك.»
«بالعكس.»
صوته كان هادي جدًا.
«من حقي أعرف مين بيهدد موظفة عندي جوه بيتي.»
داليا بصت لمريم.
وبعدين رجعت بصت له.
«موظفة؟»
ضحكت بسخرية.
«إنت لسه مقتنع إنها مجرد موظفة؟»
وش أحمد اتجمد.
داليا قربت منه وهمست:
«لو عايز تعرف مين خد الصورة، اسأل نفسك سؤال واحد.»
«إيه؟»
«مين كان عارف إن مريم موجودة هنا الليلة دي؟»
سكت.
داليا كملت:
«مش كتير.»
وبعدين عدلت فستانها ومشت.
أحمد وقف مكانه ثواني.
ثم التفت لمريم.
«تعالي.»
مريم مشيت وراه.
دخلوا غرفة جانبية صغيرة.
أحمد قفل الباب.
قال:
«مين كان عارف إنك هتفضلي في القصر لحد آخر الحفلة؟»
مريم فكرت.
«مدير التنظيم… والسكرتيرة… والناس اللي شغالة معايا.»
«حد من بره؟»
«لا.»
سكتت.
ثم قالت:
«استنى.»
أحمد بص لها.
«افتكرت حاجة.»
«إيه؟»
«من يومين، واحدة من موظفات المؤسسة سألتني عن جدول الحفلة بالتفصيل.»
«اسمها؟»
«سلمى.»
أحمد أخرج هاتفه.
اتصل بأحد رجاله.
«هاتولي كل حاجة عن موظفة اسمها سلمى شريف بتشتغل في المؤسسة.»
سكت يستمع.
ثم تغيرت ملامحه.
«من إمتى؟»
الرجل رد عليه.
أحمد قال:
«متأكد؟»
وبعدين قفل.
مريم قربت.
«إيه؟»
بصلها.
«سلمى اختفت من ساعتين.»
«اختفت؟»
«أيوه.»
«يعني ممكن تكون هي اللي—»
«ممكن.»
اتجه ناحية الباب.
لكن مريم مسكت ذراعه.
«أحمد.»
وقف.
دي أول مرة تلمسه.
وأول مرة هو ما يتحركش بعيد.
قالت:
«إنت لازم تقوليلي الحقيقة.»
بصلها.
«حقيقة إيه؟»
«إنت مش مجرد رجل أعمال.»
سكت.
«أنا عارفة.»
فضل ساكت.
مريم كملت:
«أنا سمعت كلام كتير عنك.»
«إيه اللي سمعتيه؟»
«إنك أخطر واحد في القاهرة.»
ابتسم ابتسامة صغيرة.
«وبعد؟»
«إن اللي يعاديك… بيختفي.»
اختفت ابتسامته.
«إنتِ خايفة مني؟»
مريم بصت في عينيه.
ولأول مرة، ما هربتش بنظرها.
«لو كنت خايفة منك… ماكنتش بست صورتك.»
سكت.
كأن الجملة أصابته في مكان ماكانش متوقعه.
قرب منها.
«مريم.»
«نعم؟»
«متعمليش كده.»
«أعمل إيه؟»
«تبصيلي بالطريقة دي.»
ابتسمت بخجل.
«ليه؟»
قال بصوت منخفض:
«عشان أنا مش هقدر أفضل محترم حدودك كتير.»
قلبها خبط.
لكن قبل ما ترد، صوت انفجار خفيف جه من بره.
الاثنين اتلفتوا.
أحمد فتح الباب بسرعة.
الدخان كان طالع من آخر الممر.
رجاله جريوا ناحية المصدر.
أحمد مسك إيد مريم.
«ورايا.»
«أحمد، إيه اللي حصل؟»
«مش عارف.»
لكن بعد ثواني، واحد من رجاله جري ناحيته.
«باشا! العربية بتاعة الأستاذة مريم .»
مريم شهقت.
«عربيتي؟»
أحمد شد إيدها أكتر.
«إنتِ كنتِ راكباها قبل ما تدخلي؟»
«آه.»
«كان ممكن تكوني جواها.»
صوته خرج لأول مرة مرتعشًا من الغضب.
مريم بصت له.
«أنا كويسة.»
بصلها لحظة.
وبعدين قرب منها جدًا وقال:
«دي آخر مرة حد يقرب منك وأنا واقف أتفرج.»
رفع عينيه لرجاله.
«اقفلوا القصر.»
أحدهم سأله:
«والضيوف؟»
«محدش يخرج.»
«حاضر يا باشا.»
أحمد رجع بص لمريم.
«من اللحظة دي، أي حد يقرب منك من غير إذني… اعتبريه عدو.»
مريم همست:
«وأنا؟»
«إنتِ؟»
«أنا بالنسبة لك إيه؟»
فضل ساكت.
ثم رفع إيده ولمس خدها برفق.
وقال:
«إنتِ الحاجة الوحيدة اللي ممكن تخليني أخسر كل حاجة وأنا راضي.»
مريم ما لحقتش ترد.
لأن صوت هاتفه رن.
أحمد بص للشاشة.
رقم مجهول.
رد.
ماحدش اتكلم.
ثم ظهر صوت رجل من الطرف التاني:
«لو عايز تعرف مين ورا كل ده… تعالى الميناء القديم لوحدك.»
أحمد سكت.
الرجل كمل:
«ولو جبت مريم معاك… هتشوفها آخر مرة.»
اتقفل الخط.
أحمد بص لمريم.
وفي اللحظة دي فهمت من عينيه إن الليلة دي لسه ما بدأتش أصلًا.
لأن الشخص اللي ورا التهديدات ماكانش عايز فلوس.
ولا صفقة.
كان عايز أحمد الجارحي نفسه.
وكان عارف بالضبط إيه الحاجة الوحيدة اللي ممكن تجبر أخطر رجل في القاهرة إنه يركع.
مريم.
حكايات شروق خالد
وصل أحمد للميناء القديم قبل منتصف الليل بدقايق.
ومعاه مريم.
رغم كل التهديدات.
كانت واقفة جنبه، قلبها بيخبط، لكنها المرة دي ماكانتوش خايفة منه.
كانت خايفة عليه.
المكان كان مهجور، والهواء بيحرك أبواب المخازن الصدئة.
أحمد بص حواليه.
«إنتِ تفضلي ورايا.»
مريم هزت راسها.
«مش هسيبك.»
بصلها للحظة.
«مريم، دي مش نزهة.»
«وأنا مش جاية أتنزه.»
قبل ما يرد، ظهر رجل من الظلام.
وراه اتنين مسلحين.
الرجل ابتسم.
«أخيرًا يا أحمد الجارحي.»
أحمد وقف قدام مريم.
«إنت عايز إيه؟»
«عايز أشوفك بتخسر لأول مرة.»
ضحك أحمد بسخرية.
«اختارت الشخص الغلط.»
الرجل أخرج هاتفه.
وعرض صورة قديمة.
صورة أحمد ووالده.
مريم بصت للشاشة.
«إيه ده؟»
الرجل قال:
«أبوك أخويا من عشرين سنة.»
أحمد سكت.
«وعشان كده قضيت عمري كله مستني اللحظة دي.»
مريم بصت لأحمد.
لكن أحمد ما ردش.
الرجل كمل:
«كنت من زمان… لولا إنك بقيت أقوى من أبوك.»
ثم وجه سلاحه ناحية مريم.
«لحد ما اكتشفت إنها نقطة ضعفك.»
في اللحظة دي، مريم عملت حاجة محدش توقعها.
خرجت من ورا أحمد ووقفت جنبه.
وقالت:
«أنا مش نقطة ضعفه.»
الرجل ضحك.
«أمال إيه؟»
مريم بصت لأحمد.
«أنا اختياره.»
أحمد التفت لها.
لثواني، المكان كله اختفى من حواليه.
وبعدين ابتسم.
ابتسامة صغيرة جدًا.
«سمعته؟»
قال للرجل.
«هي اختارتني.»
الرجل أشار لرجاله.
«خلصوا عليهم.»
لكن قبل ما حد يتحرك، أنوار سيارات قوية نورت المكان.
عشرات من رجال الشرطة ورجال الأمن أحاطوا بالمخزن.
الرجل اتصدم.
«إزاي؟»
أحمد رد بهدوء:
«لأنك غلطت غلطة واحدة.»
«إيه؟»
«افتكرت إني هاجي لوحدي.»
الرجل بص لمريم.
مريم ابتسمت.
«وأنا اللي اتصلت بالشرطة قبل ما نتحرك.»
بعد دقائق، انتهى كل شيء.
اتقبض على الرجل ورجاله.
أما أحمد، ففضل واقف بعيد، بيبص للبحر.
مريم قربت منه.
«إنت كويس؟»
«آه.»
«بتكدب.»
بصلها.
«ليه؟»
«عشان أول مرة أشوفك ساكت كده.»
تنهد.
«افتكرت حاجات قديمة.»
وقفت جنبه.
«مش لازم تفضل عايش فيها.»
بصلها.
«وإنتِ؟»
«أنا إيه؟»
«لسه عايزة تبقي جزء من حياتي بعد كل اللي حصل؟»
ابتسمت.
«أنا من إمتى بقيت جزء من حياتك؟»
قرب منها خطوة.
«من اللحظة اللي بستي فيها صورتي.»
ضحكت.
«يعني إنت لسه فاكر؟»
«أنا مستحيل أنسى.»
«كان تصرف غبي.»
«بالنسبة لي كان أحسن تصرف عملتيه في حياتك.»
ضحكت وهي بتبص بعيد.
«أحمد…»
«نعم؟»
«الليلة دي بدأت بسبب بوستر.»
«صح.»
«وانتهت بمطاردة ومافيا وشرطة.»
«صح.»
«يعني لو كنت أعرف، ماكنتش باست الصورة.»
رفع حاجبه.
«بتقولي إيه؟»
«بقول إني ندمانة.»
سكت.
وبعدين قرب منها.
«كذابة.»
ابتسمت.
«ليه؟»
قال بهدوء:
«عشان لو رجعنا لأول لحظة… كنتِ هتبوسيها تاني.»
مريم حاولت تخبي ابتسامتها.
«يمكن.»
«مش يمكن.»
قرب أكتر.
«أكيد.»
وبعدين مد إيده.
«تعالي.»
«فين؟»
«نرجع القصر.»
«ليه؟»
ابتسم.
«عندي بوستر لازم نتكلم معاه.»
ضحكت مريم.
«أحمد!»
«إيه؟»
«إنت مستفز.»
«وأنتِ بتحبيني.»
سكتت.
بصت له.
ولأول مرة ما حاولتش تنكر.
«آه.»
الكلمة خرجت بسيطة.
لكنها كانت كفاية.
أحمد مسك إيدها.
وقال:
«وأنا بحبك من قبل ما أعرف إنك كنتِ بتبوسي صورتي في السر.»
بعدها بشهور، اتعملت حفلة صغيرة في قصر الجارحي.
مش حفلة تبرعات.
ولا اجتماع رجال أعمال.
كانت حفلة خطوبة مريم وأحمد.
وفي وسط القاعة، كان نفس البوستر القديم معلق على الحائط.
مريم وقفت قدامه وضحكت.
«إنت فعلًا خليته هنا؟»
أحمد وقف جنبها.
«طبعًا.»
«ليه؟»
«عشان يفضل شاهد على أول مرة اعترفتيلي فيها من غير ما تعرفي.»
مريم هزت راسها.
«أنا لسه شايفة إن اللي حصل كان إحراج.»
أحمد ابتسم.
«أنا شايفه بداية أحلى قصة حصلتلي.»
وبعدين مال ناحيتها وهمس:
«بس عندي سؤال.»
بصت له.
«إيه؟»
قال:
«المرة دي… هتستني لما أختفي عشان تبوسي الصورة؟»
ضحكت.
«لأ.»
«ليه؟»
ابتسمت وهي بتبص في عينيه.
«عشان صاحب الصورة بقى قدامي.»
أحمد ضحك، ومد إيده ليها.
وفي اللحظة دي، مريم فهمت إن بعض الأسرار تبدأ بقبلة مسروقة…
لكن أجملها هو السر اللي يتحول في النهاية إلى حب معلن.
أما البوستر القديم، ففضل معلق في قاعة القصر سنين طويلة.
وكل ما حد يسأل أحمد عنه، كان يبتسم ويقول:
«دي أول صورة خلتني أغير حياتي كلها.»
النهاية.
على صورة زعيم المافيا»
حكايات شروق خالد




