
هي باست سرًّا صورة زعيم —وفجأة ظهر وراها وقال لها: «اعملي كده تاني عشاني.»
اتجمدت مريم عبد الرحمن مكانها، ولسه شفايفها مفرودة وإيدها مفرودة على البوستر الضخم المعلّق على حائط قاعة المعارض الكبيرة في قصر عيلة الجارحي.
الصورة كانت لأحمد الجارحي وهو واقف على منصة من تلات سنين — فكه مشدود، وعينيه مليانة جدية، بالشكل اللي كان بيخلي الصحافة تتكلم عنه، والعائلات المنافسة تفكر ألف مرة قبل ما تاخد أي خطوة ضده.
كانت واقفة لوحدها في القاعة بقالها عشرين دقيقة، بتراجع القائمة الأخيرة لتجهيزات حفلة التبرعات اللي هتتعمل بكرة، لما الجزء العاقل من عقلها قرر فجأة ياخد أجازة.
بصت للبوستر.
افتكرت تمن شهور كاملة وهي بتحاول تحافظ على مسافة مهنية محسوبة بينها وبينه.
افتكرت نبرة صوته لما بيكون جاد، والطريقة اللي كان بيسمع بيها في الاجتماعات كأن كل كلمة بتتقال قدامه مهمة، وطريقته وهو بيدخل أي مكان كأنه مش بس مالكه… كأنه مالك الهوا اللي جواه.
وبعدين…
باسته.
ودلوقتي كانت واقفة ولسه إحساس اعترافها السري على شفايفها، وبتحاول تقنع نفسها بكل ذرة أمل يائسة جواها إنها تخيلت الصوت.
إن الكلمة الوحيدة اللي سمعتها—«تاني»—كانت مجرد خدعة من صدى المكان، أو وهم سببه الإرهاق والضغط وسبعة وأربعين حاجة لسه لازم تخلصهم قبل حفلة بكرة.
لكنها سمعت زفيره.
هادئ.
مسيطر على نفسه.
وفيه لمحة تسلية.
لفت ببطء.
وكان أحمد الجارحي واقف على بُعد حوالي تلات خطوات منها.
مش أحمد اللي في البوستر.
أحمد الحقيقي.
راجل من لحم ودم، لابس بدلة غالية، وسمعته لوحدها كانت كفيلة تخلي المحامين نفسهم يتوتروا.
كان بيبصلها بتعبير عمرها ما شافته على وشه قبل كده.
مش غضب.
ولا احتقار.
حاجة شبه… التسلية الحقيقية.
قال بهدوء:
«أنا سألتك سؤال.»
فتحت مريم بوقها.
مطلعش صوت.
قفلته تاني.
«أستاذ أحمد… أنا أقدر أشرح.»
«أنا متأكد إنك تقدري.»
اتقدم خطوة ناحيتها—من غير تهديد، مجرد وجوده كان كفاية يخلي الجو كله في القاعة يتغير حواليه.
وقال:
«بس أنا مهتم أكتر بإجابة السؤال اللي سألته.»
عقلها، اللي كان طول عمره من أكتر الحاجات الموثوقة عندها، كان قرر يسيبها في أسوأ لحظة ممكنة.
قالت بحذر:
«الإجابة… على سؤال إذا كانت كفاية ولا لأ.»
رفع حاجبه.
«ده هو السؤال.»
بصت للبوستر.
نسخة منه متجمدة في نص خطاب، على نفسه ومحدش يقدر يقرب منه.
وبعدين بصت للراجل الحقيقي اللي واقف قدامها.
قالت، لأن غريزة الحفاظ على حياتها وسمعتها كانت هي كمان قررت تختفي الليلة دي:
«البوستر مش بيرد. فدي كانت ميزة معينة.»
الصمت اللي نزل بعدها استمر حوالي أربع ثواني.
وبعدين حصلت حاجة مريم هتفضل فاكرها طول عمرها، ومش هتحكيها لأي حد—لأنها مستحيل تقول السر ده لأي بني آدم.
أحمد ضحك.
مش ضحكة مجاملة.
ضحكة حقيقية.
قصيرة، عفوية، وخرجت منه كأنه هو نفسه اتفاجئ إنه ضحك.
حست مريم قلبها عمل حركة غريبة… وغبية جدًا.
قال بعد ما هدي:
«إنتِ شغالة هنا بقالك تمن شهور.»
ردت بسرعة:
«تمن شهور واتناشر يوم.»
في اللحظة دي تمنت لو الأرض تنشق وتبلعها.
لأن الدقة دي كشفت قد إيه هي مهتمة بيه، وهي كانت تتمنى تخبي الموضوع ده كويس.
اتغيرت ملامحه حاجة بسيطة.
مش ابتسامة بالظبط.
حاجة أهدى…
وأخطر.
كرر كلامها:
«تمن شهور واتناشر يوم.»
وبعدين قال:
«وخلال الفترة دي كلها، عمرك ما بصيتيلي مرة بشكل مباشر لما دخلت أوضة.»
حست الحرارة طلعت لرقبتها.
قالت بسرعة:
«كنت مركزة في الشغل اللي المفروض يتعمل.»
«كنتِ مركزة.»
هز راسه.
«بس مش عليا.»
«ده اسمه تصرف مهني محترم.»
«صحيح.»
بصلها بثبات.
«وعشان كده أنا لاحظته.»
ماعرفتش ترد.
قضت تمن شهور وهي بتحاول بكل قوتها ما تفكرش في حقيقة إنها بتلاحظه.
بتلاحظ طريقته وهو بيتحرك في المكان.
طريقة كلامه.
وطريقة استماعه.
مش الاستماع المصطنع بتاع الرجالة اللي بيستَنوا دورهم عشان يتكلموا.
لا.
كان بيسمع بتركيز كامل.
كأن الشخص اللي قدامه هو أهم شخص في المكان في اللحظة دي.
وكان الإحساس ده يخلي الواحد يحس إنه… متشاف فعلًا.
افتكرت الموظف اللي أمه كانت مريضة، واللي مريم اكتشفت إن أحمد دفع مصاريف علاجها في هدوء ومن غير ما يقول لحد.
افتكرت فرد الأمن اللي ابنه دخل الجامعة، وبعدها بطريقة غريبة اتغطت مصاريف تعليمه عن طريق منحة من مؤسسة مجهولة.
وافتكرت عمال المطبخ اللي كانوا بياخدوا مكافآت في آخر السنة، من صندوق مريم كانت متأكدة إنه مش موجود أصلًا.
هي لاحظت كل حاجة.
لكنها كانت دايمًا بتقول لنفسها إن الملاحظة مش معناها حاجة.
قالت بسرعة:
«أنا لازم أمشي.»
وبدأت تتكلم أسرع عشان من الموقف:
«عندي سبعتاشر حاجة في القائمة لازم أخلصهم قبل بكرة، وكمان جدول شركة الكاترينج—»
«مريم.»
اسمها خرج من بين شفايفه، فوقفها في نص الكلام.
هو عمره ما ناداها باسمها.
طول تمن شهور واتناشر يوم، كانت بالنسبة له «آنسة عبد الرحمن»، أو أحيانًا «عبد الرحمن» لما يكون فيه حاجة مستعجلة والوقت مش مستحمل ينطق مقطعين زيادة.
اسمها من بقه خلى قلبها يخبط بقوة.
قال:
«الحفلة مدتها أربع ساعات بكرة بالليل.»
سكت لحظة.
«بعد ما تخلص، عايزك تقوليلي الشرح الكامل اللي قولتي عليه.»
بصتله بصدمة.
«الشرح الكامل… للي حضرتك شوفته؟ يعني عايزني أشرح ليه كنت واقفة قريبة من…»
وقفت.
مستحيل تقولها.
مستحيل تنطق بالحقيقة.
قالت بسرعة:
«من مواد العرض.»
فضل باصص لها شوية.
وبعدين قال:
«تصبحي على خير، آنسة عبد الرحمن.»
عدى من جنبها ناحية الممر البعيد، بخطوات هادية ومريحة، وكأنه مفيش أي حاجة حصلت.
وعند مدخل الممر، ومن غير ما يبص وراه، قال:
«سبعتاشر حاجة في ليلة واحدة؟ طموح زيادة.»
سكت لحظة.
«نامي شوية.»
وبعدين اختفى.
فضلت مريم واقفة لوحدها في قاعة المعارض.
حطت إيديها الاتنين على وشها، وطلعت منها تنهيدة كانت خليط بين ضحكة مكتومة وأنين من الإحراج.
بصت للبوستر.
البوستر كان لسه بيبصلها من غير أي مساعدة.
وكعادته…
ما ردش.
#حكايات_شروق_خالد
تاني يوم، مريم وصلت قصر الجارحي قبل كل الموظفين تقريبًا.
كانت مقتنعة إن أفضل طريقة للتعامل مع اللي حصل امبارح هي إنها تتصرف وكأن مفيش حاجة حصلت.
لا قبلة.
لا بوستر.
ولا أحمد الجارحي وهو واقف وراها وبيطلب منها تعملها تاني عشانه.
دي حاجات عقلها قرر يحطها في صندوق مقفول ويرمي مفتاحه في النيل.
لكن المشكلة إن قلبها كان عنده رأي تاني تمامًا.
من أول ما دخلت القصر، كانت كل ما تفتكر صوته وهو بيقول:
«اعملي كده تاني عشاني.»
تحس وشها يسخن.
«يا رب الأرض تنشق.»
همست لنفسها وهي بتراجع ترتيب الطاولات.
واحدة من العاملات بصتلها باستغراب.
«حضرتك بتقولي حاجة؟»
ابتسمت مريم بسرعة.
«لا، بكلم نفسي.»
«واضح.»
ومشت الست وهي بتضحك.
مريم غمضت عينيها للحظة.
النهارده لازم يعدي من غير كوارث.
الحفلة بدأت الساعة سبعة مساءً.
وبحلول الساعة سبعة وعشر دقائق، كانت القاعة مليانة رجال أعمال، شخصيات مهمة، وصحفيين، وعائلات من أكبر العائلات في القاهرة.
مريم كانت بتتحرك بينهم بسرعة، بتراجع كل تفصيلة، من الإضاءة لحد ترتيب المقاعد.
كانت بتحاول تتجنب حاجة واحدة بس.
إنها تبص ناحية أحمد.
لكن كأن القدر كان متفق معاه ضدها.
لأن أول ما دخل القاعة، كل الأصوات تقريبًا هديت.
أحمد الجارحي دخل ببدلته السودا، وشعره مرتب، وملامحه الهادية المعتادة.
ناس كتير قربت منه.
صافح ده.
رد على دي.
ابتسم ابتسامة صغيرة لحد.
لكن وسط كل الناس دي، عينه لقت مريم.
ثانية واحدة بس.
لكنها كانت كفاية تخليها تنسى هي كانت ماسكة إيه.
الملف وقع من إيدها.
اتناثرت الأوراق على الأرض.
«يا نهار أبيض.»
انحنت بسرعة تجمعهم.
ولما مدت إيدها على آخر ورقة، لقت إيد تانية سبقتها.
إيده.
تجمدت.
أحمد كان واقف قدامها، ماسك الورقة.
قال بهدوء:
«دي بتاعتك.»
مدها لها.
مريم أخدتها بسرعة.
«شكرًا.»
سكت.
بصت في الورقة.
وبعدين قالت:
«حضرتك… مشغول.»
«آه.»
«وفي ناس مستنياك.»
«عارف.»
رفعت عينيها له.
«يبقى ليه واقف هنا؟»
لأول مرة، ظهر على وشه شيء قريب من الابتسامة.
قال:
«مستنيك تبصيلي.»
قلبها وقع في رجلها.
«أنا… ببص على الورق.»
«واضح.»
حاولت تمشي.
لكنه قال:
«مريم.»
وقفت.
«بعد الحفلة.»
غمضت عينيها للحظة.
«أنا فاكرة.»
«وأنا كمان.»
ومشي.
فضلت واقفة مكانها وهي ماسكة الورقة بكل قوتها.
لكن اللي ما كانتش تعرفه إن أحمد ماكنش الوحيد اللي لاحظ التوتر بينهم.
من الناحية التانية من القاعة، كانت واحدة من سيدات المجتمع بتراقبهم باهتمام.
اسمها داليا منصور.
بنت واحدة من أكبر رجال الأعمال اللي بينهم وبين عيلة الجارحي خلاف قديم.
ولما شافت أحمد وهو بيتكلم مع مريم بالطريقة دي، ابتسمت ابتسامة صغيرة.
وبعد دقائق، وهي ماشية ناحية مريم، قالت:
«إنتِ مريم عبد الرحمن؟»
مريم ابتسمت بأدب.
«أيوه.»
«سمعت عنك كتير.»
«خير إن شاء الله.»
ضحكت داليا.
«أكتر مما تتخيلي.»
وبعدين قربت منها وقالت بصوت منخفض:
«بس واضح إن أحمد الجارحي سمع عنك أكتر مني.»
مريم اتوترت.
«مش فاهمة.»
«مش محتاجة تفهمي.»
داليا بصت ناحية أحمد.
«هو مش من النوع اللي بيهتم بحد بسهولة.»
مريم ردت بسرعة:
«أنا موظفة هنا بس.»
داليا ابتسمت.
«أنا ماقلتش غير كده.»
ومشت.
لكن الجملة فضلت معلقة في دماغ مريم.
بعد ساعة، بدأت حفلة التبرعات.
الموسيقى هديت.
والضيوف اتجمعوا قدام المنصة.
أحمد طلع يتكلم.
مريم وقفت في آخر القاعة.
سمعته بيتكلم عن المؤسسة، عن الأطفال اللي محتاجين علاج، وعن التبرعات اللي هتروح لمستشفيات مختلفة.
لكن في نص كلامه، حصل شيء غريب.
أحمد سكت.
وبص ناحية مريم مباشرة.
وقال:
«أحيانًا الشخص اللي بيعمل أكبر فرق في حياة الناس… بيكون هو نفسه مش عارف إنه عمل فرق.»
مريم عقدت حواجبها.
ماعرفتش ليه حسّت إن الكلام موجه لها.
أحمد كمل:
«وعشان كده، الليلة دي مش هعلن بس عن قيمة التبرعات.»
وقف لحظة.
«أنا هعلن عن قرار شخصي.»
القاعة كلها سكتت.
مريم قلبها بدأ يخبط.
أحمد نزل من على المنصة.
ومشى وسط الناس.
ناحيتها.
كل خطوة كان بيقرب فيها كانت بتخلي عقلها يصرخ:
اهربي.
لكنه وقف قدامها.
ومد إيده.
«تعالي.»
بصت لإيده.
وبعدين بصت له.
«على فين؟»
قال بصوت منخفض ماحدش غيرها سمعه:
«للشرح اللي وعدتيني بيه.»
اتسعت عينيها.
«دلوقتي؟»
«دلوقتي.»
«بس الحفلة—»
«الحفلة ماشية.»
«والضيوف؟»
«في ناس كتير تقدر تتعامل معاهم.»
قرب خطوة.
«لكن في حاجة واحدة أنا مستنيها من امبارح.»
بلعت ريقها.
«إيه؟»
بص في عينيها مباشرة.
«الحقيقة.»
سكتت.
ثم مدت إيدها ببطء وحطتها في إيده.
أخدها وبدأ يمشي بيها بعيد عن القاعة.
لكن قبل ما يخرجوا، مريم سمعت صوت داليا من خلفها:
«واضح إن الليلة دي هتكون ممتعة.»
التفتت.
داليا كانت واقفة بتبصلها بابتسامة غامضة.
مريم رجعت تبص لأحمد.
كان وشه اتغير.
اختفت الابتسامة.
وبص لداليا نظرة خلت ابتسامتها تختفي هي كمان.
فتح باب مكتبه.
دخلت مريم.
ودخل وراها.
قفل الباب.
سكت لحظات.
وبعدين خلع جاكيت بدلته وحطه على الكرسي.
قال:
«اقعدي.»
قعدت.
هو فضل واقف قدامها.
«دلوقتي قوليلي.»
«أقول إيه؟»
«ليه بستي صورتي؟»
مريم غطت وشها بإيديها.
«ممكن ننسى الموضوع؟»
«لأ.»
«ليه؟»
اتقدم ناحيتها.
وقف قدامها مباشرة.
وقال بهدوء:
«لأني من سبع شهور وأنا مستني أعرف إذا كنتِ بتبصيلي بالطريقة اللي أنا ببصلك بيها.»
رفعت عينيها فجأة.
«حضرتك… بتبصلي إزاي؟»
سكت.
وبعدين قال:
«بطريقة الراجل اللي وقع في حب واحدة، وهي مش واخدة بالها.»
مريم اتجمدت.
لكن قبل ما تستوعب كلامه، سمعوا صوت طرق عنيف على الباب.
أحمد التفت.
«مين؟»
جاء صوت أحد رجاله من الخارج:
«باشا… عندنا مشكلة.»
«إيه؟»
سكت الرجل لحظة.
ثم قال:
«الصورة اللي كانت في قاعة المعارض… اختفت.»
مريم بصت لأحمد.
لكن الرجل كمل:
«وفي حاجة أسوأ.»
أحمد فتح الباب.
«إيه هي؟»
مد الرجل هاتفه له.
«حد صور البوستر قبل ما يختفي.»
أحمد أخذ الهاتف.
نظر للشاشة.
وتغير وجهه تمامًا.
لأن الصورة ماكنتش للبوستر لوحده.
كانت صورة مريم وهي بتبوسه.
ومن زاوية واضحة جدًا.
وتحت الصورة، كان مكتوب:
«لو عايز مراتك المستقبلية تفضل عايشة… ابعد عن عيلة منصور.»
مريم حطت إيدها على بوقها.
وأحمد رفع عينيه لها.
المرة دي، ماكانش فيه أي تسلية في عينيه.
قال بصوت بارد:
«الحفلة انتهت.»
مريم همست:
«بس لسه بدري.»
رد من غير ما يبعد عينه عنها:
«بالنسبة لهم آه.»
وبعدين شد الهاتف في إيده.
«أما بالنسبة للي بعت الرسالة دي… فليلته بدأت دلوقتي.»
حكايات شروق خالد

