روايات وقصص

«زعيم المافيا أهان نادلة فقيرة بالإيطالي… لكنه ما كانش يعرف إنها أخته!» حكايات شروق خالد

الراجل الضخم اللي واقف وراه اتحرك خطوة.
لكن حسام رفع إيده، فوقف مكانه.
حسام ابتسم لأول مرة.
«اسمك إيه؟»
«سلمى.»
«سلمى إيه؟»
«سلمى بس.»
«ليه؟»
«علشان حضرتك مش محتاج تعرف أكتر من كده عشان تطلب العشا.»
ضحك واحد من رجاله.
حسام بص له، فسكت فورًا.
وبعدين رجع يبص لسلمى.
«هاتِلي أحسن طبق عندكم.»
«حضرتك تحب إيه؟»
«إنتِ اختاري.»
«أنا؟»
«أيوه.»
بصت له ثواني.
«يبقى شوربة عدس.»
سكت.
الراجل اللي جنبه كتم ضحكته.
حسام قال:
«عدس؟»
«أيوه.»
«أنا باكل كمأة وسمك مستورد.»
«وأنا عارفة.»
«وعايزاني آكل عدس؟»
رفعت كتفها.
«إنت قلت اختاري.»
لأول مرة، حسام ضحك بجد.
ضحكة قصيرة، لكنها حقيقية.
«تمام. هاتِ العدس.»
سلمى لفت عشان تمشي.
لكن صوته وقفها.
«استني.»
بصت له.
«إنتِ قلتي إن الفلوس ما تشتريش الاحترام.»
«أيوه.»
«مين علمك الكلام ده؟»
«الحياة.»
«الحياة علمتك إيطالي كمان؟»
سكتت.
نظراته اتغيرت.
«إنتِ مش نادلة عادية.»
ابتسمت بسخرية.
«وأنت مش زبون عادي.»
الصمت رجع تاني.
حسام فضل يتابعها بعينيه لحد ما دخلت المطبخ.
بعد خمس دقايق، سلمى كانت واقفة بتجهز الطلب بنفسها.
مدحت دخل عليها ووشه أحمر.
«إنتِ اتجننتي؟! ده حسام المنشاوي!»
«عارفة.»
«إنتِ عارفة يعني إيه؟»
«يعني زبون.»
مدحت مسك دماغه.
«إنتِ عايزة تموتيني؟»
قبل ما ترد، باب المطبخ اتفتح.
والراجل الضخم دخل.
كل العاملين اتجمدوا.
قال:
«الأستاذ حسام عايز النادلة.»
مدحت بص لسلمى.
«روحي.»
سلمى خرجت.
لكن لما وصلت للترابيزة، حسام ما كانش موجود.
كان فيه ظرف أسود فوق الكرسي.
فتحت الظرف.
جواه مبلغ كبير من المال.
أكتر من مرتبها بست شهور.
وتحت الفلوس ورقة صغيرة مكتوب عليها:
«مش بقشيش.»
قلبت الورقة.
«ثمن إجابة واحدة.»
سلمى رفعت عينها.
حسام كان واقف عند باب المطعم.
وبصوت هادي قال:
«إنتِ بتشتغلي هنا ليه؟»
قالت:
«علشان الفلوس.»
«ولو دفعتلك أكتر؟»
«مش هشتغل عندك.»
«ليه؟»
بصت له وقالت:
«علشان أنا محتاجة شغل… مش مالك.»
فضل ساكت.
وبعدين قال:
«بكرة الساعة عشرة الصبح، هتكوني في مكتبي.»
«مش هاجي.»
«هتيجي.»
«لأ.»
ابتسم.
«أول مرة حد يقول لي لأ بالطريقة دي.»
سلمى حطت الظرف قدامه.
«وأول مرة حد يعرض عليا فلوس عشان أجاوب سؤال.»
لفت ومشيت.
لكن قبل ما توصل للمطبخ، سمعت صوته:
«السؤال مش عن شغل.»
وقفت.
«السؤال عن أمك.»
اتجمدت.
لفت ببطء.
حسام كان واقف مكانه، والابتسامة اختفت من وشه.
وقال:
«أنا عارف مين كانت والدتك.»
سلمى حسّت إن نفسها انقطع.
«إنت تعرف أمي؟»
حسام ما ردش.
بس قال:
«ولو عايزة تعرفي الحقيقة عن موتها… تعالي بكرة.»
ومشي.
وساب سلمى واقفة وسط المطعم، لأول مرة في حياتها…
مش خايفة من الفقر.
لكن خايفة من الحقيقة.
حكايات شروق خالد
سلمى ما نامتش طول الليل.
فضلت قاعدة على طرف السرير، والورقة اللي حسام اداها لها فوق الترابيزة قدامها.
«أنا عارف مين كانت والدتك.»
الجملة دي كانت بتلف في دماغها من غير توقف.
أمها ماتت من تلات سنين.
وكانت آخر أيامها مليانة وجع وفواتير ومستشفيات، لكن عمرها ما قالت لسلمى إن فيه سر مستخبي ورا موتها.
سلمى فتحت درج قديم كانت محتفظة فيه بحاجات أمها.
طلعت صورة قديمة.
أمها وهي أصغر، واقفة قدام مبنى ضخم، جنب راجل ما كانتش تعرفه.
قلبت الصورة.
كان مكتوب على ضهرها:
«مخازن المنشاوي ـ 2008.»
سلمى اتجمدت.
«إيه علاقة أمي بعيلة المنشاوي؟»
تاني يوم، الساعة عشرة إلا خمس دقايق، كانت واقفة قدام مبنى شركة المنشاوي.
ما كانتش ناوية تروح.
لكن الحقيقة كانت أقوى من كبريائها.
دخلت.
السكرتيرة بصت لها من فوق لتحت.
«عندك ميعاد؟»
«حسام المنشاوي مستنيني.»
قبل ما تكمل، باب المصعد اتفتح.
حسام خرج بنفس البدلة الغامقة، لكن أول ما شافها، قال للسكرتيرة:
«سيبينا.»
دخلت سلمى مكتبه.
كان واسع جدًا، وفيه شبابيك كبيرة بتطل على القاهرة.
حط حسام قدامها ملف بني.
«اقعدي.»
«قول اللي عندك.»
فتح الملف.
أول صورة كانت لأمها.
سلمى مسكت الصورة بإيد مرتعشة.
«إنت كنت تعرفها؟»
«أيوه.»
«إزاي؟»
«أمي كانت صاحبتها.»
سلمى رفعت عينيها.
«أمك؟»
«أيوه.»

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى