روايات وقصص

«لو زعقتلي تاني !»… حكايات شروق خالد

«لو زعقتلي تاني!» حذّرت النادلة الفقيرة زعيم المافيا… لكن رد فعله صدم الجميع. آية عبد الرحمن قضت معظم حياتها وهي بتتعلم إزاي تصغّر نفسها. في سن التمانية وعشرين، كانت النادلة الممتلئة عارفة الروتين كويس: تعدّي بين الترابيزات وهي ميلة على جنب، تشدّ الزي بتاعها فوق بطنها، وتضحك على الزباين السُكّارى لما يهزروا على حجم جسمها.

 

وفي الليلة دي، واحد من الزباين قال لها إن المفروض ما تحاولش تهدّ المبنى فوق دماغهم.

آية ابتسمت وقالت:

«المبنى ده استحمل زلزال سنة 1987…»

وفجأة، باب المطعم اتفتح.

كل الكلام اتقطع.

دخل ياسين المنصوري ومعاه تلاتة رجالة لابسين بدل غالية.

كل اللي في شارع المعز كانوا عارفين اسمه.

وكانوا عارفين كمان إن الأفضل ما ينطقوش بيه بصوت عالي.

الأسد.

راجل بيقولوا إنه بيمتلك قضاة، وشركات، وخوف نص المدينة.

وطبعًا، قعد في القسم اللي آية مسؤولة عنه.

في البداية، كل حاجة كانت طبيعية بشكل غريب.

قهوة.

توست.

وكام كلمة حادة هنا وهناك.

لحد ما ياسين أخد رشفة من فنجان القهوة اللي لسه متحضّر، ورمى الفنجان بعنف على الطبق.

«باردة.»

البخار كان لسه طالع منها.

آية بصت له باستغراب.

«دي اتعملت من تلاتين ثانية بس.»

صوته بقى أقسى.

«إنتِ بتجادليني؟»

المطعم كله سكت.

وبعدين مال بجسمه لقدام وقال:

«إنتِ بتقدمي الزبالة دي لكل الناس، ولا أنا اللي ليّا معاملة خاصة؟»

آية حسّت إنها رجعت بنت عندها اتناشر سنة.

نفس الإحساس القديم.

نفس الخوف.

وهي واقفة بتسمع أبوها بيزعق في المطبخ، بينما كل اللي حواليها بيتعلموا يختفوا من قدامه.

صوت ياسين قطع الذكرى.

«ردّي عليا. إنتِ مهملة، ولا غبية ومش بتفهمي شغلك؟»

حاجة جوا آية أخيرًا اتكسرت.

حطت إبريق القهوة على الترابيزة.

رفعت دقنها.

وبصّت مباشرة في عيني أخطر رجل في المدينة.

وقالت بهدوء:

«لو زعقتلي تاني… .»

حكايات شروق خالد

سادت حالة من الصمت المرعب داخل المطعم.

حتى صوت التكييف كان واضحًا بشكل غريب، كأن المكان كله حبس نفسه منتظرًا اللي هيحصل.

واحد من رجال ياسين مد إيده ناحية جاكيته.

لكن ياسين رفع إصبع واحد من غير حتى ما يبص له.

الراجل وقف فورًا.

ياسين فضل باصص لآية.

لثواني طويلة، ما قالش أي حاجة.

وبعدين، على عكس كل توقعاتها، ابتسم.

ابتسامة صغيرة جدًا، لكنها خلت الدم يهرب من وش المدير.

«إنتِ عارفة إنتِ بتكلمي مين؟»

آية بلعت ريقها.

«أيوه.»

«ومش خايفة؟»

«خايفة.»

رفع حاجبه.

«ومع ذلك هددتيني؟»

آية أخدت نفسًا عميقًا.

«أنا ما هددتكش عشان شجاعة. أنا بس… تعبت.»

اختفت الابتسامة من على وشه.

قال بهدوء:

«من إيه؟»

آية ضحكت ضحكة قصيرة مليانة مرارة.

«من إن كل واحد فاكر إن عشان أنا شغالة هنا، يبقى من حقه يزعقلي. من إن كل واحد يشوف جسمي قبل ما يشوفني. من إن الناس فاكرة إن الفلوس بتديها الحق تدوس على اللي أقل منها.»

واحد من الرجال بص لزميله.

المدير كان على وشك يغمى عليه.

لكن ياسين ظل ساكتًا.

ثم قال:

«إنتِ بتتكلمي كتير.»

آية هزت كتفها.

«وأنت بتزعق كتير.»

لأول مرة، ظهر شيء يشبه الضحكة في عينيه.

«إنتِ مجنونة.»

«ممكن.»

«ومش خايفة تموتي؟»

اتغيرت ملامح آية للحظة.

ثم قالت:

«أنا قضيت عمري كله بخاف من ناس عايشة. الموت مش أكتر حاجة بتخوفني.»

الكلمة دي أصابت ياسين في مكان ما.

ظهر ذلك بوضوح في عينيه.

خفض نظره إلى فنجان القهوة.

ثم دفعه بعيدًا.

«هاتِلي واحدة تانية.»

آية رمشت.

«إيه؟»

«قهوة.»

بصت له بعدم تصديق.

«مش هتزعل؟»

«أنا زعلان.»

«طيب؟»

«بس مش بسبب القهوة.»

آية أخذت الفنجان الفارغ.

وهي بتتحرك، سمعت ياسين يقول:

«واسمك؟»

وقفت من غير ما تلتفت.

«آية.»

«آية إيه؟»

«آية عبد الرحمن.»

كرر الاسم ببطء، كأنه بيحفظه.

«آية عبد الرحمن.»

ثم أضاف:

«روحي اعملي القهوة.»

دخلت المطبخ وهي مش مصدقة إنها لسه عايشة.

لكن أول ما اختفت عن نظره، تغير وجه ياسين تمامًا.

نظر إلى أحد رجاله وقال بصوت منخفض:

«عايز تعرفلي كل حاجة عنها.»

الراجل هز رأسه.

«حاضر يا باشا.»

ياسين شد فكه.

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى